الأفلام الوطنية الموجهة في هوليوود وسلاح التأثير في قاعة السينما

كابتن أمريكا أفلام البربجندا الأمريكية أفلام وطنية أمريكية
0

”السينما الموجهة“ مصطلح واسع ويُقصَد به أفلام يتم صناعتها لخدمة أو توصيل أو توجيه فكر المشاهدين في اتجاه معيّن، ولكننا سوف نقتصر في هذا الموضوع في أراجيك على الأفلام الوطنية أو القومية في هوليوود عاصمة السينما في العالم.

من أهم أدوار فن السينما هو التأثير في اللاشعور الجمعي عند المتفرجين، وتسمح مساحة الحرية الكبيرة في هوليوود بانتقاد أي فكر أو هيئة أو حتى شخص مسؤول بدون أي محاذير أو خطوط حمراء، ولكن في نفس الوقت هناك أعمال سينمائية تُمَجِد وتروِّج لكل الأفكار والقيّم الأمريكية حتى ذات التوجه السياسي منها.

أقرأ أيضًا: أفلام أمريكية شهيرة اُقتبست عن نظيرتها العالمية!

كابتن أميركا

شخصية ”مارفل“ الشهيرة تحمل طرحًا مباشرًا لفكرة القوة والهيمنة الأميريكية. ”كابتن أمريكا“ هي شخصية مصورة ابتكرها ”جو سيمون“ و ”جاك كيربي“ وظهرت لأول مرة في مارس 1941 على غلاف مجلة Timely Comics. ”ستيف روجرز“ هو الذي يمثل شخصية ”كابتن أمريكا“ وهو في الأصل شاب ضعيف البنيّة يسمع بالأهوال التي يقوم بها هتلر في الحرب العالمية الثانية ويقرر الالتحاق بالجيش الأمريكي ولكن بنيته الضعيفة تقف حائلًا بينه وبين حلمه. في هذا الوقت يرى فيه الكولونيل ”شيستر فيليبس“ جسارة وإرادة ورغبة قوية في خدمة أمريكا لذلك يستخدمه كجزء من مشروع قومي لصنع بطل خارق، فيتناول ترياقًا يجعله جنديًا خارق القوة يرجح كفة ميزان أمريكا في محاربتها لدول المحور أثناء الحرب العالمية الثانية. هذا هو بالضبط الطرح المطلوب إيصاله للشباب الأمريكي في هذا الوقت من أجل التطوع في الجيش.

”ستيف روجرز“ من أم وأب إيرلنديين هاجروا إلى أمريكا في العشرينيات وهذا فكرة إضافية أخرى ترسخ لفكرة أن أي مهاجر أمريكي يجب أن يحمل أيضًا على عاتقه سيادة أمريكا وأمنها وأن يعرف أنه أمريكيًا خالصًا وعليه أن يدافع عنها بحياته. ”كابتن أمريكا“ هو قائد كل مجموعة الأبطال الخارقين لمارفل بالكامل برغم تعددهم وقواهم المتنوعة، ها هو مرة أخرى يُصدَر إلى العالم كله فكرة أن أمريكا هي القائد مهما تنوعت قوى الحلفاء وتعددت. بقي أن نضيف أن ملابس كابتن أمريكا تحمل تنويعات على ألوان العلم الأمريكي، ما بين الأحمر والأزرق والأبيض، بينما يتوسط صدره ودرعِه نجمة باللون الأبيض في إشارة أخرى إلى التميّز الأمريكي كواحدة من النجمات المرسومة على العلم.

cap america

”الموت في يوم آخر“ بطولة بوش وتوني بلير!

عقب أحداث سبتمبر 2001، عندما اصطدمت طائرتي ركاب ببرجي التجارة العالمي ومبنى البنتاجون في حادث إرهابي بشع، كان التحالف الأمريكي البريطاني على أشده حيث جورج بوش الإبن وتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا كانا في قمة التفاهم والتوحد حول كل التحركات الدبلوماسية والسياسية وردود الفِعل الناتجة عن هذا الحدث الجلل.

بعدها بحواليّ عام واحد في نوفمبر 2002 يتم عرض فيلم “Die Another Day” وهو الفيلم رقم عشرين في سلسلة أفلام جيمس بوند– الذي يلقى دومًا دعمًا كاملًا من الأسرة المالكة البريطانية- من بطولة بيرس بروسنان وهيل بيري. لأول مرة يتم دمج تحالف وتعاون بهذا القوة والوضوح ما بين المخابرات البريطانية MI6 والمخابرات الإمريكية CIA في قصة الفيلم كخط رئيسي حيث يحارب البطلان معًا من أجل إسقاط العدو الكوري الشمالي متمثلًا في شخصية ”زاو“. وبالعودة إلى هذه الفترة في بداية الألفية الجديدة بدأ النزاع الأمريكي الكوري الشمالي، حيث وصفها ”بوش“ الإبن بأنها محور الشر ومركز الاستبداد في العالم! ولكن الفيلم بالطبع ينتصر في النهاية للثنائي ”بوند“ البريطاني و ”جينكس جونسون“ الأمريكية السمراء ضد ”زاو“ الكوري الشمالي الشرير.

ولتأكيد معنى هذا التحالف ودعمه بشكل أوقع، فإنه بعد صدور الفيلم بحوالي خمسة شهور فقط، قامت القوات الأمريكية والبريطانية باحتلال العراق ودخول بغداد واجتياح مدينة تلو الأخرى وسط اعتراض من كل دول العالم، وكأن الواقع يجسد الخيال هذه المرة ولكن بأحداث مختلفة. يحقق الفيلم الرسالة السياسية المطلوبة بأن هذا التحالف يمكنه الوقوف أمام العالم كله، بعد أن قام بتمريرها بأفضل شكل ممكن حيث حقق الفيلم حوالي 162 مليون دولار داخل الولايات المتحدة، وحوالي 270 مليون دولار في بقية دول العالم.

die another day

ستة جوائز أوسكار لفيلم الانسحاب!

في استطلاع للرأي عام 2007 رأى 55% من الأمريكيين أن الحرب على العراق كانت إجراء خاطئ من قبل إدارة بوش الإبن، بينما أظهر نفس الاستطلاع أن 51% منهم يرى إن الانسحاب أصبح ضرورة حتمية. تحرك الكونجرس وقام بإصدار فاتورة نفقات القوات الأمريكية هناك للضغط على ”بوش“ الإبن لوضع حد زمني للانسحاب، ولكنه استخدم حقه الدستوري ورفض تحديد تاريخ ثابت للخروج من العراق. ولكنه فيما بعد وتحديدًا في عام 2008 قام بتوقيع معاهدة إنسحاب مع الحكومة العراقيّة مُحددًا يوم 31 ديسمبر 2011 كمعاد نهائي لخروج كامل القوات الأمريكية من الأراضي العراقية.

في نفس العام تم البدء في تصوير فيلم The Hurt Locker والذي يحكي قصة قائد كتيبة جديد ”ويليام جيمس“ يتم تعيينه في فرقة إبطال المتفجرات على مشارف بغداد، ونظرًا لكونه مختلفًا فإنه يبهر بطريقته وأسلوبه المتهور في الإدارة اثنين من جنوده، ولكنه في نفس الوقت يجرهم جميعًا إلى قتال ليس في الحسبان مع بعض العناصر العراقية. تستمر عملياتهم لإبطال المتفجرات الواحدة تلو الأخرى باختلاف طريقة التعامل والصعوبات التي يواجهونها في آخر أسابيع من تواجدهم في الخدمة، في سرد خطيّ تقليدي حتى ينتهي الفيلم بعودة ”جيمس“ إلى الولايات المتحدة بعد انقضاء مدة خدمته. يحاول جيمس أن يتعامل مع الحياة خارج الخدمة ولكنه يعاني من التواصل مع زوجته وإبنته ونراه داخل سوبر ماركت يشعر بغربة تامة فيقرر العودة للخدمة في العراق مرة أخرى، ليعطي الفيلم رسالة واضحة ومباشرة للجنود والشعب الإمريكي سواء، ان الخدمة في الجيش الإمريكي هي الحياة! وهي الجملة التي يصرح بها الكولونيل ”كامبريدج“ بصراحة ”إن هذا الوقت الذي تقضيه هنا في الخدمة ليس سيئًا كما يبدو لك، كونك جنديًا محاربًا في حرب هي خبرة حياتية لا تتكرر إلا مرة واحدة في العُمر، يمكنك أن تجعلها ممتعة“.

عُرض الفيلم لأول مرة جماهيريًا في الولايات المتحدة في يوليو 2009 وحقق إجمالي إيرادات حوالي 50 مليون دولار منهم 17 مليون فقط داخل الولايات المتحدة، ويتم ترشيحه في العام التالي لـ 128 ترشيحًا لجوائز مختلفة، بالإضافة إلى 9 ترشيحات لجوائز أوسكار مرة واحدة يفوز منها بستة وهم أحسن فيلم وأحسن سيناريو أصلي وأحسن مونتاج وميكساج صوت وأحسن مونتاج صورة وأحسن إخراج للمخرجة ”كاثرين بيجلو“ والتي بحصولها على هذه الجائزة تصبح أول سيدة في تاريخ الأوسكار تحصل على جائزة الإخراج!

علامات استفهام كثيرة حول حصول هذا الفيلم على كل هذه الجوائز في وجود أفلام مثل Inglorious Bastards لكوانتين ترانتيرو و Seriuos Man للأخوين كوهين، على الأقل على مستوى السيناريو والإخراج! لا مجال للخوض في تفاصيل شفافية لجنة الأوسكار والتي تحتاج عدة مقالات أخرى، ولكن عندما تمرر فيلم كهذا بالتأكيد سوف تجد طرق عدة لتضمن حصوله على كم كافٍ من الجوائز لكي تحقق لفكرتك أكبر دعاية ممكنة.

العلاقة بين ”أونكل“ توم هانكس والعم سام!

لا يمكن الحديث عن المشروع القومي الوطني الأمريكي في السينما بدون الحديث عن النجم ”توم هانكس“. بالنظر إلى تاريخ ”توم هانكس“ المهني ستجده حريصًا على أن يكون ظهيرًا لهذا المشروع الذي يرسخ ويروج كل القيم الاجتماعية والأخلاقية للولايات المتحدة. مبكرًا جدًا في تاريخه المهني وتحديدًا في عام 1994 يجسد ”هانكس“ دور ”فورست جامب“ هذا الفتى المتأخر عقليًا والذي يشارك في حرب فيتنام ليصنع المجد الأمريكي وهو يحمل في قلبه نوايا سليمة وطيبة ناحية المجتمع كله، والذي يتعلم من أمه كل فنون وتعاليم الحياة السَمِحة، في إشارة إلى فكرة the good citizen أو المواطن الصالح -تلك الشخصية التي يجب أن يسعى إليها كل مواطن أمريكي- والتي في نفس الوقت تتناول فكرة “الحلم الأمريكي” وتقدمه من زاوية مختلفة.

ثم في العالم التالي 1994 يقدم ”هانكس“ دور رائد الفضاء ”جيم لوفل“ الذي يصعد على متن المكوك الفضائي أبولو 13 في رحلته نحو القمر في فيلم Apollo 13، وبرغم فشل المهمة نظريًا في الهبوط فوق سطح القمر ولكنه ينجح بالعودة بالطاقم كاملًا إلى الأرض بعد مهمة بطولية لنرى في هذا الفيلم رحلة وكفاح الولايات المتحدة الأمريكية في سباقها مع روسيا إبان الحرب الباردة وسعيّ كل منهما للوصول إلى القمر عن طريق تسجيل وتخليد هذه القصة الحقيقية في فيلم قومي. ويستمر ”هانكس“ في دور البطل القومي الكابتن ”ميللر“ مع المخرج ستيفن سبيلبيرج عندما يقدم واحدًا من أعظم أدواره في ملحمة عملية إنزال شاطئ نورماندي بفرنسا في الحرب العالمية الثانية من خلال فيلم Saving Private Rayan إنتاج عام 1998. حيث يقوم بدور قائد فرقة مكلفة بالبحث عن جندي واحد مات أخوته الاثنين في الحرب، وتريد القيادة إرساله إلى الوطن ليعود إلى حضن أمه بدلًا من أن تفقد كل ذريتها في الحرب! وينجح ”ميللر“ في إستعادة ”رايان“ وتنفيذ المهمة بينما يموت كل أعضاء فريقه بالكامل في العملية، لكي يتم تمرير فكرة التضحية بالنفس في مقابل تنفيذ الأوامر العسكرية مهما بدت غير منطقية وغير مقبولة! مرة أخرى أحد الأفكار التي يريد الفيلم تمريرها والمأخوذ عن قصة حقيقية برغم محاولات سبيلبيرج للتصريح عدة مرات في الفيلم بأن الحرب هي أسوأ اختراعات البشرية.

ثم في فيلمين آخريين هما ”Captain Phillips“ عام 2013، و “Sully” عام 2016 يقدم ”هانكس“ دور البطل القومي. يجسد في الأول قصة حقيقية لقبطان بحري شجاع على سفينة شحن يحررها من براثن قراصنة صوماليين، أما في الفيلم الثاني فهو طيّار مدني أمريكي بطل ينقذ طائرة ركاب ويهبط بجميع رُكابها بأمان فوق سطح البحر بعد حدوث عطل فني بها.

ومن تتبع رحلة ”هانكس“ يظهر صفات المواطن الأمريكي الصالح في أي مكان وأي زمان وأي وظيفة.

أقرأ أيضًا: أفلام حازت على لقب أفضل تصوير وفقًا للجمعية الأمريكية للسينمائيين

صورة الرئيس الأمريكي الخارق

لم تغفل السينما الهوليوودية الموجهة عن إظهار بطولة الرئيس الأمريكي الشجاع، ها هو ”هاريسون فورد“ يجسد شخصية الرئيس الأمريكي الذي يواجه الإرهابيين الذي اختطفوا الطائرة الرئاسية وهو على متنها برفقة أسرته في الفيلم الشهير “Air Force One” إنتاج عام 1997 حيث يظهر بطولة منقطعة النظير وحده ويطرد الإرهابي الشرق أوروبي ”جاري أولدمان“ وفريقه وينتصر لفكرة قوة رئيس أمريكا العقلية والجسدية. ثم تظهر قدرات الرئيس الأمريكي الإدارية والذهنية مرة أخرى في الفيلم القومي الذي يحمل عنوان أهم يوم في تاريخ أمريكا “The Indepence Day” أو يوم الاستقلال في عام 1996 والذي يفترض حدوث غزو فضائي لكوكب الأرض ينتج عنه فوضى عارمة في كل أنحاء العالم، ويتصدى الطيران الحربي الأمريكي وبعض فئات الشعب المختلفة تحت قيادة الرئيس الأمريكي نفسه الذي ينخرط مع الشعب في الشارع ويقود الجميع للنصر بهزيمة الفضائيين! يعتبر هذا الفيلم هو تصدير مباشر لفكرة السيادة الأمريكية على العالم، وأنها درع الأمان وأقوى أمة يمكنها أن تجابه أي عدو حتى ولو كان غزوًا فضائيًا ذو قدرات فائقة! أما في فيلم “London has Fallen” يظهر بطولة الحارس الشخصي للرئيس الأمريكي في إنقاذه من محاولة اغتيال دولية في لندن مبرزًا الشجاعة والتضحية لقوات الحراسة الخاصة المحيطه به بالإضافة إلى التأكيد على إنسانية الرئيس وتفهمه وتقديره لهؤلاء الرجال الذين يقدمون خدمة جليلة للولايات المتحدة في شخصه.

Air Force One
Air Force One- Harrison Ford

هل يمكن تعقب السينما الموجهة؟

لا يستطيع أي متابع أن يؤكد بالأدلة القاطعة أن السينما الموجهة في هوليود مموّلة أو مدعومة. وقد تكون بعض الأعمال المذكورة هي بالفعل من بنات أفكار صانعيها ولكن تظل بالتأكيد هي نتاج ثقافة شعبية متوارثة من جيل لجيل. أما عن التوجيه المقصود فإن هناك طرق وقنوات عديدة يمكنها تمويل ودعم الأفكار والمشاريع الفنية الموّجهة بشكل قانوني وسليم وعلى الملأ، ولكن ما خلفها لن يكون أبدًا واضحًا للعَيَان.

السينما فن ساحر ومؤثر ولذلك لن يخلو أبدًا من آفة التوجيه والخضوع أحيانًا لأهواء غير صانعيها.

0

شاركنا رأيك حول "الأفلام الوطنية الموجهة في هوليوود وسلاح التأثير في قاعة السينما"