تنأى الحياة بـ راغب علامة وبكل أولئك الذين ظنّوا يومًا أن نجاحهم في الماضي صكٌّ على بياض لنجاحات مستقبلية كثيرة ومؤكدة، دافعة بهم في أسفل آبار الفشل والرتابة والضحالة. فالنجاح على عكس ما يظنّون سعيٌ دؤوبٌ ومبادرة دائمة وأفكارٌ خلّاقة وصورٌ فنيّة وموسيقية وشعرية جميلة لا تشبه تلك التي رأيناها في أغنية "ممكن أزعلك".

راغب علامة من "قلبي عشقها" إلى "ممكن أزعلك"

بدأت مسيرة راغب علامة أو السوبرستار كما يسميه مقدمو البرامج وصحفيو الفن والمهرجانات بعد اجتيازه عتبة برنامج "استوديو الفن" سنة 1982 وفوزه بالمركز الأول، ليحلّق منذ تلك اللحظة في سماوات الأغنية العربية. كان راغب نجم منتصف الثمانينات ثم إله الموسيقى والغناء في فترة التسعينات التي أصدر فيها أجمل ألبوماته وأكثرها نجاحًا كألبوم "توأم روحي" الذي وُزِّعت منه في مصر أكثر من الـ 300 ألف نسخة وألبوم "قلبي عشقها" الذي اقترن اسمه بأغنية ما زلنا نرددها إلى اليوم وما زال هو نفسه يغنيها في حفلات أعياد رأس السنة وخلال استضافته في شاشات التلفزيون وألبوم "علمتيني أحب الدنيا " الذي تم توزيع أكثر من 700 ألف نسخة منه في السوق المصرية فقط.

استمرّ هذا النجاح في الألفينات وظلّ راغب علامة، ذاك الوسيم الذي لا يشيخ والمغني الذي يحسن اختيار أعماله، يرمي بسهامه في قلوب محبيه مصدرًا أغانٍ جميلة مثل "أنا إسمي حبيبك" و"نسيني الدنيا" و"سر حبي" و"شفتك اتلخبطت"، فما الخطب في أغنيته الأخيرة؟ ولِم نملّ من سماع "ممكن أزعلك" ولا نفهم الرابط بينها وبين لعبة الحبار التي يشير إليها الفيديو كليب؟

أغنية "ممكن أزعلك" وقع رتيب ومعانٍ تائهة ونَرد ضخم

نشر راغب علامة في التاسع من فبراير عبر قناته على اليوتيوب أولى أغنيات ألبومه الجديد الذي قال إنه لن يتأخر في كشف بقية أغانيه وجاء هذا العمل باللهجة المصرية تحت مسمّى "ممكن أزعلك" وفي فيديو كليب لا يمكن حتى حصر معانيه. تقول بعض كلمات هذه الأغنية:" أنا ممكن أزعّلك بس مش حزعّلك، وممكن أفرّحك، بس مش حفرّحك، أنا ممكن أزعّلك، بس مش حزعّلك، وممكن أفرّحك، بس مش حفرّحك."

كلمات متناقضة لا رسالة فيها إلّا تلك التي تظهر الرجل في لباس نرجسي يتحكّم في مزاج حبيبته المسكينة التي تحكمها به علاقة العبد والسيّد وأغنية لم يصب لحنها ولم تحقق إلّا 6.2 مليون مشاهدة و40 ألف إعجاب خلال 10 أيام تقريبًا.

إلى جانب الموسيقى والكلمات التي تكاد تكون تهديدًا مباشرًا للآخر، يفسّر هذا الفشل أيضًا بصور الفيديو كليب غير المتجانسة، إذ تظهر فيه شخصيات مشابهة لشخصيات مسلسل لعبة الحبار وأخرى ترتدي النظارات الواقع الافتراضي بينما يلعب هو بالنرد العملاق تارة ويلعب الشطرنج تارة أخرى، مما لا يبشّر بألبوم جميل كبقية ألبومات هذا السوبر ستار اللبناني.

جيل تألق في التسعينات وفشل اليوم، فما الحكاية؟

لم ينحصر هذا السقوط في آخر إصدارات راغب علامة وحدها بل شمل أيضًا أغنية "السهرة صباحي" لصابر الرباعي وسعد لمجرد والتي لم يوفق في اختيارها ولم ترضِ جمهوره، إذ منذ صدورها على قناة المغني المغربي إلى اليوم أي منذ 7 أشهر لم تتجاوز 14 مليون مشاهدة وتطول القائمة بأغنية عمرو دياب "إنت رايقة" التي سبق وتحدثنا عنها في مقال وأغنية "تعالى أدلعك" التي عاد بها بهاء سلطان إلى عوالم الغناء دون أن يعيد لنا موسيقاه التي أدخلت سابقًا البهجة على قلوبنا.

فهل تكمن المشكلة في النصوص التي صارت تتحول إلى أغانٍ أو في ركض المطربين اليوم وراء الظهور وتجاهلهم للمعنى واللحن والصورة؟ لِمَ يغيب البعض ليعود متجددًا في فنه ورسائله ويغيب البعض الآخر فيعود ليمسح إنجازاته السابقة؟ هل كان هذا ليحدث في ظل منافسة أقل قوّة وعددًا أم أننا كنّا سنسمع في العام ألبومًا واحدًا لكل مطرب يصافح المثالية ويحفر في الأذهان؟

نتمنّى ألا تسلب ضرورة الإنتاج جمالية فنٍّ ظلّ راغب علامة يقدّمه طيلة سنوات كما لا تسلب ضرورة الكتابة والخروج من الظلمة إلى النور جماليّة الإصدارات المكتوبة. فبالرغم من قوّة المنافسة اليوم، يفشل الكثير من الفنانين سواءً في الغناء أو في السينما في استكمال مسيرة عظيمة بأعمال على نفس درجة الإتقان والخلق والروعة ليسقطوا بذلك في هوّة الرتابة والفراغ والقبح.

اقرأ أيضًا: “أجنبية 👧 طيّب ولا إيه دي خلطة” عقدة الخواجة بين أغنية عمرو دياب وبقية الأعمال الفنية العربية