مسلسل ما وراء الطبيعة
0

نجاح مسلسل ما وراء الطبيعة الساحق حقيقة وصلتك بالتأكيد ما لم تكن معتزلا في كهف في الفترة الماضية. حتما شاهدت المسلسل بنفسك أو شاهده بعض أفراد عائلتك أو أصدقائك.. حتما حاصرتك منشورات الفيسبوك عن المسلسل من قبل عرضه أصلا. 

نجاح مسلسل ما وراء الطبيعة لم يكن مجرد نجاح مسلسل مصري آخر، بل كان الانطلاقة الحقيقية لشركة نتفليكس في مصر، بما لها من أهمية في المنطقة العربية في مجال الإنتاج الفني. 

ومنصة نتفليكس دخلت السوق المصري والعربي منذ عدة سنوات، وبالتحديد منذ عام ٢٠١٦. وقتها كان المحتوى العربي على المنصة محدودا جدا، فباستثناء أفلام ومسلسلات الأطفال المدبلجة لم تكن هناك أعمال عربية تذكر على المنصة. لذلك ظل انتشار المنصة محدودا بفئة معينة من مستخدمي الإنترنت الذين يفضلون نمط المشاهدة عند الطلب.. وبرغم تزايد انتشار المنصة وظهور منصات أخرى منافسة مثل شاهد ووتش إت وفيو وستارز بلاي وأو إس إن، وهي منصات بعضها يركز أكثر على المحتوى العربي، وبرغم وتزايد المحتوى العربي على منصة نتفليكس نفسها، إلا أن هذا كله توقف عند سقف المستخدمين أنفسهم.. كانت نتفليكس بحاجة إلى عمل جماهيري كبير يخرج بها من دائرة مشاهدي الإنترنت ليغزو منطقة أخرى هي مشاهدي التليفزيون التقليديين.. عمل كبير يشاهده الجميع تقريبا ويتحدثون عنه، فتكسب وسيلة المشاهدة الجديدة أرضا واعترافا حقيقيا على الأرض.

أقرأ أيضًا: الإيروتيكية في السينما العربية .. أفلام الإغراء بين بوابة الانفتاح وابتذال التسويق

مسلسل ما وراء الطبيعة

كنت أتصور أن هذا سيحدث في موسم شهر رمضان، بعمل كوميدي قوي قادر على اكتساب شعبية كبيرة.. لكن يبدو أن نتفليكس لم تهتم بموسم المشاهدة الأكبر محليا، وظلت تعمل طوال الفترة السابقة بطريقتها الخاصة.. وأخيرا جاءت البداية الحقيقية في الإنتاج المحلي بمسلسل ما وراء الطبيعة.. المسلسل الذي خرج من منصة على الإنترنت إلى الشارع حرفيا، وصار أول عمل من هذا النوع يطلبه الشارع، فرأينا مثلا قنوات فضائية مقرصنة تعرضه ونرى المقاهي تعرض نسخا مسروقة منه على روادها. رأينا “الميمز” أو “الكوميكس” المأخوذة من شخصيات المسلسل وأحداثه تغزو وسائل التواصل الاجتماعي ويتناقلها الناس عبر تطبيقات الرسائل، ورأينا وسوما مثل “#ماوراء الطبيعة” و”#رفعت إسماعيل” و”#قوانين ميرفي” تتصدر قوائم الأكثر تداولا إبان عرض المسلسل.. رأينا شركات مختلفة تبحث لها عن مكان وسط تريند “ما وراء الطبيعة” الكاسح، فتستخدم اسم المسلسل نفسه في إعلاناتها الترويجية على غرار “ما وراء الطعام”.. “ما وراء السعادة” .. إلخ..  

كل هذا من أجل مسلسل لم يُعرض أصلا على التليفزيون. وفي حين ظل المشاهدون في السنوات الأخيرة ينقسمون في مشاهدة أعمالهم الدرامية المفضلة، خاصة في موسم شهر رمضان، بين الوسيلة القديمة وهي المشاهدة عبر القنوات الفضائية المجانية، بما في ذلك من فترات إعلانية طويلة بشكل مبالغ فيه، وبين المشاهدة عبر الإنترنت على يوتيوب أو غيره من المواقع غير القانونية. حتى جاء مسلسل ما وراء الطبيعة، ليصير أول عمل جماهيري كبير يُعرض حصريا على الإنترنت. وكأن هذا بمثابة إعلان لتصدر الوسيط الجديد، ووصول تليفزيون الإنترنت في المنطقة إلى درجة النضج الكافية للاستغناء عن “التلفزيون القديم”. 

لم يكن هذا هو التحول الأول في عمر التليفزيون. يتذكر جيل الثمانينيات البائس العصر الذهبي للتلفزيون المصري، وقتها كان البث يقتصر على ٣ قنوات فحسب، زادت إلى ٩ فيما بعد، ووقتها كان هو المصدر الوحيد للمشاهدة، وبالتالي كان هو المتحكم الأول في كل شيء تقريبا، في الإنتاج وأولوية العرض، ومعايير الرقابة. كان التلفزيون يعبر عن رؤية الدولة، فكان طبيعيا أن تكون الرقابة في أقوى حالاتها.. وليس رقابة فحسب، بل تبني خطاب يعبر عن سياسة الدولة ونظامها الحاكم، بما في ذلك من توجيه معنوي ودعاية سياسية مباشرة أو غير مباشرة.

كان التليفزيون يتحكم في فنون الدراما والموسيقى.. كان هو مصدر النجومية والشعبية الحقيقية على الساحة.

في الموسيقى كان حجم نجومية المطرب يُقاس بمعدل إذاعة أغنياته المصورة على قنوات التليفزيون. وكان طبيعيا أن تخضع أمور كهذه لشبكات العلاقات والمصالح الشخصية في بعض الأحيان. حتى حدث التحول الكبير بظهور القنوات الفضائية.

بظهور القنوات الفضائية تغيرت المعادلة وسحبت البساط من تحت أقدام التليفزيون المصري، ودخلنا ما سمي وقتها “عصر السماوات المفتوحة”. وبدأ التلفزيون المصري يفقد وزنه عرشه رويدا رويدا..

وتغيرت طبيعة مشاهدات الأسرة المصرية وقتها، وتغيرت ثقافتها. وبعد أن كانت مقتصرة على نشرة الأخبار ومسلسل الساعة السابعة وحديث الروح وحديث الشعراوي وعالم الحيوان و جولة الكاميرا ودنيا الأطفال، اتسعت مشاهدات الأسرة المصرية فعرفت المسلسلات السورية والموسيقى الخليجية ومقرئي القرآن السعوديين وسبيس تون.. 

وعبر قنوات مثل دريم وإي آر تي، ومزيكا وروتانا وغيرها.. بدأنا نعرف برامج التوك شو وبرامج تلفزيون الواقع وبرامج المسابقات وقنوات الموسيقى المستمرة وأغاني الرقص وقنوات الرقص المتخصصة فيما بعد. المهم أن المشاهد لم يعد أسيرًا لقرارات التليفزيون المصري كمؤسسة لتحديد ما يشاهده بالضبط.

وحاول التليفزيون المصري وقتها المحافظة على مكانته ودخول المنافسة، فظهرت قنوات النيل الفضائية.. لكن حال هذه القنوات منذ نشأتها وحتى يومنا هذا يشهد بالنتيجة وهي الفشل الذريع. لم تستطع الصمود في هذه المنافسة، ولم تستطع أن تكسب ثقة المشاهد أو أن تجذب إليها مشاهدات برغم تمويلها المضمون من قبل الدولة حتى في حالة الخسائر المتكررة، وهو الترف الذي لا يملكه المنافسون الذين عليهم دائما تقديم محتوى قوي يجذب المشاهدين والمعلنين لتغطية نفقاتهم.

وعندما ننظر إلى الوراء نعرف أنها كان من الصعب أن تصمد فعلا، فمن جانب هي قد استمرت تعمل بروح الرقابة القديمة ذاتها، بنفس السقف المنخفض الذي مل منه المشاهدون، وبدأوا يعتادون الحرية في التلقي ورفع الوصاية عنهم..

ومن ناحية أخرى فقد كانت هذه القنوات تعمل بعقلية الموظفين لا المبدعين. والموظف يؤدي أعمالا روتينية ولا يسعى للإبداع، ولا هو مُطالب به.

وبرغم كل هذا فإن عصر السماوات المفتوحة لم يخل من الرقابة والقيود، فالقنوات الفضائية في النهاية تحصل على تراخيص محلية، ويمولها رجال أعمال تربطهم مصالح بالسياسة وتحولاتها. والأمر نفسه ينطبق على المنتجين والممولين، الأمر الذي وصل بنا في النهاية إلى ما يشبه الاحتكار، فصارت الأعمال التي تنتج في السنوات الأخيرة محدودة العدد، تبتعد عن غير المألوف بقدر الإمكان وتتجنب المغامرة بحثا عن المكسب المضمون وتجنبا لأي خسائر محتملة. 

والان جاء التحول الكبير الثاني في عمر التليفزيون، ربما يمكن اعتباره بداية تقاعد التليفزيون وتحوله إلى وسيلة قديمة محدودة الاستخدام كما حدث للراديو من قبل. هذه بداية عصر المنصات، واللاعب الأكبر فيها في المنطقة الآن هو نتفليكس.

نجاح المسلسل هو مجرد بداية لأنه ببساطة إثبات عملي للمنصة كجهة إنتاج على شعبية المؤلف أحمد خالد توفيق وسلسلته ما وراء الطبيعة، وبالتالي نجاح العمل الفني، ومن العبث إذن عدم استثمار هذا النجاح في إنتاج مواسم أخرى وأخرى من المسلسل، ثم – وكما يحدث عادة في هذه الحالات – الاتجاه إلى منبع النجاح وأصله واستثمار المزيد فيه، وهو ما بدأته منصة شاهد فور نجاح مسلسل ما وراء الطبيعة بإعلان إنتاجها لمسلسل الغرفة ٢٠٧ المأخوذ كذلك عن رواية للكاتب أحمد خالد توفيق أيضا. وهذه هي النتيجة المباشرة الأولى التي ستنتج عن نجاح المسلسلة، فلنا أن نتوقع الآن إنتاج المزيد من كتب وسلاسل أحمد خالد توفيق، سواء من خلال نتفليكس نفسها أو غيرها من المنصات، ثم الالتفات كذلك إلى السلاسل الأخرى ذات الشعبية المؤكدة، مثل سلاسل نبيل فاروق ومحمد سليمان عبد المالك. 

لكن النتيجة الكبرى التي أشير إليها هنا هي الانتقال إلى الوسيط الجديد، وانسحاب المشاهدين تدريجيا بعد ذلك من القنوات الفضائية وإعلاناتها المملة إلى هذا الوسيط الجديد المريح المناسب للعصر. 

وهذا الانتقال ليس مجرد استبدال وسيط بوسيط، وإنما هو تغيير كامل لخريطة مشاهدات الأسرة المصرية والعربية. وهذا سيتبعه بالضرورة تغييرات عدة على مستويات مختلفة. 

فالإنتاج المحلي من جديد سيجد نفسه يقدم أعمالا للاستهلاك المحلي لا يشاهدها حتى المشاهد المحلي. هذا المشاهد الذي وجد أمامه فجأة بدائل أفضل بدون وصاية أو رقابة، مع تنوع أكبر في الإنتاج وجودة أعلى، فماذا سيختار؟ لو رجعنا للتجربة السابقة لعرفنا الإجابة الحتمية.

إذن ما هي إلا مسألة وقت لتصبح فكرة الرقابة في خبر كان. 

أقرأ أيضًا: تطبيقات بديلة عن فيسبوك، إنستغرام وتويتر لحمايتك من الرقابة على الإنترنت

وفي حين كانت معايير الرقابة في البلاد العربية كافة شبه موحدة، فحدود العري مثلا في أي شاشة عربية لا يمكن أن تتجاوز سقفا بعينه، فإن تغيير الشاشة التي تبث المحتوى في غرفة معيشة الأسرة العربية سيغيّر بالتأكيد هذه المعايير، إلى حدود رقابية مختلفة تماما. سنجد أنفسنا مضطرين إلى الرقابة المنزلية عبر الطريقة العالمية في تصنيف المحتوى بما يناسب الأعمار المختلفة. وإذن ستصير الرقابة في بيتك هي شأنك أنت. الرقابة على أطفالك أنت هي مسوليتك أنت، وأما البالغون فلا رقابة عليهم.

لا يعني هذا أن “التوجيه” سينعدم، وتشهد على ذلك التعليقات الساخرة على توجهات نتفليكس للترويج للمثلية الجنسية والحرص على تمثيلها في كل عمل درامي تنتجه تقريبا. 

ولن يقتصر الأمر على ذلك، فبعد أن كنا نرى أعمالا تُنتج للدعاية والتوجيه المعنوي مثل مسلسلات الجاسوسية وأفلام الحرب صار من الممكن أن يحدث العكس، بل إن هذا حدث بالفعل وشاهد المصريون في منازلهم فيلما مبنيا على رواية مؤلف إسرائيلي لقصة أشرف مروان الجاسوس المصري / الإسرائيلي المختلف عليه.

وهو موقف جديد ما كان ليحدث لو ظلت الأمور تحت سيطرة التليفزيون أو تحت وصاية القنوات الفضائية. وهذه الحرية ليست جديدة تماما، فقد كانت متوفرة نسبيا منذ بداية عصر الإنترنت، لكن المسألة ظلت محدودة بمن يبحث بنفسه، ولديه الاهتمام والمعرفة الكافية لذلك.. الآن اختلف الوضع.. هذه شاشة جديدة ومحتوى جديد في صالة بيتك، فهذه الأعمال ستصلك دون أن تبحث عنها. بلا رقابة وبلا توجيه.

كل هذا ستكون له نتائجه العميقة على ثقافتنا والأهم ثقافة أبنائنا، الذين ستصطبغ عقولهم ويتشكل وعيهم بثقافة عالمية قبل أن تكون ثقافة مصرية أو عربية.

0

شاركنا رأيك حول "نجاح ما وراء الطبيعة: نتفليكس.. بداية الانفتاح الجديد، وموت الرقابة"