دائمًا ما تنجح السينما في تعرية النفس البشرية، في كشف الخبايا، وفضح وحشية الإنسان، كون مواضيعها تأتي كرد فعل على الواقع الحياتي والإنساني -قديمًا حديثًا- تصور صراع الخير والشر في الروح البشرية، والتناقضات التي يصير عليها الإنسان بمرور الوقت، بفضل التطور الحاصل بشخصيته، وسلوكياتها، بسبب فعل ما، أو ظرف ما، في ظل انتشار الفوضى نتيجة الحروب والفساد الأخلاقي. 

بالطبع الحديث هنا عن بعض الأفلام، التي تجيد حياكة الشر وتصويره وفق منطق ومنظور صناعه، وهي كثيرة ومتنوعة، قدمت على مر السنين برؤية مختلفة، كأفلام المخرج المكسيكي “جييرميو ديل تورو” وفيلمه الأخير ”Nightmare Alley“، الصادر في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2021. 

وهذا الجانب السودواي القاتم المحيط بالكون الذي يحبذ المخرج العالمي الفائز بجائزة الأوسكار عن فيلمه” The Shape Of Water “ -كأفضل فيلم وإخراج- الحديث عنه وإظهاره في أعماله. 

ما يربطه بالوحوش علاقة روحانية، وغرام بدأ من الطفولة، هو يراها محض كائنات منبوذة، وصورة معكوسة عما نحمله من عيوب في دواخلنا، لذا هي متمثلة في أفلامه على هيئة صور بشرية، غالبًا ما تكون في أفراد الأسرة، الحروب وقادتها. 

زقاق الكرنفالات الرخيصة 

ينقلنا “جييرمو ديل تورو” إلى أجواء الكرنفالات من أواخر ثلاثينيات القرن المنصرم، يقحمنا في عالم المحتالين الروحانيين، وملوك الطمع الرخيص اللاإنساني في جل الأوقات، “زقاق الكوابيس” محاكاة حقيقية عن الإنسان الراغب بأن يتحول إلى حيوان، دون إدراك ذلك، من أجل البقاء على قيد الحياة، وإن ظلت روحه على قيد الشر، الغاية إشباع حاجاته ورغباته، مهما تنافت مع أخلاقيات الكون. 

حصل فيلم Nightmare Alley في موقع IMDb على 7.1/10 من تقييم النقاد، وعلى 79% من الأصوات في موقع Rotten Tomatoes.

جثة.. وماضٍ غامض 

يستهل الفيلم بمشهد يقوم فيه البطل بدفن جثة داخل أرضية الكوخ الخشبي، ثم يقوم بإضرام النار بها، لتنتشر بعدها في أرجاء المكان، بطل الحكاية الممثل “برادلي كوبر” بشخصية “ستانتون كارلايل”، بدايةً تحتار لأمره، وما علاقته بتلك الجثة، وهل الوفاة ناجمة عن تفشي وباء ما!

يرحل ستانتون تاركًا وراءه ماضٍ غامض، يسافر مع حقيبة وراديو وساعة يد، يحط به قدره في أرضٍ متربة لا لون لها ولا رائحة، سوى النفاق المتآكل في روح سكانها، والكسب غير المشروع.. وكأنه مكانٌ ملعونٌ، ما زال متأثرًا بتبعيات الحرب العالمية الأولى، وما أخلفته من ندوب، أناسٌ ليس لهم موطن في البلاد الأنيقة الباهرة.. على تلك البقعة من الأرض كرنفال متنقل، وهذا بالضبط ما يزاولونه هؤلاء الناس، أعمال السيرك.

يتعرف هناك على زيينا “توني كوليتي” المدعية معرفتها بعلم الغيب، وعلى  زوجها بيت السكير “ديفيد ستراثيرن”، والذي يلقنه دروسًا في ألعاب الخفة، يساندانه، فيقابل معروفهما بالخيانة وخاصةً بيت. 

يعجب بفتاة تدعى مولي “روني مارا”، البراءة والنقاء أبرز سمات شخصيتها، يحاول استمالتها، ويقنعها بالرحيل عن عالمها وترك من هم بمنزلة أهلها، يتعهد بنقلها إلى حياة مغايرة أكثر لمعانًا، بعدما حصل على كل ما يحتاج  معرفته من أساليب الكذب والخداع.

كل ما تحتاجه أكاذيب وامرأة 

نلاحظ أن فيلم Nightmare Alley المأخوذ عن رواية صدرت في عام 1946 للكاتب “ويليام ليندسي”، الممتد إلى ساعتين ونصف من الوقت مقسم إلى نصفين، في الجزء الأول منه يصور لنا حكاية ستان وضياعه بين ماضٍ مضطرب وتلك الفترة تمثل مرحلة التعلم والصعود.. وحاضر بدأ للتو وتدريجيًا يتضح أمامه طريق المجد الذي خطط له، لكنه غير معافى من كوابيس الماضي، هو يشبه موطنه الجديد، انتهازي، وغير منتمي هو في طور البحث عن نفسه ومعناها، متعطش للنجاح والشهرة، وهذا ما يحققه بعد صنع عالمه الاستعراضي الخاص عند انتقاله ومولي إلى المدينة، مكان أكثر إبهارًا للسحر والتلاعب الذي يمارسه على الناس، عكس الكرنفال المتهالك الرخيص، المجرد من الإنسانية بقصد التسلية الشريرة، فالإنسان سلعة هناك.. النصف الثاني يمثل مرحلة الاستقرار ثم الهبوط لاحقًا أكثر نحو القاع الذي كان يخشاه مع النصف الأول، والغريب أنه يستسلم له. 

هو الآن تربع على عرش الشجع والنفاق، يكذب على الطبقة المخملية في المجتمع وكبارها، يوهم زبائنه الأثرياء بمقدراته العالية على قراءة الغيب، وهو معصوب العينين، في أحد العروض تحاول امرأة ساحرة إيقاعه في شرك أكاذيبه، إلا أنه يتمكن منها في نهاية المطاف. 

تلك السيدة هي الدكتورة النفسية ليليث ريتر “كيت بلانشيت”، امرأة قوية ماكرة، تمتلك أساليبها الخاصة في الخداع وإيقاع من حولها بشركها، تجد في ستان شريك مصالح على هواها، فتشاركه لعبته بإيهام الأغنياء وأصحاب النفوذ بمعرفة أسرار وخبايا عنهم ليست مشاعة، عن طريق مده بالمعلومات عن زبائن عيادتها، الذين يفشون حياتهم في اللحظة التي يغوصون بها على الأريكة في عيادتها، التي تشبه القارب في تشكيلها، فيغرقون في الحديث أملًا بالمعالجة المنقذة. 

لوحة من الإبهار البصري

يستفيد الفيلم من ثنائية ستانتون كالاريل وليليث ديتر، سحرٌ لا يقاوم في تلك العلاقة، يمثلان الغطرسة والشجع الشيطاني، كل منهما يجيد التحايل بدرجة خبث متفاوتة، رغم ذلك دائمًا ما يقع الرجل في شباك المرأة، قادرة على الإغواء في كل مرة.. معها تجده ضعيفًا مستسلمًا لغرائزه، كشفت ما تعرض له من صدمة نفسية في الصغر، لا عاطفة أبوية لديه، عاطفته تجاه المرأة، أربع نساء نجحن بإغوائه في أحداث الفيلم، العرافة زيينا، حبيبته مولي، وليليث... والشهرة. 

يمنح المخرج “جييرميو ديل تورو” أبطال أفلامه من لديه نزوع صوب ممارسات الشر، الإحساس بالقوة والكمال، يبرر لهم، وينزل بهم العقاب كذلك الأمر، يجيد تصوير الشجع والكذب ونقلهما، يضعك في عالم الظلام، ويصور لك من بعيد نورًا خافتًا، هي الدلالة الوحيدة على القليل من الخير. يبرع في اختيار ممثليه، كلٌ في مكانه الصحيح، في الأدوار الكبيرة والصغيرة على حدٍ سواء، “برادلي كوبر” كريمٌ في تبنيه للدور، يعيش في إهاب الشخصية، “كيت بلانشيت” لعوب متمكنة وخطيرة، تستدرج عطفك وكرهك لها.

للإضاءة دور أساسي في تلميع القصة وتلطيفها، بالرغم من بعض الخمول الحاصل في نص الكاتبة “كيم مورغان”، ومحاولاته اكتساب صفة العمق والثراء، الإبهار البصري يضاهي السرد الحكائي في كثير من أجزائه، لوحة شارك صنعها كل من السينمائي “دان لاوستن” والموسيقي “ناثان جونسون”. 

اقرأ أيضًا: أهم الأفلام المرشحة لجوائز الأوسكار 2022.. في المقدمة “لا تنظروا إلى السماء"