دراما رمضان
0

من “بنسوار ياهانم” إلى “على الله حكايتك يا ست؟” و “كُتع كُسح كُسل”، دراما رمضان تقدم فصلاً جديداً من قاموس لغة التكاتك، فماذا أصاب الحوار في الدراما المصرية والصناعة بشكل عام؟ أنا لم أتحدث على هذا العام فقط من الأعمال الدرامية، أتحدث عن الفيروس الذي أصاب لغة الحوار منذ عدة سنوات، مع عدم مراعاة وعدم الوضع في الاعتبار أنها أعمال تعرض على شاشات التلفاز وتدخل كل بيت وكل أسرة.

ربما نال جيل التسعينات والثمانينات حظاً من مشاهدة الأعمال الهادفة في الحوار وفي المحتوى وشكلت جزءاً من قيمنا وشخصيتنا، ولكن ماذا عن جيل الألفينات؟ من سيكون مثلهم الأعلى؟

تدني حوار دراما رمضان

وهنا لم أتحدث عن الحبكة الدرامية أو أداء الممثلين، بل على العكس المسلسلات الأعلى في الأداء الدرامي ونسب المشاهدات هي من تمتلك تلك المشكلة من التدني في الألفاظ “الحلو ميكملش”.

ملوك الجدعنة حالة مناسبة لموضوع المقال، بينما كنت أشاهد حلقة من هذا المسلسل في بدايات عرضه، وعند حوار استمر 5 دقائق بين سفينة وسرية (مصطفى شعبان وعمرو سعد)، وجدت -الوالدة- تنظر باستنكار وتقول: “هما بيقولوا ايه يا بنتي؟ أنا مش فاهمة حاجة!”، على الرغم أنه مسلسل مصري عربي ولكن لم تفهم -الوالدة- الحوار! ببساطة لأنها كانت لغة أشبه بلغة التكاتك، كانت من نوعية وعلى نهج “إحنا دولة جوا دولة”، و”كل ما أعرض الكلام على مخي ألاقيه زحلق على بوقي”، “أتك على الجد عشان نلعبها ودي وناخد وندي”.

والكثير من المشاهد تقع تحت هذا التصنيف والمستوى من الحوار، مثال آخر مشهد أحمد السقا وليلى زاهر الشهير، والذي أصبح حديث السوشيال ميديا، حوار بين فتاة وخالها، من المفترض أن يكون حواراً طبيعياً، ولكن اختتم المشهد بجملة على مستوى من الانحطاط، لا داعي لذكرها لأنكم بطبع تعرفوها.

بعيداً على اللغة غير المفهومة التي تشبه اللغة الرسمية لأصحاب التكاتك، فلم يكتفوا بهذا فقط ولكن قد أضافوا لها الألفاظ من نوعية “+18″، لا أعلم كيف مرت على الرقابة تلك النوعية من المشاهد والحوارات؟

تاريخ تدني الحوار في السينما والدراما

أذكر البداية الحقيقية لتدني الحوار كانت بالتزامن مع ظهور أغاني المهرجانات وعندما أقول هنا أغاني المهرجانات لم أقصد الأغاني الشعبية على الإطلاق، فبدأت المصطلحات والألفاظ في تلك الأغاني تجوب الشوارع، وكانت أول من تبنتها وعملت على إظهارها بصورة أكبر بين الناس، أو بمعنى أصح كانت الراعي الرسمي لها “التكاتك”.

ومن ثم بدأت رحلة طويلة من التدني، فشاهدنا أفلاماً كانت الراعي فيها روح المهرجانات من تدني الحوار والموضوع. فأصبح الشباب يرددون المصطلحات فتدنت لغة الحوار ومعها الذوق العام، فأصبح محمد رمضان أيقونة للشباب وأفلام السبكي تحقق أعلى الإيرادات، فاتجهت من بعدها صناع السينما والدراما لسلك الطريق الأسهل والمتاح.

نظرة على حوار مسلسلات زمان

سنستعرض لكم قائمة قصيرة من أقوى نوستالجيا دراما رمضان في زمن ليس بعيد لدرجة أن تحدث كل هذة التغيرات في اللغة والحوار.

يوميات ونيس

دراما رمضان زمان

” بابا ونيس، ماما مايسة.. إحنا ولادكم هنرفع راسكم”

هو مسلسل أكبر وأعظم من الحديث عنه، قدم محتوى وفي وجهة نظري لم ولن يتكرر، محتوى باقي معنا وفي وجداننا لسنوات وسنوات، تربينا عليه وسنربي أبناءنا عليه أيضاً، هذا المحتوى في وجهة نظري المتواضعة يملك كل عناصر النجاح والإبداع، فهو قام بتوصيل رسالة وقيمة بشكل ممتع ومسلي وبصورة غير مباشرة.

حضرة المتهم أبي

دراما رمضان زمان

مسلسل من التتر الخاص به وكلماته التي كانت عبارة عن حوار عتاب بين الأب وابنه، تلك الكلمات التي كانت بقلم أحمد فؤاد نجم تنبهك ما أنت قادم عليه من رقي يحمله المسلسل، المسلسل تناول العديد من القضايا الشائكة منها: الجواز العرفي، وتجارة المخدرات، والصراع بين الأجيال والأباء والأبناء، وبين طبقات المجتمع المختلفة. كانت كفيلة كل تلك القضايا أن يستخدمها المخرج والسيناريست كمادة دسمة للعب في الحوار واستخدام الألفاظ التي تخدمه وتحقق المزيد من الجدل.

ولكن الغريب أن هذا المسلسل لم يستخدم أي لفظ خارج بل على العكس كان الحوار الدرامي أرقى مما يكون، حتى في المشاحنات بين الأب وأبنائه كنت ترى فيها الاحترام بين الطرفين. من أكثر المشاهد التي ارتبطت بها في هذا المسلسل، مشهد بين نور الشريف وأخته، بعد قتل ابنتها واكتشافهم لزواجها العرفي أثناء إقامتها عند خالها “نور الشريف” في القاهرة.
مشهد عتاب من أعظم وأرقى ما يكون اختتم بجملة مست قلوبنا من أخت نور الشريف فقالت “الأمانة اللي سبتها عندك فين؟ يا أبويا ويا أخويا” تقصد بالأمانة ابنتها بعد قتلها.

قم باستبدال المشهد  والموقف والحالة والممثلين وأحذفهم من هذا المسلسل وضعهم في مسلسل من مسلسلات هذا العام أو من أعوام سابقة، وتخيل وأخبرني كيف سيكون الحوار بين الأخ وأخته في ذلك الموقف، وكبف سيضع المخرج أو السيناريست سيناريو لمعالجة هذا المشهد، تخيلت؟ بالطبع سينتهى بالقتل أو مواعدة بالانتقام أو على أقل تقدير مجموعة الألفاظ، فأنا أتذكر مشهد وموقف مشابه لتلك الحالة في مسلسل حكاية حياة، وانتهى بالتراشق بالألفاظ والتهديد والوعد بالفضيحة.

لم أستوعب بعد، ما الرسالة أو الهدف الذي سنصل به بمثل هذا المحتوى المقدم، في سنوات على هذا الحال ولم نجد سوى التدني والتدني، تكمن المشكلة الحقيقية ليست فقط في عرض تلك النوعية والتعرض لها ومشاهدتها، بل المشكلة الأكبر في تأثر الأجيال، وخلق جيل لم يرى الجزء الجيد في الشخصية والأخلاق.

أكذوبة “القصة عايزة كده”

فيلم - سلام يا صاحبي - 1987 طاقم العمل، فيديو، الإعلان، صور، النقد الفني، مواعيد العرض

 

أكذوبة سخيفة وحجة أسخف منها، توضح مدى العجز في تقديم محتوى راقي يوصل رسالتك وقصتك دون أن يهدم الذوق العام، دليلاً على كلامي مجموعة من الأعمال السينمائية والدرامية التي تقدم نفس القصة والرسالة ولكن دون خدش أو  تجريح، هل تتذكر فيلم سلام يا صاحبي؟ فيلم يتناول تقريباً نفس نوعية تلك القضايا التي تطرح اليوم، شخصيات من حي شعبي من طبقة أقل من متوسطة، يعانون مشاكل الفقر والبطالة والبلطجة، ولكن لم تجد أي مشهد أو لفظ خادش للحياء وفوق كل هذا قام بتوصيل رسالته وظل خالداً وأضاف قيماً ومعاني أهمها الصداقة.

فإذا قال لك “القصة عايزة كدة” رد بأن “أنت اللي عايز كده” كما أن الجمهور في الآونة الأخيرة أصبح ناقداً من الدرجة الأولى ولن يقبل بأي محتوى، الجمهور إذا اتجه لسماع أغاني المهرجانات وأفلام السبكي فهذا بسبب عدم وجود الخيار الثاني، ولكن الآن أصبح على الساحة العديد من الأذواق وعلى الجمهور أن يختار ولن يقبل بأي محتوى متدني في الحوار أو الرسالة.

أقرأ أيضًا: أفضل أفلام دراما في عام 2020 .. عام يختتم بفيلم لتوم هانكس وآخر لمريل ستريب

0

شاركنا رأيك حول "كُتع كُسح كُسل، دراما رمضان تقدم فصلاً جديداً من قاموس لغة التكاتك"