نزار قباني؛ القاسم المشترك بين عبدالحليم حافظ وكاظم الساهر

0

نزار قباني، هو أحد أبرز الشعراء الذين احتلّوا مكانة متميّزة بين أبناء جيله من الشعراء، فلقد استخدم نزار مفردات لغويّة لم يجرؤ أحد قبله على استخدامها.


نزار قباني

مارس 1923 – أبريل 1998


نزار قباني

كان نزار يطلق على اللغة التي استخدمها  في أدبه “اللغة الثالثة”، وهي الجسر بين اللغة البلاغية المتعجرفة من جهة، واللغة العامية المتواضعة من جهة أخرى، وعن هذا يقول:

“كانت لغة الشعر متعالية، بيروقراطية، بروتوكولية، لا تصافح الناس إلا بالقفازات البيضاء، ولا تستقبلهم إلا بربطة العنق الداكنة، وكل ما فعتله أنني أقنعت الشعر أن يتخلى عن أرستقراطيته، ويلبس القمصان الصيفية المشجرة، وينزل إلى الشارع ليلعب مع أولاد الحارة، ويضحك معهم، ويبكي معهم.”

يقول نزار:

“أنني في شعري أحمل جنسيات العالم كله.. وأنتمي إلى دولة واحدة.. هي دولة الإنسان”.

لذلك تُرجِمت أشعاره إلى العديد من اللغات مثل الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والإيطالية، والروسية.

كتب عنه الشاعر أنسي الحاج فقال:

“أدبُ نزار ليس مجرد عمارة من الكلمات، بل هو روح زمن، وروح شعب، وروح تجربة في الشعر، بل معه، وربما قبله وبعده القيامة من الموت، من موت حضارة ولغة وشعب، إلى حياة تعانق الحياة”. 

نزار قباني هو من أشهر من كتب غزلاً في المرأة التي لعبت في حياته دوراً كبيراً، مما سبب له شهرة كبيرة، حتى أن بعض قصائده كانت سبباً في احتجاجات لعدد من رجال الدين، لاعتبارهم أنها خارجة عن الآداب والتقاليد، بل واعتبرها البعض خروجاً عن الدين نفسه، وكان قباني في ذلك الوقت يعمل بالسلك الدبلوماسي، فطالبوا بفصله من العمل، وخاصةً بعد نشر قصيدة له بعنوان “خبز وحشيش وقمر”، والقصيدة تتحدث عن المجتمع العربي الغارق في الاتكالية والإيمان بالغيبيات وانتظار معجزات السماء:

ما الذي عند السماء لكسالى ضعفاء يستحيلون إلى موتي

إذا عاش القمر.. ويهزون قبور الأولياء علها ترزقهم رزاً وأطفالاً

ويمدون السجاجيد الانيقات الطراز

يتسلون بٲفيون.. نسميه قدر

وقضاء.. في بلادي.. بلاد البسطاء

وقد نافست أشعاره في ذلك الوقت شعراء بقامة  الشاعر العراقي “مظفر النواب“، والشاعر العراقي الكويتي المطارد “أحمد مطر” في هجاء الحكام العرب لموقفها من قضية فلسطين، بعد 1967، فكانت قصيدته “هوامش على دفتر النكسة”:

خلاصة القضية توجد في عبارة.. لقد لبسنا قشرة الحضارة

والروح جاهلية.. بالناي والمزمار لا يحدث انتصار

لا تلعنوا السماء إذا تخلت عنكم.. لا تلعنوا الظروف

فالله يؤتي النصر من يشاء

وليس حداداً لديكم يصنع السيوف

تبارى العديد من مطربي العصر الذهبي بغناء أشعاره منهم:

  • السيدة ام كلثوم

“أصبح الآن عندي بندقية”، وهي قصيدة وطنية، كتبها نزار بعد 1967.

“عندي خطاب عاجل اليك”، وكانت في رثاء جمال عبد الناصر.

لا تسألوني ما اسمه حبيبي – موال دمشق – وشاية

  • السيدة نجاة الصغيرة

ماذا أقول له – ٲيظن – متى ستعرف كم أهواك – أسألك الرحيل – سيد الكلمات المشهورة باسم “لا تنتقد خالي الشديد”.

  • السيدة فايزة احمد

رسالة من امرأة

لم تقتصر قصائد نزار قباني على جيل العمالقة فقط بل تخطت إلى جيل الشباب ومنهم:

  • أصالة

قصيدة أغضب

  • عاصي الحلاني

قصيدة القرار

  • ماجدة الرومي

بيروت ست الدنيا – كلمات – مع جريدة – طوق الياسمين – أحبك جداً

سنلقي الضوء بالتفصيل على اثنين من عمالقة الغناء من أجيال مختلفة، والذين تغنوا بقصائده “عبدالحليم حافظ الذي غنى قصائد نزار في السبعينيات وكاظم الساهر من جيل الثمانينات”،  والتي كانت لأشعاره كبير الأثر على مشوارهم الغنائي.


عبدالحليم حافظ

يونيو 1929 – مارس1977


عبودة

المُلقّب بالعندليب الأسمر، الذي أحدث ظهوره نقلة في الوسط الغنائي، لنوعية الغناء الذي كان جديداً على إذن المستمع العربي، وهو الذي تربى على أصوات أمثال:

موسيقار الأجيال “محمد عبدالوهاب” وسيدة الغناء العربي “ٲم كلثوم”.

لكن استطاع حليم أن يثبت وجوده وسط جيل العمالقة، باختياراته الذكية، وفريق العمل المميز الذي صاحبه في رحلة صعوده “محمد عبد الوهاب – محمد الموجي – كمال الطويل – بليغ حمدي – منير مراد – حلمي بكر”، من فريق التلحين، ومن الشعراء تعاون مع عدد كبير منهم:

“مرسي جميل عزيزي – مٲمون الشناوي – حسين السيد – محمد حمزة – عبد الفتاح مصطفي – محمد حمزة “

حليم فنان تخطت شهرته زمنه، فأغلب جيل الشباب الحالي لم يعاصر حليم، ولكن أغنياته صاحبت افراحه “وحياة قلبي وافراحه” وأحزانه “مشيت علي الأشواك – موعود – في يوم في شهر في سنة”، انتصاراته “احلف بسماها وبترابها – ابنك يقولك يا بطل – احنا الشعب – بالأحضان – عدي النهار”.

عبودة 2

كان حليم يبحث دائماً عن التميّز رغم شهرته، واختيار كل جديد من شأنه أن يرضي جمهوره، فاستطاع بالاستعانة بأشعار قباني أن يضيف لنفسه مجداً جديداً، وأن يتألق في سماء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج.

حين سُئِلَ نزار عن كيف كانت علاقته بعبدالحليم حافظ قال:

عبدالحليم حافظ يختصر تاريخ الغناء والمغنين منذ إسحق الموصلي إلى اليوم، ولو كُتِب لهذا المبدع أن يعيش خمسين سنة أخرى، لقلب تاريخ الغناء العربي من أساسه. إنه مغني ثوري وانقلابي ومغامر من طراز نادر، وانني عندما أعطيته قصيدتي (رسالة من تحت الماء) و(قارئة الفنجان)، التمعت في عينيه آلاف النجوم وقال: شكراً يا نزار هذا هو الشعر الذي أريد أن أغنيه.

عبدالحليم كان صديقي وأملي في إنهاء عصر التلوث الموسيقي الذي نعيشه، كان وردة الحداثة التي جفت قبل أن تعطي كل عبيرها، وكان قمر الحب الذي غاب قبل أن يملأ سماءنا بأمطار الياسمين.

وقد كانت قصيدة “قارئه الفنجان” آخر ما غنى، وكان ذلك في حفلة شم النسيم عام 1977


كاظم الساهر

مواليد سبتمبر1957


كاظم

كانت بدايات كاظم الساهر في أوائل الثمانينات، حيث تم اعتماده عام 1983 كملحناً ومطرباً في الإذاعة والتليفزيون العراقي، بعد أن عرفه الناس من خلال أغنية “عابر سبيل”، من كلمات الشاعر “عزيز الرسام”، وألحان وغناء كاظم الساهر.

تعاون بعدها مع العديد من الشعراء العراقيين أبرزهم: منذر كريم – كريم العراقي

سيطر كاظم على مثلث الأغنية في أحيان كثيرة، فقد كان بالإضافة إلى الغناء، يكتب ويلحن أيضاً، ومن هذه الأغنيات:

سلامتك من الاه – لا تتنهد – هذا اللون – اللي يريد الحلو – بعد الحب – ضمني علي صدرك – انا وليلي

وقد لاقت هذه الأغنيات نجاحاً كبيراً، ولكن لذكاء كاظم ومعرفته بأهمية دور مصر له في الانتشار، واكتساب قاعدة جماهيرية كبيرة، فقرر أن تكون محطته التالية القاهرة، ولتأثره الكبير بحليم، الذي يتشابه معه في إنه مثله ابن الفقراء، قرر أن يمشي على دربه.

فغنى “اني خيرتك فاختاري” لنزار قباني، ولكن دون أن يستأذنه، فغضب نزار منه لذلك، ما جعل الساهر يزوره في بيته ويقدم له الاعتذار، وليقبل نزار اعتذاره، ويكتب له “زيديني عشقاً” التي كانت فاتحة الخير.

“قيصر الاغنية العربية” هكذا اطلق عليه الشاعر الراحل “نزار قباني”.

توالت النجاحات بعدها ليرتبط اسم كاظم الساهر ارتباطاً وثيقاً بشعر نزار قباني، فلقد كان لكاظم النصيب الأكبر من شعر نزار، عشرون قصيدة، أبرزهم واشهرهم:

مدرسة الحب – قولي احبك – أشهد أن لا امرأة – كل عام وانتي حبيبتي – الحب المستحيل – حبيبتي والمطر – علمني حبك

استطاع كاظم الساهر أن يحقق المعادلة الصعبة، “الفَنّ الراقي والصوت العذب” وأن يظل على القمة، رغم أنتشار موجة الأغاني الشبابية، وإصراره على غناء القصائد في زمن ضياع القصيدة، وقد ساعده في ذلك حضوره الطاغي والقبول الذي يملكه، وخصوصاً عند النساء، التي تجد في أغانيه الدلال والرقة التي تحتاجها كل امرأة.

حصلت أغنية “أنا وليلي” على المركز السادس عالمياً باستفتاء أجرته هيئة الإذاعة البريطانية، حصل أيضاً على جائزة من اليونيسيف عن أغنية “تذكر”، وتُرجِمَت الأغنية إلى 18 لغة، كما حصل على جائزة صندوق منظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف” عن أغنية “دلع”.

أيضاً دُرِّست أغاني كاظم الساهر في الجامعات الأمريكية مثل جامعة هارفارد.


الفَنّ الجيّد ليس له زمن، فنزار قباني وعبدالحليم حافظ رحلوا منذ سنوات عديدة، ولكن فنهم باقٍ على امتداد الأجيال، وكاظم الساهر هو امتداد لجيل الروّاد وأملنا في وجود فَنٍّ راق، يرقى بالمستمع العربي، ويصل به إلى العالمية.

0

شاركنا رأيك حول "نزار قباني؛ القاسم المشترك بين عبدالحليم حافظ وكاظم الساهر"