أغاني المهرجانات .. كيف ولماذا انتشرت برغم الهجوم والانتقادات؟

أغاني المهرجانات
0

حققت موجة أغاني المهرجانات انتشاراً كبيراً خلال السنوات القليلة وأصبحت أمراً واقعاً تجاهله أقرب لدفن الرؤوس في الرمال، وقد أثير حول هذا النوع من الأغاني جدل واسع أكثره يتعلق بالمحتوى الذي تتضمنه، حيث تحمل العديد منها عبارات تتضمن إيحاءات غير لائقة تتنافى مع قيم المجتمع وتتعارض مع غاية السامية للفنون التي كانت  مكوناً رئيسياً لكل حضارة.

تحولت أغاني المهرجانات إلى ظاهرة تستوجب الوقوف أمامها وتحليلها ومحاولة التعرف على سر انتشارها بتلك السرعة انتشار النار في الهشيم ومجموعة العوامل التي أدت لذلك ومحاولة التكهن بمستقبلها -ومستقبل الفن الغنائي في ظلها- ومدى قابليتها للاستمرار.

مجرد فقاعة صاخبة جديدة.. وإن طالت

قبل التطرق للحديث عن ظاهرة أغاني المهرجانات المثيرة للجدل لنرجع أولاً ثلاثة عقود للوراء وتحديداً عام 1988 الذي شهد صدور إحدى الأغاني الأكثر شعبية التي حققت انتشاراً واسعاً حتى سُمي بها جيل كامل وهي أغنية لولاكي للمغني علي حميدة، رغم أنها لم تصل لهذا المستوى من الردائة الفنية إلا أنها كانت مجرد “موضة” أو فقاعة سرعان ما تلاشت وتلاشى معها اسم مُغنيها، شهدت نفس الفترة -أي الثمانينات- ظهور عدة أغاني أخرى مماثلة -ألصقت زوراً وبهتاناً بالغناء الشعبي- مثل “الأساتوك” التي مرت بالمراحل نفسها ظهور مفاجئ فانتشار كبير فجدال واسع -يُزيد شهرتها- ثم تذهب طي النسيان..

الأمر لا يقتصر على الأعمال المحلية وحدها فهناك فقاعات أجنبية أيضاً فمن عاصروا فترة التسعينات يدركون جيداً ما تعنيه جُملة “ماكرينا ماكرينا”، تلك الأغنية التي غزت العالم فجأة -حتى قبل ظهور الإنترنت- وكانت الأكثر انتشاراً واستماعاً رغم الجهل التام بمعاني كلماتها، القصد من وراء كل ذلك هو أن ظهور أغنية ما وتحقيقها لانتشار كبير ثم تقليدها من قبل آخرين حتى تصبح لوناً غنائياً ليس أمراً جديداً، والثابت الوحيد أن تلك التجارب -على اختلافها- كان مصيرها الحتمي المحو من الذاكرة لافتقارها للعنصر الضامن لبقاء العمل الفني المُفرد وهو “الجودة” والعنصر الضامن لاستمرار اللون الإبداعي بشكل عام وهو “التجدد”.

ينطبق ما سبق ذكره على أغاني المهرجانات هي مجرد فقاعة جديدة وحتماً سوف تتلاشى ولن يبقى منها حتى الذكرى، قد يطول زمنها لفترة أطول -لأسباب سوف نتطرق لها لاحقاً- لكنها في النهاية سوف تلقى مصير سابقيها، هي مجرد لون جديد وكل جديد جذاب خاصة بالنسبة لقطاع كبير من المراهقين، لكن تلك الفئة هي أيضاً الأسرع تململاً وسوف يتوجهون في النهاية إلى “الأجدد” الذي قد يكون أفضل حسبما نتمنى أو أسوأ حسبما نتوقع لو يكن هناك حراك فعلي ورغبة حقيقية في التصدي لتلك الظواهر.

يمكن الاستدلال على ذلك بأن استدلال موجة أغاني المهرجانات لم يُساعد نجومها على الاستمرار والتواجد بنفس الكثافة، فقد كانت البداية الحقيقية لهذا النوع من خلال الثنائي أوكا وأورتيجا اللذان أصبحا بين ليلة وضحاها ملء السمع والأبصار وبنفس السرعة -ودون سابق إنذار- اختفيا وخفت نجمهما أمام الموجة الأحدث، وهما الثنائي الذي كان بدوره سبباً في طمس الموجة التي سبقته الخاصة بـ”العنب” و”بحبك يا حمار” و”أيظن” وبالطبع نقصد هنا “أيظن” الخاصة ببعرور وليس نجاة الصغيرة وهذا شكل آخر من سخرية القدر!

أغاني المهرجانات .. متى وأين؟

الرابط المشترك بين كافة الظواهر الفنية -إن صح قول “فنية”- السابق ذكرها هو الحداثة والغرابة والصخب، تلك المقومات تمنحها قدرة على أكبر على تحقيق انتشار أوسع خلال زمن أقل، نظراً لأنها تكون الأكثر ملائمة لتجمعات الشباب مثل الحفلات الصيفية وحفلات الأفراح والمناسبات الخاصة وغير ذلك، هذا أحد أسباب انتشارها في أوساط وبين فئات كانت تبدي ازدرائها في وقت سابق، هذا قد يُفسر إدراجها ضمن قوائم الأكثر استماعاً لكنها قد لا توجد بالضرورة -أو بنفس الكثافة- في قوائم التفضيلات الشخصية.

تحقق أغاني المهرجانات نسب استماع مهولة وهذا واقع لا يمكن إنكاره ومعظمها يتحول إلى ما يُعرف بـ”الترند” على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها ترندات زائفة نصفها إعجاب ونصفها سخرية وفي كل الحالات لا تحتفظ بالصدارة إلا في ظل خلو الساحة إلا منها، فعلى سبيل المثال خلال الأيام السابقة كان ترند المهرجانات الأول هو مهرجان بنت الجيران الذي صنع من مؤديه حسن شاكوش نجماً في يوم وليلة، لكن حظه العاثر دفع عمرو دياب لإطلاق ألبومه الجديد سهران وفي غضون ساعات اعتلى قوائم “الترند” لأيام متتالية.

المهرجانات حلقة واحدة ضمن سلسلة

يتخذ البعض من أغاني المهرجانات دليلاً على انحطاط الذوق العام وتردي مستوى الأعمال الفنية عامة والموسيقية خاصة ويُنادي بالتصدي لها، لكن لابد هنا من ذكر أن هذه الأغاني ليست سوى حلقة واحدة ضمن سلسلة طويلة من مظاهر الانحدار الثقافي ولا يُمكن إصلاح الجزء إلا من خلال الكل، فهناك “مهرجانات مقروءة” كانت تعج بها الأرفف خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب الأخير وهي أيضاً كانت “ترند” طوال فترة انعقاده، وهناك “مهرجانات مرئية” تتمثل في عدد من الأفلام والمسلسلات التي لا ترتقي لأن توصف بالعمل الفني.

اتخذ المثقفون من الشجب والإدانة سيف ودرع لا يتوانوا عن الظهور على شاشات الفضائيات لمهاجمة هذه الأعمال ولا تتوانى البرامج الحوارية عن إقامة المناظرات بينهم وبين مُقدمى الأعمال المذكورة سعياً وراء تقديم حلقات ساخنة تحقق مشاهدات مرتفعة خلال البث التلفزيوني أو بعد عرضها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويُعد ذلك -في حد ذاته- مظهر آخر لإفرازات “ثقافة التريند” المُتفشية، لكن السؤال: متى سيُدرك المثقفون بأن السيف الذي اختاروه هو سيف دون كيشوت ولا يصلح لشيء إلا مُحاربة طواحين الهواء؟!

يمكن القول بأن تلك الهجمة الإعلامية والمناظرات المتكررة كان من بين العوامل التي ساهمت في انتشار أغاني المهرجانات على نطاقات أوسع، وساهم مُهاجمي هذا اللون من الغناء أيضاً في انتشاره حين انشغلوا بمهاجمته عن توفير البديل أو دعم المواهب الحقيقية، فالساحة الغنائية تقريباً خلت خلال السنوات الماضية من المطربين الحقيقيين باستثناء قلة إنتاجهم غير كافي لمُعادلة كفتي الميزان.

اقرأ أيضاً: ترشيحات أراجيك لزوار معرض القاهرة للكتاب 2020: دليل محدودي الميزانية!

اختلاف آليات تسويق العمل الفني

أدى ظهور الإنترنت وشيوع استخدامه إلى إحداث تغيرات جذرية في سوق إنتاج الأعمال الفنية، قبل سنوات كانت عائدات الألبومات الغنائية -والأعمال الفنية بصفة عامة- تتحقق من خلال المبيعات، أما اليوم فحتى شركات الإنتاج الكبرى صارت تعتمد بنسبة كبيرة على الأرباح التي تتحقق بصور عديدة من خلال البث الرقمي عبر المنصات الإلكترونية المختلفة، بمعنى أن كل نقرة فأرة على أحد مقاطع الفيديو -أياً كان محتواه- يدر دخلاً على ناشره دون أن ينفق المُستمع -أو المستهلك- مالاً بشكل فعلي، وبالتالي لم يعد يهتم بعملية الانتقاء وقد يكون ولوجه إلى تلك المقاطع في كثير من الأحيان بدافع الفضول لا أكثر.

تُسجل تلك المقاطع المنتشرة على الإنترنت نسب مشاهدة بالغة الارتفاع لأسباب عديدة، بالتالي يمكن الاعتداد بها كوسيلة لقياس حجم انتشارها ولكنها ليست دليلاً على حجم جماهيريتها، لكن المُحصلة النهائية واحدة وهي مُضاعفة الأرباح المُحققة من خلالها والذي كان سبباً في اتجاه الكثيرين إليها وبالتالي تزايد معدلات إنتاجها، الأمر نفسه ينطبق على محتوى المتردي الذي يتمادى بعض الـ”يوتيوبرز” في تقديمه رغم ما يلاقونه من انتقادات حادة وبرغم أن عدد “Dislike” على مقاطعهم تفوق عدد تسجيلات الإعجاب، فالأمر لا يعنيهم طالما أن من أعجبوا ومن لم يُعجبوا أضافوا ساهموا -بقصد أو بدون- في زيادة حصيلتهم من المال.

اقرأ أيضاً: سألنا الجمهور عن أفضل محتوى عربي على اليوتيوب, وكانت هذه ترشيحاتهم!

غياب الأغنية الشعبية

يتم وصف أغنية المهرجانات بأنها إحدى اشتقاقات الغناء الشعبي بينما يذهب البعض لاعتبارها لوناً غنائياً قائماً، ويبدو الرأي الثاني أقرب للحقيقة، نظراً لأن أغاني المهرجانات -بغض النظر عن مستواها الفني- تفتقر إلى المقومات الفنية المُميزة للأغاني الشعبية التي تعد من الفنون الأصيلة ولا أعلم أي عقلية مريضة جعلت من مصطلح “الغناء الشعبي” مرادفاً للأغاني الرديئة!

رغم أن أغاني المهرجانات لا تمت بصلة للغناء الشعبي -بمفهومه الحقيقي- إلا أن غياب هذا اللون الإبداعي كان أحد أسباب انتشارها، فإذا رجعنا إلى بداية ظهور المهرجانات سوف نجد أن انتشارها كان يقتصر على بيئات وفئات محددة، تلك الفئات كانت تمثل القطاع الأكبر من جمهور الأغنية الشعبية الأقرب إلى طبيعتها وثقافتها ولسانها؛ إلا أن هذا النوع الغنائي انحدر ثم اندثر على مدار سنوات لأسباب عديدة منها النظر بشيء من الاستعلاء إلى مقدميه ووضعهم في مرتبة أدنى من مقدمى الأنماط الموسيقية الأخرى، أدى ذلك إلى خلق حالة من الفراغ كان لابد من تمتلئ بشيء ما وكانت أغاني المهرجانات هي ذلك الشيء كون بعضها كان أقرب لتلك الفئات وأكثر قدرة على التعبير عنهم.

يمكن القول بأن هذا الأمر ينطبق على صناعة السينما أيضاً فاليوم يتحدث الكثيرون حول شيوع ما يسمونه “أفلام البلطجة”، لكن ما يجب أن نفطن إليه هو أن هذا النوع من الأفلام لم يظهر وينتشر بتلك الصورة إلا بعد اختفاء الطبقة المتوسطة من على الشاشة الكبيرة التي صارت لفترة حكراً على الفلل والسيارات الفارهة، فوجد قطاع كبير في تلك الأفلام ضالتهم باعتبارها أكثر قرباً من واقعهم وقضاياهم.

اقرأ أيضاً: الأغاني الشعبية المصرية .. بين ماضي عريق وحاضر مرعب

الدور الرقابي بين العجز والتقاعس

لا يمكن إنكار عن غياب دور الأجهزة الرقابية ساهم بصورة مباشرة في انتشار أغاني المهرجانات المُسفة والمُنحطة، مع ملحوظة أن “الإسفاف والانحطاط” هنا ليس حُكماً شخصياً على المستوى الفنى لتلك الأعمال باعتبار ذلك من الأمور النسبية، إنما هو توصيف لما تحتويه بعضها من كلمات بذيئة تحمل إيحاءات غير لائقة، فنسبة غير قليلة من تلك المهرجانات تتغنى بالخمور والمخدرات وتصور حروب الشوارع كملحمة شعبية بطلها البلطجي!
تواجه الجهات الرقابية هنا أزمة غير مسبوقة نظراً لأن المنصات الإلكترونية خارجة عن سيطرتها، فقد صار بمقدور كل شخص أن يُدشن قناته أو صفحته الخاصة على مواقع التواصل الاجتماعي ونشر ما يحلو له دون حسيب أو رقيب، مما يجعل تلك الجهات تبدو للوهلة الأولى في مظهر العاجز أكثر من المتقاعس، لكن ربما كان هذا العذر -الأقبح من الذنب- مقبولاً قبل عام أو عامين، لكنها طوال تلك المدة لم تحرك ساكناً للتصدي لتلك الظاهرة الآخذة في التنامي لم تحاول بأي شكل توسعة سلطاتها لتشمل هذا النوع من وسائل البث أو إيجاد آليات لمنع إسفاف أغاني المهرجانات وما على شاكلتها والحد من انتشاره.

أما مؤخراً فقد انتقلت تلك الجهات من موضع العاجز والمتقاعس إلى موضع المتهم والمتواطئ بعدما ظهر عدد من مطربي المهرجانات في حفلات غنائية ضخمة مقامة في أماكن تتبع الدولة بشكل مباشر -مثل ستاد القاهرة الدولي- وتنقلها شاشات أهم وأشهر القنوات الفضائية، وقد شهدت تلك الحفلة المشار إليها تقديم إحدى الأغاني دون تكبد عناء حذف العبارات المسيئة منها وكعادتها اكتفت الجهات الرقابية بوضع اليد على الخد وإن استمر الأمر على هذا الحال فمن غير المُستبعد رؤية بيكا أو شاكوش على مسرح الأوبرا يوماً!

جدير بالذكر أن ما سبق لا يُعني دعمنا لمبدأ المنع أو تقييد الحريات أو فرض الوصاية على المُتلقي صاحب الحق الأول والأخير في الحُكم على العمل الفني المُقدم له، فتعدد الآراء وتنوع الأذواق أمر مشروع وحق مكفول، إنما المُبتغى هو تطوير المنظومة الرقابية لضمان تقديم محتوى غير مُسف ولا يخدش الحياء العام، وفي المقابل دعم الفن الأصيل لتحقيق التوازن والارتقاء بالذوق العام.

0

شاركنا رأيك حول "أغاني المهرجانات .. كيف ولماذا انتشرت برغم الهجوم والانتقادات؟"