فيلم Pain and Glory .. سردية ألمودوبار للحياة استحق عنها بانديراس جائزة أفضل ممثل

1

في أحد المشاهد الأولى في فيلم Pain and Glory يحكي “ألمودوبار” على لسان شخصيته كيف تعرّف على العالم بنظرته الخاصة، كيف لم يتلقى في سنوات دراسته الأولى تعليمًا سوى الموسيقى وكل الأوقات المُخصصة لدراسة باقي العلوم أجبروه على قضائها في التدرب على الموسيقى فقط.
كيف أنه فيما بعد، عرِف عِلم الجعرافيا عن طريق سفره حول أوروبا للترويج لأعماله التي تلقت نجاحًا كبيرًا، وعرف عِلم الأحياء عن طريق الألم الذي ساعده على معرفة المناطق الكثيرة التي ومع الوقت قد احتلّها في جسده. وخلال حياته قد توسعت معرفته، اتجاه الحياة وجوانبها، تزامنًا مع ازدياد مجده مرةً، وازدياد ألمه مرةً أخرى.

هكذا كانت حياة سلفادور مالو، التي لا يمكن فصلها فصلًا تامًا عن حياة “بيدرو ألمودوفار”.

هو رجل ما زال يعاني من ندم اتجاه قرارت اتخذها في الماضي، يعاني من آلام جسدية شديدة تمنعه من ممارسة حياته بشكل كامل، رجل وحيد، رغم أن منزله كبير ويبدو كالمتحف إلا أنه فارغ تمامًا من أي شخص سواه.. منزل مليء باللوحات التي أهدى لها كل ما يملكه حتى أنها صارت الشيء الوحيد المتبقي معه.. يعتريه حنين دائم إلى الماضي وكثيرًا ما يفكر فيه وفي أكثر اللحظات دفئًا منه لعلها تمنحه القليل.

نرى سلفادور في عدة مشاهد من الفيلم وحيدًا داخل الكادر، وبجواره مساحة فارغة..

خاصة على سريره المُعَد لشخصين، وتوجد به وسادة على كل جانب، إلا أنه وحيد تمامًا.. تاركًا المساحة المخصصة للشخص الآخر مُرتبة وجاهزة بالوسادة لكن لا أحد عليها.

فيلم Pain and Glory، كتابة وإخراج “بيدرو ألمودوبار”، قام ببطولته “أنتونيو باندرياس”، “بينلوب كروز”، و”أسير إتكسينديا”. الفيلم يدور حول مخرج إسباني “سلفادور مالو” ومعاناته الجسدية مع الأمراض التي أصابته، ومعاناته النفسية مع القرارت التي اتخذها في الماضي والتي بدورها تُحدث تأثيراتها ونتائجها على قرارته الحالية والقادمة في حياته.

أقرأ أيضًا: أعلى الأفلام إيرادًا في الألفية الثالثة

سردية ذاتية ترسم ملامح الفيلم

يتنقّل فيلم Pain and Glory بين مشاهد من الحاضر، ومشاهد أخرى يتذكرها “سلفادور” من طفولته ومن الأوقات الأخيرة التي قضاها مع والدته قبل وفاتها.. وهنا تمتزج مشاهد الحاضر مع مشاهد الماضي بسلاسة وبدون تعقيد، فكلما أرادت الشخصية أن تحكي، أو أرادت أن تذكر شيئًا ننتقل معها إلى لمحة من ماضيها، تتكشف فيها أشياء أخرى يريدنا أن نراها بعينه.
و “الحكي” هنا هو التيمة الأساسية للفيلم، فكل ما نراه على الشاشة هو سرد شخصي لـ “سلفادور” عن حياته، الحكي هو المحرك الأساسي للأحداث والدافع وراء أغلب أفعال الشخصية.. إما عن طريق ما يختار أن يحكيه، أو عن طريق سرده لحكايات من ماضيه تتسبب فيما بعد في تغيير مسار الأحداث. وقد اختار “ألمودوفار” أن يحكي الكثير، عن طفولته وذكرياته، عن قصة حبه وعلاقته بوالدته.. عن ندمه وإحساسه بالذنب وبداية طريقه كمخرج سينمائي.. وعن اتخاذه للهيروين كطريقًا سهلًا للتغلب على آلام جسده.
أما أهم ما اختار ألمودوفار توثيقه هنا.. هي علاقته الممتدة منذ الصِغر مع السينما والأفلام.

كانت الأفلام هي المُنقذ الوحيد

“بدون صناعة الأفلام، حياتي تفتقد إلى معنى”

لازمت الأفلام “سلفادور” منذ أن كان صغيرًا، ذكرياته عن طفولته لا تخلو من السينما، ورائحة الصالات التي تم عرض الأفلام بها.. حتى وأنها في أكثر أوقات حياته صعوبة كانت هي المُنقذ الوحيد. واتخذ سلفادور الألم الذي عصف به مرات عديدة خلال حياته، المُعلِم المخلص له، المدرسة التي لم يدخل مثلها في صغره، فألهمه ألمه.. وكتب وأخرج فيلمه الأول ثم الثاني ثم توالت نجاحاته كمخرج كبير. وكان الفيلم هنا بمثابة احتفاء شخصي بالحياة، بالسينما وبالأفلام.
واستمرت الأفلام في إنقاذه.. حين عرض عليه الممثل الذي عمِل معه في فيلم منذ أعوام كثيرة ماضية، وكانا قد افترقا منذ وقتها لعدم رضا سلفادور الكامل عن أدائه لشخصيته، أن يؤدي نصه الاعترافي “إدمان” في إحدى الصالات، وعندما وافق سلفادور بعد رفض، دخل حُبه القديم بالصدفة ليشاهد هذا العرض، وعاد إلى حياته مرة أخرى واعدًا بمزيد من اللقاءات بينهم.. العودة التي دفعت بسلفادور إلى التغيير وتَرك الهيروين الذي كان قد أدمنه لفترة، محاولًا إيجاد علاج للآلام الكثيرة التي تعتريه.. ليتمكن من متابعة حياته مرة أخرى واستكمال رحلته مع السينما.
ونرى في مشهد النهاية، للطفل والأم التي تقوم بدورها “بينلوب كروز” وهو يتم تصويره كجزء من الفيلم القادم لسلفادور، ونكتشف أن ما كنا نراه هو بالفعل طفولة سلفادور لكن مُصوّرة بعيونه داخل الفيلم.. وأصبحت مشاهد الماضي هي أيضًا ملامح المستقبل في مسيرة سلفادور المهنية بإخراجه لفيلم بعد توقف دام الكثير بعد وفاة والدته والعملية الجراحية التي أجراها، وعودة السينما لحياته مرة أخرى.

“ألم ومجد” لم يكن الفيلم الأول لـ “ألمودوفار” و”بانديرس” معًا، فقد سبق لهما العمل سويًا في “الجلد الذي أعيش فيه”، “متاهة العاطفة”، و”ماتادور”. منذ المشهد الأول وحتى مشهد النهاية، قدم لنا “أنتونيو بانديرس” أداءً جيدًا لشخصية “سلفادور مالو”، فأداؤه هنا من أكثر ما قدم نضجًا وخفةً على مدار مشواره الفني.. الأداء الذي استحق عنه جائزة “كان” لأفضل ممثل.

فيلم شديد العذوبة، رقيق وهادئ، لرجل يصطحب في طريقه معاناته وآلامه ليرسم بها أمجادًا جديدة.

أقرأ أيضًا: هل يتنافس أنطونيو بانديراس مع ليوناردو دي كابريو على أوسكار أفضل ممثل؟

1

شاركنا رأيك حول "فيلم Pain and Glory .. سردية ألمودوبار للحياة استحق عنها بانديراس جائزة أفضل ممثل"