فيلم زبيدة والسحر التسجيلي للسينما الإيرانية

1

إيران ليست غريبة.. امتلأت الصحف العربية في آخر خمسة أعوام بالمقالات التي تُمجّد في السينما الإيرانية بنمط استشراقي لا يروقني، حيث أن الكاتب العربي اعتاد أن يطلّ على دولة تشاركه الثقافة على أنها دولة غريبة يكتب عنها من خلال تليسكوب أجنبي، يكتب عنها باعتبارها “آخر” بعيد وغريب.

لا، أقول أن السينما الإيرانية هي الأقرب لنا ثقافياً، وهي الأكثر قدرة على الوصول إلى وجدان المواطن عربي بشكل أساسي عن غيرها. إنه سحر السينما الشرقية، إيران أخيراً وبرغم كل الضغوط استطاعت الآن أن تجد سبيلها السينمائي للحرية.. حرية “الإنسان” الذي يحكي ضغوط الحياة البرجوازية القاهرة على كيانه الهشّ مادياً القوي ثقافياً..

الكرامة الإنسانية والدفاع الرومانسي عنها هي السمة الأساسية للسينما الشرقية الإيرانية.. هذا هو مفتاح فيلم زبيدة

الأفلام التسجيلية .. وإبداع شرقي مختلف

فيلم زبيدة - اينشاتيان

عندما شكت الأم لأخيها عن نشاط “زبيدة” الفلكي واستحواذه على جلّ تفكيرها وشعورها، قرّر “خال” زبيدة أن يجلس معها ليخبرها بشكل واضح وصريح وسهل جداً:

“سواء أكنتي ابنتي أو ابنة أختي، سوف أقتلك. سوف أقتلكِ لو أقدمت على أي فعل مشين، هل تفهمين؟؟”.

بكت زبيدة بشكل مباشر ومؤثر جداً.

بكت مثل بنت شرقية تتلقّى تهديداً من أحب الناس إليها. بكاء عميق استطاعت المخرجة الشابة “بيريت مادسن” أن ترصد فيه لغة العيون الرومانسية الشرقية، في كل موقف وكل حركة بحيث أنها نقلت لنا كل المشاعر الممكنة التي يُمكن وأن تخالج وجدان الشرقيّ الرومانسيّ الشاعري جداً من خلال العيون فقط! تجربة عميقة جداً.

يأتي الفيلم التسجيلي الروائي (زبيدة) من إخراج بيريت مادسن إنتاج عام 2013 عن زبيدة التي تريد أن تصبح رائدة فضاء؛ بينما تمضي هي لياليها في استكشاف أسرار الكون، تفكّر عائلتها في كل الطرق الممكنة لمنع زبيدة من مغادرة الأرض.

ما يتوقعه المجتمع من الشابات الإيرانيات مختلف كل الاختلاف عن طموحات زبيدة، وخططها للالتحاق بالجامعة مهددة. مع ذلك، تصرّ زبيدة على السعي وراء حلمها. تخوض المعركة وتوحّد القوى وتقرر التواصل مع أول امرأة إيرانية غزت الفضاء، أنوشة أنصاري..


ثقافة جديدة في الإخراج.. العيون

فيلم زبيدة - بوستر

تترصّد “مادسن” عيون زبيدة، من بداية الشغف، لملاحظات الأم.. تحاول أم زبيدة التي مات زوجها وترك لها أرض بور وبئر جافة وأعمام أكثر جفافاً.

تحاول الأم مرّة أن تُثني زبيدة عن الصعود أسبوعياً لجبل القرية مع مجموعة من الأصدقاء (بنات وبنين) في مجتمع محافظ شديد القسوة، بينما عيون زبيدة تواجهها بالحب، بالشغف، بالعناد، وأخيراً بالدموع، لقد كانت فلسفة الإخراج في هذا الفيلم المُبهر هي فلسفة الكلام العميق، والحراك الوجداني الضخم عن طريق العيون.


الملابس

المخرجة بيريت مادسن
المخرجة بيريت مادسن

فيلم زبيدة شاعريّ وذو قضية في نفس الوقت. وهنا تكمن العبقرية، أن يكون هناك فيلماً هو كل شيء باختصار. جرعة دسمة من المشاعر الاجتماعية القروية بالمناسبة، والقضايا ذات البعد الاجتماعي الواقعي.

أكثرت مادسن من المشاهد التي تجعلنا نتأمل على مهل سيكولوجية الملابس في الفيلم. الرداء القروي الأسود في إيران، عباءة طويلة، وجسد أنثوي قوي يشد ما وراءه ذهاباً وإياباً إلى بيت أعمام زبيدة فقط من أجل “صلة الرحم”.

مثلما رأينا في “انفصال” الفيلم الإيراني المعاصر الحاصل على جائزة الأوسكار قوّة التقاليد الشرقية في الكرم والوفاء بالعهد أو القسم، نرى هنا حلقة جديدة في سلسلة أخلاقية قريبة جداً إلى القلب: صلة الرحم، الآخر، والرؤية الطيبة له على الرغم من فساد سليقته.

تحاول الأم بشكل موازي مع جهودها لاستعادة زبيدة للدوران في فلك الطاعة والخنوع والمكوث في المنزل أن تؤكد على أن صلة الرحم هي مكوّن من مكوّنات وجود الإنسان.

توظيف الملابس في فيلم زبيدة لم يكن توظيفاً تسجيلياً أو روائياً عادي، وإنما كانت له أبعاد مهمة وقوية أعطت دلالات طبقية وجغرافية وأخلاقية أقوى من أي سلوك سينمائي آخر. أن تحتوي القرية على شغف غزو الفضاء، وعلى الأخلاقيات الشرقية التقليدية، وعلى شظف عيش مختلف عن ذلك الذي عندنا، حيث الذي عندنا يدمّر الإنسان وشعوره بالجمال، في حين أن ذلك المرصود عند زبيدة، في قريتها، موجود مع نقاء أخلاقي ومبادئي، وسليقة سليمة للإنسان الشرقي الرومانسي.


البعد الطبقي والاجتماعي

فيلم زبيدة - مشهد 2

أحد أهم مميزات السينما الإيرانية في الوقت المعاصر الاهتمام القويّ بالبُعد الطبقي في الأعمال التي تقدمها.

على الرغم أن الرأسمالية تزيد في وقتنا المعاصر من آلام ومآسي الدول النامية التي يقع أغلبها في الشرق، إلا أن السينما الإيرانية قد حملت صولجان توظيف الدراما في خدمة قضية العدالة.

فنجد في كل عمل فني معاصر لإيران، ليس فقط تمثيل مغالي في واقعيته لأوضاع الفقراء وللفروق الطبقية فحسبت، بل تذمر واضح على لسان الأبطال أو من خلال انفعالاتهم الدرامية على قهر البرجوازية المحلية والعالمية للكادح البسيط. مع هدوء الأم وقدرتها على نقاش أكثر القضايا حساسية مع ابنتها ومع أخيها ومع أعمام زبيدة (الفقر – الحاجة – العمل – الشرف – الأخلاق) نجد في طيات نبسات شفتها تذمراً واضحاً أو شكوى على تلك الأوضاع. سوف يصبح الفقير فقيراً فعلاً إذا تخلى عن هذا التذمر: لماذا؟؟

ذلك الهدوء المثير والانضباط الأموي في هذه الملحمة السينمائية يظهر أخيراً صورة الأم التي اندثرت وسط موجة من الأفلام التجارية أو الما بعد حداثية في الوطن العربي وخصوصاً في مصر، والتي تظهر المرأة على أنها كيان ممسوخ.. ممسوخ من شدة الفقر، من شدّة القهر، أو من شدة توحّش المحيط المجتمعي.

أما في حالة أم زبيدة، فإن صورة المرأة الشرقية ذات التركيبة النفسية الأقوى في هذا العالم، القادرة على احتواء واحتضان كافة صور تمرّد الابنة. دائماً أقول، أن الرجل الشرقي ذو نفسية هشة ورومانسية لا تقدر على تقبل الاختلاف.

أما المرأة، فهي مختلفة تماماً في هذا الشأن، فهي الأكثر قدرة على تحمل كل الصراعات المادية والمعنوية، من المجتمع ومن داخل الأسرة نفسها. نموذج الأم، الحقيقي بالمناسبة، الذي ظهر في هذا العمل، كان نموذجاً واقعياً منسياً في سينما مُعولمة، نموذج حيّ وقويّ وصلب وعظيم، نستطيع أن نعتمد عليه في آلامنا قبل نجاحاتنا.

لم تُشكّل أم زبيدة أي عائق أمام هوايتها وشغفها العلمي. ولكنها شكلت حجر ثبات في النقاش وفي فلسفة الأخذ والعطاء. كانت أساساً قوياً جاثماً يحمي البيت من الهشاشة والإنفلات. وكانت علاقة زبيدة بها علاقة رومانسية خفية جداً، ولم تظهر بشكل درامي في الفيلم، وإنما جسدتها المخرجة بلغة العيون، والدموع أحياناً.


نهاية أم بداية؟؟ هدم فكرة النهاية والنهاية المفتوحة

فيلم زبيدة - مشهد

المفارقة المدهشة في نهاية فيلم زبيدة هي أن شغف زبيدة قد بدأ لتوّه، ولم ينضب، ولم تجزع، بالرغم من نتيجة ما حصل معها!

كان هناك مشهدٌ بسيطٌ يجب ذكره، وهو ذلك التي كانت فيه زبيدة تحتسي الشاي إلى جانب حبيبها في مرتفع جبلي في وادي أصفر.. وكان ساحراً أيضاً.. الحب، حين يكون سهلاً، بسيطاً، وغير عنيف أو ذي سمة استهلاكية حداثية.

انتهى الفيلم وبدأت رحلة جديدة لزبيدة، انتهى الفيلم بأعلى حماسة يمكن للمشاهد أن يشعر بها تجاه حالة إنسانية مكتملة.

إعلان فيلم زبيدة

1

شاركنا رأيك حول "فيلم زبيدة والسحر التسجيلي للسينما الإيرانية"