الصوابية السياسية في هوليود
0

أصحاب البشرة السمراء، مثليو الجنس، الآسيويون، اليهود، وربما النساء بشكل عام …. إنها الفئات التي عانت أو كانت تعاني من التمييز ضدها في أي وقت من الأوقات، يجب علينا أن نعوض تلك الفئات عمَا عانته من ألم وتمييز ومعاناة على مدى سنوات طويلة في القرون الماضية، ويجب علينا ليس فقط أن نظهر تقبلنا التام لهم وتعاطفنا معهم، بل وأن نحاول أن نعوضهم عما تعرضوا له من إساءات نتيجة انتمائهم لفئة معينة ربما لما تبقى من الزمان، ربما حقهم أن تعترف الأجيال الجديدة بخطأ ذلك، ولكن أن يتحول ذلك إلى النقيض عن طريق محاولة إظهاره بمناسبة وبدون مناسبة، إنه ما يعرف بالتصحيح السياسي أو الصوابية السياسية.

وقد أصبحت الأن الأعمال السينمائية مجالًا لإظهار ذلك بشكل مبالغ فيه بوضع شخصيات أو أحداث تظهر تلك الفئات بشكل يعلن تقبلهم واندماجهم في المجتمع، ولكنه لن يخدم الإطار الحكائي للقصة إن لم يثقل عليه، بل إن هدفه الوحيد هو التصحيح السياسي.

أفضل ممثلات 2019 .. عظيمات هوليود يتألقن على الشاشة

ما هي الصوابية السياسية؟

هو مصطلح يستخدم لوصف اللغة أو السياسات أو التدابير التي تهدف إلى تجنب الإساءة أو الإضرار بأفراد جماعات معينة في المجتمع. في الخطاب العام ووسائل الإعلام، يتم استخدام المصطلح عمومًا باعتباره تحقيرًا مع الإشارة إلى أن هذه السياسات مفرطة أو غير مبررة. منذ أواخر الثمانينات، استُخدم المصطلح بوصفه تفضيلًا للغة الشاملة وتجنب اللغة أو السلوك الذي يمكن اعتباره مستبعدًا أو مهمشًا أو مهينًا لمجموعات من الأشخاص يُعتبرون محرومين أو مُميَّزين ضدهم، لا سيما المجموعات المحددة حسب الجنس أو العرق.

الصوابية السياسية في السينما

كلينت ستود الصوابية السياسية في هوليود

إذا كانت كل تلك الفئات يجب أن تندمج في المجتمع فمن هو المجتمع؟ ما يدعونه بالرجل الأبيض فقط؟

كثيرًا ما نرى في الأعمال السينمائية أو التليفزيونية حشوًا زائدًا لشخصيات تقريبًا ليس لها تأثير على السياق الدرامي إطلاقًا سوي إيصال رسالة بأن هذا شيء “طبيعي” وأن الجميع يتقبله “أو يجب أن يتقبله”، ولكن في الحقيقة الرغبة الزائدة في إظهار شيء على أنه طبيعي ومقبول هو في الحقيقة اعتراف ضمني بأنه ليس كذلك! فإذا كان مبدأ ما بديهي بالفعل ولا يحتاج لتأكيد فلماذا إذًا نحتاج إلى تأكيده بل ووضعه في إطار مضيء بهذا الشكل؟ بل إن ذلك من الممكن أن يجعل منه وسيلة لجعل العمل بارزًا أو ليحصل على جوائز بوصفه عملًا فنيًا يتحرك لنصرة الفئات المستضعفة، ولكن في الحقيقة نحن عام ٢٠٢٠ فهل نحتاج فعلًا إلى تأكيد أن لون البشرة مثلًا لا يضعك في مرتبة أعلى أو أدنى من الآخرين؟ وهل نحتاج أن نكافئ كل من ينتج عملًا يقترب حتى من هذا المفهوم؟ طبعًا لأننا لن نحتمل الاتهام بعدم الموافقة على ما يطرحه الفيلم أو العمل الفني أذا لم تنهال عليه الجوائز، فبالطبع وقتها ستخرج كل أصابع الاتهام مشيرة إلى القائمين على الجوائز والمهرجانات بمعاداة تلك الفئة بدليل تجاهلهم للعمل حتى ولو لم تكن قيمته الفنية تؤهله لذلك.

يقول مثلًا كلينت إيستوود في أحدي مقابالاته مؤخرًا: “أنا لا أتوخى الحذر بشأن ما أقوله، كما تعلمون، لقد كنت كذلك لوقت طويل، ماذا يمكنهم أن يفعلوا؟ حقبة الصوابية السياسية التي نعيشها في الحقيقة لا تفيد أحدًا على الإطلاق. إنها تجعل المجتمع أكثر ضعفًا. فلا يبدو أن على الناس أن يأخذوا أنفسهم بجدية كبيرة، ولكنه على ما يبدو، أنني محظوظ لأنني نشأت في زمن حيث كان يمزح فيها الجميع حول كل شيء. لم يكن هناك شيء غير صحيح من الناحية السياسية لأن كل شيء كان دائمًا مزحة بروح الدعابة. يفقد الناس ذلك أحيانًا ويأخذون أنفسهم وأي شخص آخر على محمل الجد. أعتقد أنهم يفتقدون كثيرًا ولا يتمتعون بالفروق التي لدينا جميعًا”.

هل يجب أن تكون السينما مسرحًا لتصحيح مفاهيم سياسية قديمة؟ هل تلك وظيفتها بوصفها تصويرًا للواقع؟

هل التصحيح السياسي وسيلة أم غاية؟

لقد أصبح الآن التصحيح السياسي جزءًا من كل النواحي الثقافية تقريبًا، ولكن أن يصبح ذلك جزءًا من السينما فإن ذلك من الممكن أن يقلل من القيمة الفنية لأنه يضيف لها أجزاء زائدة بلا أي قيمة فنية كما ذكرنا سابقًا.

من المفترض للتصحيح السياسي أن يساعدنا على رد اعتبار من كان يتم التقليل من شأنهم قبلًا، ولكنه الأن أصبح يأخذ منحى آخر وهو أن تقدم نماذج لتلك الفئات المضطهدة “في الماضي” كوسيلة لإعطاء قيمة للعمل الفني أو لجذب أنظار القائمين على المهرجانات أو الجوائز الفنية حتى يحصل على قيمة فنية زائفة أو جوائز غير مستحقة، مما يعيدنا للسؤال هل الصوابية السياسية غاية نريد أن نصل إليها فقط لتصحيح المسار الخاطئ أم أنها أصبحت مجرد وسيلة للترويج للأعمال الفنية؟ فإذا كنا نعيش الآن في عصر لم تعد فيه العنصرية بنفس الحدة التي كانت عليها منذ 200 عام مثلًا، مع اعترافنا طبعًا أنها لا تزال موجودة بنسبة أقل من ذي قبل، إذًا فما الغرض منها الآن؟ وهل تلك فعلًا وظيفة الفن بشكل عام؟

وإلى متى سنظل نرى الأعمال الفنية تقودنا إلى التفكير بطرق جانبية لا حاجة لنا لها الآن عن طريق التمسك بقوالب قد فات أوانها؟

فيلم داميان شازيل القادم Babylon يعود إلى عصر هوليود الذهبي

0

شاركنا رأيك حول "الصوابية السياسية .. هل تعيد تشكيل هوليود الآن؟"