بوستر فيلم صاحب المقام
0

في ظل كورونا، من الطبيعي أن تقضي أيامك ولياليك أمام التلفاز والإنترنت. وبالطبع منصة مثل شاهد، لن تفوت تلك الفرصة المهولة لتحقيق الأرباح وفرض السيادة أمام منافستها الشرسة؛ نيتفليكس. وبالفعل عملت شاهد على إنتاج أعمال أصلية جيدة جدًا، وآخر أبرز إنتاجاتها كان فيلم صاحب المقام للكاتب ومقدم البرامج، إبراهيم عيسى.

اشتهر عيسى منذ سنين وسنين، بكتاباته الجدلية، وقيادته لحملة التنوير الثقافي والديني في مصر. حتى لقبه البعض بخليفة فرج فودة، وحامل المشعل من بعد نوال السعداوي (نتمنى لها طول العمر). وعندما نقل أفكاره إلى السينما بأفلام جدلية مثل مولانا والضيف؛ ذاع صيته أكثر، وحامت حوله الأقاويل أكثر وأكثر.

اليوم سوف نتحدث عن فيلمه الجديد، صاحب المقام يا رفاق. وكيف له أن مثل تجربة مختلفة بالنسبة له، ولنا جميعًا.

* المراجعة خالية من الحرق *

فيلم صاحب المقام

تبدأ قصة فيلم صاحب المقام مع بطل الأحداث، واسمه يحيى. رجل أعمال كبير وعصامي. استلم شركة المقاولات من والده وهي في حالة لا تُحسد عليها، وبفضل جهوده وطموحه، استعاد الأمجاد من جديد. رحلة بناء الذات تلك، جعلته عمليًّا للغاية، ولا يأبه بأحد، ولا يهتم لشعور أحد، وكل ما يدور في خلده هو المال والتجارة فقط. هذا جعله لا يراعي مشاعر زوجته التي تترجاه أن يترك هاتفه ولو للحظة، ولا يقضي وقتًا مع ابنه. مما جعل المسافات تتزايد، والتفكك الأسري يحدث من خلف الستار.

صاحب المقام - آسر ياسين

قرر يحيى بناء حيّ سكني مهول في الصحراء، لكن هناك يوجد مقام لأحد الأولياء الذين يتبرك بهم سواد الناس. حذروه كثيرًا، لكنه هدمه على كل حال. وبعد أيام، بدأت سلسلة من الحوادث في تدمير حياته، حتى انتهت بوقوع زوجته في غيبوبة ذات سبب مجهول. وفي المشفى يقابل السيدة روح، التي تعمل على تغيير حياته للأفضل، وأقنعته بأن يذهب لنيل رضا الشخص الذي أغضبه؛ والذي هو صاحب المقام بدون شك.

مَن هي تلك السيدة الغريبة فعلًا؟ وكيف سيستطيع يحيى مصالحة الولي الذي هدم مقامه؟ وهل ستستفيق زوجته وينتهي هذا الكابوس على خير؟ هذه أسئلة ستعلمون إجابتها عند مشاهدة الفيلم بالطبع.

انطباع عن قصة صاحب المقام

حسنًا، نحن أمام إبراهيم عيسى؛ فبالتأكيد لنا وقفة.

في فيلم مولانا، سلط الضوء على رجال الدين. وفي فيلم الضيف، سلط الضوء على ميليشيات الدين. لكن في فيلم صاحب المقام يا عزيزي، على ماذا قد يكون سلط الضوء هذه المرة؟

في الواقع، إذا حاولت استشفاف غرض عيسى من خلف هذا الفيلم، ستفشل في المرة الأولى، وتنجح في الثانية. في صاحب المقام اعتمد إبراهيم عيسى على تفنيد ميتافيزيقا الأديان؛ أي الأشياء التي لا تُدرك بالعقل مثل الكرامات، والغضب الذي قد ينتقل عبر الأثير من الولي الصاحب مهدود المقام. يبدو أن عيسى في رحلة تنويرية ضخمة يهدم فيها مقدسات كثيرة، ويسعى لتشكيك الناس في الكثير من المسلمات المتوارثة كتوارث عبادة الأصنام بالضبط.

لذلك القصة، أجل وبدون شك، تتلائم مع طِباع الكاتب. لكن مهلًا، أجواء القصة لا تتناسب أبدًا مع الكاتب. القصة مليئة بالأبعاد الدينية والتضرع إلى الأضرحة والإيمان القطعي بأهمية المقامات في حياة البشر. بالطبع عمد عيسى إلى عمل التواء بسيط في القصة حتى يضمن وضع بصمته العلمانية على فيلم ذي أجواء دينية، لكن الظاهر كان عكس ذلك. ربما السبب لا يرجع للقصة، بل للإخراج نفسه. أجواء الإخراج عملت على ترسيخ مبدأ الاعتماد الكلي على الرضا الميتافيزيقي، بل والإيمان به، والإذعان له.

صاحب المقام - آسر ياسين - يحي وابنه

الإضاءة، الموسيقى، زوايا التصوير، الاهتمام الدقيق بإبراز المقامات والضرائح، وحتى الشموع والأيقونات في الكنائس، كلها ملامح دينية أصيلة لا تنتمي إلى جِلد إبراهيم عيسى. عمل محمد جمال العدل على تحويل حبكة عيسى ذات الأجواء العلمانية، إلى حبكة ذات أجواء دينية مليئة بالتعاطف والدموع. سأتكلم عن الإخراج في فقرة خاصة به، لكن كان يجب ذكره هنا؛ للتنويه على أن الإخراج ربما هو الذي أعاق السيناريو عن بسط عضلاته في وجه الجمهور، كما اعتاد كاتبه منذ سنين.

أتفهم رغبة عيسى في تقديم حبكة دينية ترضي الجمهور، وفي نفس الوقت يحافظ على هدم مبدأ بركات الأولياء. لكنه بالغ بشدة في إظهار النزعة الدينية (أو فعلها الإخراج، السيناريو ليس بين يديّ لأعلم إذا كان علمانيّ النزعة أو لاهوتيّ النزعة)، وهذا قيده بشدة.

أفلام عيد الأضحى 2020 لأول مرة ما بين السينمات والمنصات.. منهم فانتازيا كوميدية وصوفي

الشخصيات

الشخصيات في فيلم صاحب المقام ليست متشعبة تجعل دماغك مسحوبة إلى الفراغ، وكذلك ليست محدودة للغاية. الشخصيات متوسطة العدد، مع وجود مساحة كافية لإظهار شخصيات جديدة فرعية على السطح لتخدم هدفًا معينًا، ثم تذهب. لكن المشكلة أن الهدف المعين في حد ذاته، لم يكن من المنطقي ظهوره من الأساس، فبالتالي ظهور الشخصيات الثانوية فيه غير منطقي كذلك. شعرت أن توظيف الشخصيات على مدار الفيلم، أتى لصنع مشهد ختامي واحد لا تجزع فيه من ظهور شخصيات جديدة، فقط للتستر على عدم منطقية المشهد.

صاحب المقام - يسرا

أما من حيث البناء، فشخصية البطل الوحيدة المبنية جيدًا في صاحب المقام بينما باقي الشخصيات أتت لتبرز وجوده فحسب. ربما تجربة صنع فيلم بمشاهد عديدة ومركبة، كان بمثابة عائق أمام قدرات عيسى على الكتابة السينمائية. فقد برع جدًا في فيلم الضيف، حيث تميز بالمكان الواحد بوِحدة المكان والزمان، فبالتالي وِحدة في النصّ. أتت باقي الشخصيات فقط كي تسند وجوده، وتدعمه في رحلته نحو الخلاص، بدون أي ثقل درامي ملحوظ لها. حزنت جدًا في الواقع، لم أعتد رؤية شخصيات هزيلة في أعمال الكاتب، خصوصًا في ظل وجودها في قلب أجواء إخراجية ليست من جِلده.

التمثيل

آسر ياسين بالطبع قدم دورًا ممتازًا، واعتمد على كاريزمته الطاغية في الوقوف أمام الكاميرا وأداء السيناريو بتلقائية شديدة. أما بالنسبة لأمينة خليل، فلم تحصل على المساحة المناسبة أمام الكاميرا، نظرًا لفقر دورها دراميًّا في القصة كلها. أما بيومي فؤاد فقدم ببراعة دورين لأخوين توأم، مع اختلاف واضح في اللكنة وتعبيرات والوجه ولغة الجسد. وبالطبع يسرا قدمت دورًا خفيفًا للغاية، لا يستلزم منها قدرات تمثيلية معقدة؛ فقط قدمت دورًا داعمًا للبطل، مثل سائر الشخصيات.

 محمد عبد المغني

أما بالنسبة لتمثيل باقي طاقم العمل، لفت نظري أداء إبراهيم نصر وريهام عبد الغفور ومحمد عبد المغني، أداء ممتاز جدًا في الواقع، وتلقائي تمامًا أمام الكاميرا.

الإخراج

تحدثت سابقًا عن الإخراج وعدم مناسبته للقصة التي أراهن على أن عيسى لم يستطيع بسط عضلاته فيها. لكن بالنسبة لما ظهر أمامي، الزوايا جيدة وتوزيع الإضاءة مناسب للأجواء الدينية الخاصة بفيلم صاحب المقام فعلًا. كانت هناك بعض اللقطات المتتابعة التي أعجبتني. ربما حاول المخرج تطبيق أسلوب مارتن سكورسيزي في الـ Tracking Shots، لكن وجد تطبيقها في الأماكن الضيقة عسيرًا، فقرر عملها بهيئة كادر يتوسع للخارج باستعمال الطائرات الآلية – Drones.

 أمينة خليل

وبما أن الإخراج عنصر بصري، فالشيء بالشيء يُذكر. المستوى الجرافيكي للمشاهد المركبة لم يكن مقنعًا على الإطلاق. ظهر بشدة أن بعض المشاهد مصورة في استوديو، ثم تم تركيبها على خلفية. ربما إذا كانت الميزانية مرضية لطاقم التعديل، لأصبحت النتيجة أفضل.

الموسيقى

الموسيقى خلّابة، فعلًا خلّابة.

صاحب المقام أبدع في اختيار خالد الكمار كمُلحِّن. لكن أتداركتم أنني قلت موسيقى؟ أي أقصد مقطوعة واحدة؟

لأنه أجل، لا توجد إلا مقطوعة واحدة فقط بالفيلم. حتى لم أحسس تغيرًا في النوتات بين المشاهد لأقول أن النوتة الأساسية انبثقت منها نوتات فرعية مثلًا. لكن فعلًا الفيلم كله بُني على مقطوعة واحدة فقط، ظلت تتكرر وتتكرر حتى مللتها (وأتمنى أن أكون مخطئًا في ظني هذا، مستعد لتكذيب أذني على الدوام).

0

شاركنا رأيك حول "فيلم صاحب المقام .. جوهر إبراهيم عيسى وأجواء ليست من جلده!"