كتاب النحت في الزمن المخرج أندريه تاركوفسكي
2

يقول المخرج السوفياتي العظيم أندريه تاركوفسكي (1932-1986)، مؤلف كتاب “النحت في الزمن” ذائع الصيت: “السينمائي ينحت في الزمن كما ينحت النحات في الصخر”. فتتضح شاعرية أفلامه البارزة في طريقة كتاباته وتعامله مع الصورة والكاميرا ومفهوم الزمن وارتباطه بالذاكرة.. فمن هو “Andrei Tarkovskyأندريه تاركوفسكي”؟ وما علاقة فلسفته بالسينما؟

ذكرى ميلاد المخرج البولندي كريستوف كيشلوفسكي .. الذي ما زال حيًا بما قدمه للسينما

شاعر السنيما أندريه تاركوفسكي

أندريه تاركوفسكي - النحت في الزمن
الفلسفة السينمائية للمخرج أندريه تاركوفسكي مؤلف كتاب “النحت في الزمن”.

يُعد الروسي “Andrei Tarkovsky – أندريه تاركوفسكي”، صاحب لقب (شاعر السنيما)، من أفضل المخرجين في تاريخ الفن السابع، وهو فنان متعدد المواهب، يمتلك موهبة التمثيل والكتابة والتأليف، فضلًا عن كونه منظر سينيمائي وعمل لفترة كمدير لدار أوبرا. وهو ابن الشاعر الروسي “أرسيني تاركوفسكي”.

من النادر للغاية أن تكون هناك فرصة لإلقاء نظرة خاطفة على روح الفنان، فنجد المؤلف السويدي “إنغمار بيرجمان” يقول عن تاركوفسكي:

“كان اكتشافي للفيلم الأول لتاركوفسكي بمثابة معجزة. فجأة، وجدتُ نفسي أقف عند باب غرفة لم يتم تسليم مفاتيحها لي حتى ذلك الحين. لطالما رغبت في دخول هذه الغرفة، وكان هو يتحرك فيها براحة وحرية تامة. شعرت بالصدمة والتحفيز: فكان هناك شخص يعبر عما كنت أرغب في قوله دائمًا دون أن يعرف […] تاركوفسكي هو الأعظم بالنسبة لي، فهو الشخص الذي اخترع لغة جديدة وفيّة لطبيعة الفيلم، كما أنها تجسد الحياة على أنها انعكاس أو حلم”.

قال أندريه تاركوفسكي ذات مرة معرّفًا مفهوم السينما من وجهة نظره:

“وضع الشخص في بيئة لا حدود لها، وربطه بعدد لا يُحصى من الأشخاص الذين يمرون بالقرب منه أو بعيدين عنه، وربطه بالعالم كله، هذا هو معنى السينما”.

فتستند أفلامه إلى مواضيع ميتافيزيقية، لقطات طويلة للغاية، وصور فاتنة. وتتكرر عناصر كثيرة مثل: الأحلام والذاكرة والطفولة، والمياه الجارية المصحوبة بالنار، والمطر في الداخل، والانعكاسات والارتفاع، والشخصيات التي تظهر مرة أخرى في مقدمة الحركات الطويلة للكاميرا.

كتاب النحت في الزمن

كتاب النحت في الزمن
غلاف كتاب النحت في الزمن للمخرج أندريه تاركوفسكي

لم تكن السنيما بداية رحلة أندريه تاركوفسكي، بل كانت هي المحطة الأخيرة، فقد كان مهووسًا بالشعر فدرس الأدب العربي متأثرًا بأبيه الشاعر الروسي “أرسيني تاركوفسكي”، فهو شاعرًا أكثر من كونه مخرجًا.

فقد ذكر في أحد آرائه أنه لا ينظر إلى الشعر كنوع أدبي، بل يعتبره الوعي بالعالم، أو طريقة ما للاتصال بالواقع، وبذلك يصبح فلسفة لإرشاد الإنسان في حياته.

في كتاب “Sculpting in Time – النحت في الزمن” يتحدث أندريه تاركوفسكي عن الفن والسينما بشكل عام، وعن أفلامه بشكل خاص. وفي رأيه أن السمة الفريدة للوسيلة هي تخريب وإعادة تعريف تجربتنا مع الزمن.

ينقسم كتاب “النحت في الزمن” إلى تسعة فصول يحدد فيها تاركوفسكي أفكاره وذكرياته، ويكشف لأول مرة عن الإلهام الأصلي لأفلامه الاستثنائية.

ففي الفصل الأول من الكتاب يبدأ تاركوفسكي بتحديد أفكاره في السينما، ثم ينتقل من حديثه عن السينما بشكل خاص إلى الحديث عن الفن وما يميز السينما عن غيرها من الفنون في الفصل الثاني والثالث، فيرى أنها فرصة للإنسان لتسجيل الحياة كما هي، فيستطيع الإنسان أن يحدد أحداث الحياة ثم يربطها ببعضها البعض برابط معتمد على نفسية وجو الحدث الذي يحمله الفيلم، وبالتالي فإن المخرج أو (ناحت الزمن) -كما يسميه تاركوفسكي- بإمكانه أن يقدم هذه الحياة بشكل مختلف وجديد، حيث أن هذه الحياة مبينة بشكل أساسي على نفسية وجو الحالة التي يحملها الفيلم، وليس على التنظيم الخارجي للأشياء ودقتها التاريخية أو الاهتمام بتوثيقها المجرد، ويوضح تاركوفسكي العلاقة بين الكتابة والإخراج، فالنص لا يمكن أن يكون سينمائياً إلا إذا تدخل فيه المخرج ووضع فيه رؤيته وتصوره.

أمَّا الفصول الثلاثة التالية يناقش تاركوفسكي  فيهم فلسفة الفن والسينما مع أمثلة على أعماله، وعن فكرة الزمن، فهو يرى أن لكل مخرج زمنه الخاص، الزمن الحاضن للأحداث وسريانه بطريقة معينة، ويؤكد على أهمية الزمن مقارنةً بالعناصر الجوهرية في الفنون الأخرى، فكما أن الصوت يظهر الموسيقى، واللون يظهر اللوحة، فالزمن يظهر العمل السينمائي، لذلك فالسينمائي -مجددًا- هو ناحِت في الزمن. أما عن علاقة الفنان بالجمهور فلم يتجاهلها فيقول:

“الفنان في علاقته مع الناس يلمس مشاعرهم، يمس دواخلهم ويفتح داخلها أبوابًا كثيرة”.

ويؤكد تاركوفسكي في كتاب “النحت في الزمن” على أن الفنان يجب عليه أن يحترم جمهوره، فليس له الحق أن يعامل الجمهور على أنه غبيًا أو أن يتحدث باسمه، فعليه أن يقدم له ما يرفع ذائقته ويعبّر عنه ويكون صوتًا له.

أما في الثلاثة فصول الأخيرة فيوضح لنا السينما وارتباطها المباشر بالواقع فهي أقرب لوصف الواقع حيث لا يوجد وسيط بينهما على عكس الأدب الذي يتعامل مع العالم عن طريق اللغة، فكل كلمة قد تحمل مفهومًا معينًا، والإنسان أكثر تعرضًا للسينما في عصرنا الحالي مما جعلها أكثر تأثيرًا من الكتب.

ستجد في كتاب “النحت في الزمن” جزءًا من روح الكاتب أندريه تاركوفسكي، صورةً من طفولته، أو حلمًا راوده أثناء نومه. وإن أردت الاستمتاع فعليك مشاهدة بعض أعماله التي تحدث عنها حتى تكتمل قراءتك للكتاب.

ويتركنا أندريه تاركوفسكي مع اثنين من أعماله وهما فيلم “نوستالجيا” الذي أثبت له أن نظرته في أن السينما هي تعبير عن عالم الإنسان الداخلي وأنه غير مهتم بالعالم الخارجي، وفيلمه الأخير “The Sacrifice” فيكرّر تاركوفسكي حديثه عن أن الفنون تمس المشاعر الإنسانية، ويقول بالرغم من أننا أصبحنا متخمين ومحاطين بالمعلومات إلا أن الرسائل فيها لا تمسّ المشاعر، ليس فيها رسائل عُليَا تغيّر حياة الإنسان.

أشهر أفلام ديفيد فينشر مخرج الإثارة والتشويق مُرتبة من الأسوأ إلى الأفضل

تاركوفسكي وألوان الحياة اليومية

وأراد أندريه تاركوفسكي أن يمنح المشاهدين إحساسًا بمرور الوقت والعلاقة الدقيقة بين لحظة وأخرى باستخدام اللقطات غير المحررة والمقاطع الطويلة. وكان ذلك بسبب تأثير الأساتذة اليابانيين الذين يمكنهم رفع الفعل البسيط المتمثل في تقطيع رغيف الخبز أو ركوب الدراجة إلى شيء غير عادي.

وقد نلاحظ أن جميع أفلامه تكون أحادية اللون، ففي فيلم “ستوكر” نجد البني الداكن. وقد أعلن تاركوفسكي في مقابلة له أن الفيلم الملوّن كان “وسيلة للتحايل التجاري” وادّعى أنه في الحياة اليومية لا يُلاحظ المرء الألوان بوعي في معظم الأوقات، وبالتالي يجب استخدام اللون في الفيلم بشكل أساسي للتأكيد على لحظات معينة، ولكن ليس طوال الوقت، حيث أنه قد يصرف انتباه المشاهد.

stalker

فيلم طفولة إيفان

أخرج أندريه تاركوفسكي فيلمه الأول، طفولة إيفان، عام 1962م والذي يدور حول صبي يتيم وتجاربه مع أهوال الحرب العالمية الثانية. في مقابلة له عام 1962م، صرح أنه أراد في صنع الفيلم أن ينقل كل كراهيته للحرب، وأنه اختار الطفولة لأنها أكثر ما يتناقض مع الحرب. وقد حصل الفيلم على جائزة “جولدن ليون” في مهرجان البندقية السينمائي.

فيلم أندريه روبليف

شارك في كتابة فيلمه الثاني “أندريه كونشالوفيسكي” عام 1965م وهو مبني بشكل فضفاض على حياة صانع اللوحات الفنية الدينية الروسي “أندريه روبليف” في القرن الخامس عشر. وهو مقسم إلى سبع حلقات، مع عمل تمهيدي وعمل خاتمي مرتبطين بشكل فضفاض بالفيلم الرئيسي. وتقع أحداث الفيلم في روسيا في القرن الخامس عشر، وهي حقبة مضطربة تميزت بالقتال والتنافس بين الأمراء وغزوات التتار.

أندريه روبليف
صانع اللوحات الفنية الدينية الروسي “أندريه روبليف” في القرن الخامس عشر.

أما عن الموضوعات التي ناقشها الفيلم فشملت الحرية الدينية والفنية، ورفض اليقين السياسي، والتأمل الذاتي، وخلق فن لا هوادة فيه في ظل نظام استبدادي. ولقد مُنِع من العرض محليًا في الاتحاد السوفييتي لسنوات عديدة بعد اكتماله. وتم عرض نسخة معدلة بشدة من الفيلم في مهرجان كان السينمائي عام 1969م، حيث فاز بجائزة “FIPRESCI”.

فيلم المرآة

وهو فيلم مُعقّد وشِبه سيرة ذاتية عن الحقبة الستالينية المضطربة التي حيَّرت وأثارت غضب الحكام الثقافيين، ومستوحى من حلم متكرر للمنزل الذي ولد فيه. استخدم الفيلم بالتناوب الألوان والتسلسلات أحادية اللون لنقل سلسلة من الذكريات والأحلام التي اشتدت حدّتها من خلال الشعر والموسيقى الكلاسيكية في الموسيقى التصويرية.

mirror - أندريه تاركوفسكي

حتى نشرات الأخبار عن الأحداث التاريخية مثل الحرب الأهلية الإسبانية والثورة الثقافية والمعالم السوفييتية مثل محاولة تسجيل البالون عام 1934 ورحلة تشكالوف عام 1937 فوق القطب الشمالي، تم توظيفها لربط التاريخ والشخصية في هذه الحياة الرائعة للعقل.

وبغض النظر عن محتوى الفيلم الفكري والسيرة الذاتية، لا يزال بإمكاننا تقدير “المرآة” كمحاولة لالتقاط الروح البشرية، ومحاولة لإثبات أنه على الرغم من جميع تجاربنا الفردية المتنوعة، لا يزال لدينا الكثير من القواسم المشتركة على المستوى العاطفي والروحي.

2

شاركنا رأيك حول "النحت في الزمن لـ أندريه تاركوفسكي: أن يكون الاكتشاف الفني تصورًا مبهمًا للحقيقة المطلقة"