سيد حجاب .. في رثاء مفردات حقبة زمنية كاملة

وفاة سيد حجاب
1

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

لا تستهويني عادة التصنيفات الزمنية التي تنطوي على نبرة تعالي على الأجيال اللاحقة، والتي نفتخر فيها بأشياء لم تعد موجودة في الوقت الحالي، محاولين إصابة هذه الأجيال بالحسرة، لأنهم لم يشهدوها، ولكن هنا لابد من الإشارة إلى حقبة زمنية معينة ساهمت مفرداتها في ارتباطنا بعدة أشياء وأشخاص.

وأقصد هنا فترة ما قبل انتشار أطباق استقبال إشارة الأقمار الصناعية فوق أسطح المنازل، بأحجامها المختلفة كي تفتح آلاف القنوات وآلاف الاختيارات المختلفة بتنويعات مذهلة، الفترة التي كنا نعتمد فيها على القنوات المحلية القليلة التي يبثها تلفزيون الدولة الرسمي، كمصدر وحيد للتسلية والترفيه، أشهد أني عشت طفولتي وحتى بدايات فترة مراهقتي، في هذه الحقبة الزمنية قبل انتشار القنوات الفضائية المتعددة بجنسياتها المختلفة وألسنتها المتعددة ولهجاتها المتباينة وهويتها التي كانت تحاول أن تخاطب جميع الهويات، فأصبحت مسخ من كل الهويات.

وسيد حجاب كان أيقونة من أيقونات تلك الفترة الزمنية التي نلتف فيها حول التلفزيون، فيعرض لنا من برامج ومسلسلات وأفلام لا تسلينا وترفه عنا فحسب، بل لتشكل أمزجتنا وتكوّن ذوقنا وتغدو أحد أهم روافدنا الثقافية، وكان من الواجب بما أنه تلفزيون الدولة والدولة تشرف عليه بشكلٍ شبه كامل، فإنّ الخطاب الموجه يدور في مقتضاه حول الهوية والطابع الثقافي المتميز.

سيد حجاب أيقونة المسلسلات وأغاني الأطفال

وفاة سيد حجاب

كان يستحوذ على جزء كبير من الدراما المصرية عمدة التأليف الدرامي العظيم أسامة أنور عكاشة بما يحمله داخله من حب وانتماء ووطنية، ومحاولات مضنية للبحث في الجذور والاعتداد بالقيم الأصيلة، وطالما هناك كاتب يصنع هذه الأعمال التي تحتوي على هذه القيم، فلابد من شاعر يحمل نفس الهم وملحن على نفس الشاكلة، وسيد حجاب (هذا ما سأعرفه لاحقًا) لم يكن كاتبًا لتترات الدراما المصرية فحسب والتي انتشرت بطبيعة الحال في كافة أنحاء الوطن العربي وبشكل أو بآخر أثّر في معظم أبناء الوطن العربي.

كان أيضًا كاتبًا لأغنيات الأطفال التي لطالما عشقتها، أهمها أغنية الشاطر عمرو التي ارتبطت بالجد الذي يشبه أجدادنا جميعًا عبد المنعم مدبولي في المسلسل الخالد “أبنائي الأعزاء شكرًا”، وأغاني كانت المصدر الأول لهدهدة أطفال مواليد الثمانينيات وأوائل التسعينات؛ خاصة أغاني الجميلة دائمًا وأبدًا المطربة بدرجة أم عفاف راضي، والتي ساهمت في تشكيل وعينا نحن بواقعنا المحيط حيث يقول مثلاً في أغنية “اصحي يا دنيا ” على لسان ماما عفاف راضي: “اصحي يا دنيا وقومي يا دنيا واسمعي ديك الصبح صديقك خدي من الكزرولة الألمونيا لبن الصبح وغيري ريقك، اصحي يا دنيا وقومي يا دنيا والبسي واتزوقي تزاويقك واصحي ورشي علينا كولونيا وخدينا معاكي في طريقك”.

هنا كل الكلمات تعبر عن واقعنا نحن كأطفال هذه الفترة وتعيد تشكيل مفردات هذا الواقع لصالح أغنية سنحبها جميعًا من امرأة تشبه أمهاتنا وترتدي ملابس بسيطة مثلهن، فديك الصبح الذي يؤذن عند الصباح، والكزرولة الألمونيا هي وعاء الألمونيوم المخصص لغلي اللبن الحليب في البيوت المصرية في هذا الوقت، والكولونيا هي البخاخ المعطر المعتمد وقتها.

ارتباط الأغنيات بواقعنا يسّر ارتباطنا بها وحبنا الشديد لها، ولذلك ينشأ الاغتراب بين الجيل الحالي (جيل شقيقي الصغير عشر سنوات مثلاً) والغناء المعبر عنه والذي لا يجد فيه أي شيء مرتبط بواقعه، لأن من يغنون له بعيدون كل البعد عن واقعه، خصوصًا أنهم يطلون عليه من دول أخرى عبر القنوات الفضائية.

سأعرف لاحقًا أيضًا أنّ سيد حجاب وعمار الشريعي هما من صنعا أغاني أخرى رائعة مثل “هم النم” و”يلا بينا” و”كان فيه فراشة صغنططة” للجميلة نيللي وغيرها من الأغاني الرائعة التي لازالت تغرقنا في دوامات  الحنين، ولا يتركنا سيد حجاب في فترة الأطفال الصباحية فحسب، بل يصاحبنا في المساء أيضًا مع المسلسل الدرامي الذي عادةً يكون كما أسلفنا من تأليف أسامه أنور عكاشة.

ومن شدة ما أثرت هذه المسلسلات في واقعنا أصبحت إحدى أهم مكونات تراثنا الثقافي، ونقشت تتراتها نقوشًا غائرة في وجداننا الجمعي، سيد حجاب يعني بالزمن وما يفعله بنا في معظم التترات، انظر إلى كلمات الأغنية التي وضعها لمقدمة مسلسل “أرابيسك” من تأليف أسامه أنور عكاشة وإخراج جمال عبد الحميد حيث يقول: “وينفلت من بين أيدينا زمان، كأنه سحبة قوس في أوتار كمان”.

الكلمات العذبة التي يعبر بها عن مأساتنا الإنسانية ككل بكلمات عامية شديدة الرقي والتسامي تحفر في عمق وجداننا، ونجد أنفسنا غارقين في نشوة الحنين كلما سمعناها، حتى وإن مر على المسلسل أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، أو ربما ثلاثين عامًا مثل مسلسل ليالي الحلمية الذي عرض الجزء الأول منه في العام 1987 وبإيقاع مرتب ورزين، يتساءل ويجيب في أبيات عامية تكاد تكون فصيحة موزونة.. يقول:

“منين بيجي الشجن.. من اختلاف الزمن
ومنين بيجي الهوى.. من ائتلاف الهوى
ومنين بيجي السواد.. من الطمع والعناد
ومنين بيجي الرضا ..من الإيمان بالقضا
من انكسار الروح في دوح الوطن
يجي احتضار الشوق في سجن البدن
من اختمار الحلم ييجي النهار
يعود غريب الدار لأهل وسكن”

لا أعتقد أن هناك شاعر يستطيع التعبير عن تساؤلات وجودية إنسانية عامة بمثل هذا القدر من الصدق وفي نفس الوقت تخص أحداث المسلسل من حيث ما يحدثه الزمان في أبطال المسلسل والصراعات والمطامع المختلفة.

يمتد الأمر لمسلسل “الشهد والدموع” الذي أعتبره ملحمة درامية في تاريخ المسلسلات العربية لأنها تعرض النقائص البشرية والصراعات الدامية بينهم على الامتلاك وجمع الأموال والتي تجعل الشخص يظلم أقرب الناس إليه، وفيها يقول العم سيد حجاب بصوت المطرب الجميل علي الحجار “نفس الشموس بتبوس على روسنا، نفس التراب يحضن خطاوينا، طب ليه بنجري ونهري في نفوسنا؟ وليه نعيش ناكل في بعضينا”، ويقول في مقدمة نفس المسلسل الكلمات التي لطالما أثرت في وجداني والتي قفزت إلى ذهني بمجرد سماعي خبر رحيل سيد حجاب: “تحت نفس الشمس فوق نفس التراب، كلنا بنجري ورا نفس السراب.. كلنا من أم واحدة أب واحد دم واحد بس حاسين باغتراب”.

الكلمات المغناة بالطبع تكتسب الجزء الأكبر من قيمتها من خلال اللحن الذي يكسوها والصوت الذي يؤديها، بينما هذه الكلمات هي ما تكسب الأغنية قيمتها، الكلمات في ذاتها تمتلك الثقل والشخصية فضلاً عن اللحن والأداء.

ويؤكد عم سيد حجاب على موهبته في استخدام الألفاظ كما يحلو له وكأن اللغة بأكملها انساقت له فأصبحت كقطع الصلصال بين يديه يصورها كيف يشاء في تتر مسلسل “حدائق الشيطان” الذي غناه علي الحجار والذي شكل دويتو رائع معه وعمار الشريعي حيث يقول: “وسألت عاشق وعاشقة، ايش قوّى روحكم قالولي، مين يخشى أو يخشع اشقى، ولا اللي طال نجمة لولي” وهنا يستخدم طريقة الجناس الكامل بين الألفاظ ليصنع معزوفة شعرية رائعة يلحنها عمار الشريعي بسلاسة وبساطة وإتقان في نفس الوقت، ويقول في نفس التتر “قالولي فرعون يا ظالم، ايش فرعنك قال عبيدي، لما نخوا تحت المظالم، انساقوا للضرعة بايدي”.

وقبل ذلك في مسلسل الذي يتناول تغريبة بني هلال “السيرة الهلالية” حيث يقول ممجدًا مادحًا بطل بني هلال أبو زيد الهلالي سلامة: “كانوا الهلايل من قبله، هلاهيل قبايل وعشاير، والكل كان مترقبله، لحد ما بانت له بشاير.. وهل زي العيد الجاي.. من غير مواعيد، بركات يا هلالي يا سلامة ويا أبو زيد”، ويطل علينا أيضًا من خلال صوت محمد الحلو في مقدمة حلم الجنوبي “يا وابور الليل يا رايح ومقبل ع الصعيد، عاودلي هنا بروايح زمن الفرحة البعيد”، ولا ريب أن روائح الزمن الماضي تثير وجدان سيد لأنه سيذكرها مرة أخرى في تتر مسلسل “هوانم جاردن سيتي” ولكن بصوت هدى عمار بطلاء من ألحان راجح داوود حيث يقول: “يا روايح الزمن الجميل هفهفي، وخدينا للماضي وسحره الخفي”.

لم يقتصر عمل سيد على ألحان عمار فقط، وإن كانا قد صنعا معًا دويتو رائع جدًا حتى أن سيد حجاب قد وجد صعوبة في الاستمرار طوال الأربع سنوات التي أعقبت رحيل عمار عن دنيانا في نهاية العام 2012 حيث كان آخر تتر كتبه سيد من تلحين عمار مسلسل “أهل الهوى” الذي تناول قصة الشاعر بيرم التونسي والذي عرض في العام 2013 بعد رحيل عمار، وكان هذا آخر تتر لحنه كتبه تقريبًا، ولكن رغم ذلك عمل سيد مع الملحنين العظام مثل بليغ حمدي في مقدمة بوابة الحلواني بصوت علي الحجار أيضًا: “اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني..” والتي أخذ منها الشعب المصري معلومته بحرفة مُنْشِئ مصر والتي يتداولونها فيما بينهم كمسلّمة لا شك فيها، ومع ميشيل المصري في مسلسل “من الذي لا يحب فاطمة” واستسهال الناس للتتر أكثر وإطلاقهم على المسلسل “مين اللي ميحبش فاطمة؟” كما كتب سيد في التتر الذي غناه محمد ثروت، ومع الموسيقار الجميل ياسر عبد الرحمن في مقدمة مسلسل “الأصدقاء” الذي شهد عودة المطرب الرائع “محمد قنديل” وقد لا نتذكر أحداث المسلسل كثيرًا ولكن نتذكر شدو محمد قنديل: “يا صديقي مد إيدك، جرحي جرك عيدي عيدك”.

حتى في السينما يطل علينا بأشهر أغنية غناها الفنان محمود عبد العزيز في أيقونته الخالدة “الكيت كات” قائلاً في نهاية الفيلم “يلا بينا تعالوا، نسيب اليوم في حاله، وكل واحد مننا يركب حصان خياله..”

سيد حجاب وحقبة زمنية كاملة

صورة مسلسل ليالي الحلمية

إنني حينما أنعي سيد حجاب هنا، لا أنعيه وحده، بل أنعي حقبة زمنية أثرت في وجداننا وشكلت شخصياتنا وذوقنا الفني ولا زلنا حتى الآن نجد دموعًا تتسلل من عيوننا حينما نسمع تتر مسلسل العائلة: “حلي ضفايرك ضليلة، ولملمينا يا أصيلة” عاكسًا ذلك على الشتات الذي نعيشه حتى الآن، إنني أنعي نموذجًا لأشخاص أثروا حياتنا الفنية وشكلوا ذوقنا بفنهم الراقي الرائع، هاهو سيد حجاب يرحل ويرحل من قبله الأبنودي وأحمد فؤاد نجم وقد سبقهم صلاح جاهين وفؤاد حداد وعبد الرحيم منصور، ومن يتبقى من هذا الجيل؟ جمال بخيت فقط تقريبًا، من يمسك الراية إذن؟ وكيف برحيل كل واحد من هؤلاء تنقص مساحات الألفة حتى تضاءلت تمامًا وغمرنا فيضان الاغتراب؟! من يعبر عن واقعنا الدامي الأليم؟

رحل أيضًا عمار الشريعي ورغم وجود جيل من الموسيقيين الرائعين أمثال ياسر عبد الرحمن وخالد حماد وهشام نزيه وتامر كروان، إلا أن عمار كان يحتل مساحة لم يحتلها موسيقي في الجيل الذي تلا عبد الوهاب وبليغ حمدي، واستطاع التعبير عما يجيش في صدر الشخصية المصرية عندما كانت لديها استقلاليتها الخاصة وقبل أن تجرفها رياح العولمة والتغريب بعد أن فقدت القدرة على المقاومة.

كان سيد حجاب ولم يزل أحد أهم من أثروا الدراما المصرية بأشعارهم وأضافوا ثقلاً لها وزادوها تألقًا على تألقها، وبرحيل سيد حجاب نتيه نحن في دوامات الاغتراب بعد أن رحل عن دنيانا من كانوا مرفأ الطمأنينة والمعبقين بعبير الأزمنة الجميلة.

1

شاركنا رأيك حول "سيد حجاب .. في رثاء مفردات حقبة زمنية كاملة"

أضف تعليقًا