مسلسلات رمضان 2021 لعبة نيوتن اللي مالوش كبير
0

محاكاة للواقع المرير الذي تعيشه المرأة العربية، رسمت الدراما الرمضانية المصرية لهذا العام ملامح حياة المرأة في نظام بطريركي سائد ومهيمن واختارت أن تخترق قلاع الذكورية، لعلها بذلك تساند كل التحركات النسوية المعاصرة وتنصف نساءً اقترن وجودهن بالبيت والجنس والإنجاب. عملت هذه الأعمال التلفزية الموجعة في نصوصها وأفكارها على إبراز السيطرة المقيتة للذكر والعنف المعنوي والمادي الذي يمارسه على الجنس الآخر وتجاوزت ذلك لتسلط الضوء بدرجة أقل على النساء اللواتي ولدن وترعرعن في ظل هذه الظروف فتبنين أسسها. من بين هذه المسلسلات، اخترنا “لعبة نيوتن” للمخرج “تامر محسن” و”إللي مالوش كبير” للمخرج “مصطفى فكري” باعتبارهما عملين أشاد بهما المتفرج العربي.

فكيف رسمت هذه الأعمال صورة المرأة العربية؟ وإلى أي حد نقدت ذكورية مجتمعاتنا السامة؟

“هناء” من نموذج المرأة المحتقرة إلى نموذج المرأة المستقلة بذاتها

مسلسل لعبة نيوتن
يسرد العمل قصة زوجين (هما “هناء” المهندسة الزراعية الرقيقة التي تقوم بدورها “منى زكي” و”حازم” أو “محمد ممدوح”) قررا -تأثرًا بحياة أخ حازم في الولايات المتحدة الأمريكية- السفر وإنجاب ولدهما هناك.

كانت خيوط القصة تتشابك في الحلقة الأولى لتحكي لنا ظاهريًا حكاية السفر هذه ولكنها سرعان ما انجلت لتكشف ملامح علاقة زوجية وعائلية قاتمة تعدم أحلام “هناء” وتسجن قدراتها وتحط منها.

كانت “هناء” تمثل نموذج المرأة الأولى التي وإن خرجت للعمل فإنها ما زالت بيدقًا يحركه الطرف الآخر في العلاقة، وكان “حازم” الذي ظهر في مظهر الرجل المحب والحنون الطرف المهيمن.

عاشت “هناء” في الحلقات الأولى وهي تتذكر وتذكرنا كيف كان “حازم” يقزمها ويضعها في موضع الرضيع الذي لا يستطيع القيام بشيء في غياب أحد والديه. كان وصيًا عليها ورادعًا لرغباتها. أجج نيران مخاوفها وجعلها تنسى أنها متعلمة وصاحبة ماجيستير في الزراعة الهندسية وسيدة جميلة يسع قلبها العالم.

كان يجيبها إما بالتهكم (كلما اقترحت عليه اسمًا لمشروعهما مثلًا) أو بالصراخ والتهديد بالطلاق (حين سافرت وحدها ورفضت العودة إلى مصر). لم يعتبرها يومًا شريكة يتساوى معها في الحقوق والواجبات أو صديقة يشجعها كلما أرهقتها الحياة.

برزت هذه الممارسات كانعكاس لواقع عاشته الكثير من النساء في مجتمعاتنا العربية مما جعل أغلبهن يهجرن المسلسل ويجدنه مثيرًا للقلق والحسرة. تعاطفنا مع “هناء” لأننا كنا مكانها يومًا ما وفرحنا حين كسرت السلاسل التي قيدها بها زوجها. كانت بداية تحررها ظريفة جدًّا ،إذ وجدت البطلة التي تعاني فوبيا الكلاب نفسها وحيدة أمام كلب فتجاوزت مخاوفها ورممت قدراتها لتتحرر بذلك من كل نداء سلطوي.

كانت هذه الحادثة لحظة انبعاث طائر الفينيق من رماده وولادة جديدة لمرأة قطعت مع الهيمنة التقليدية التي مارسها زوجها عليها طيلة سنوات. لم تقف لعبة نيوتن التي صارت لعبتنا عند هذا الحد ولكنها أشارت أيضًا إلى سلطة العائلة وحصر المرأة في صورة الزوجة المطيعة التي تضمن استمرارية النسل.

برز ذلك من خلال استحضار “هناء” للوم “أم حازم” لها لتأخرها عن الإنجاب ولطرح فكرة زواجه مرة أخرى إن كانت لا تضمن ذلك. هذه الحوارات الرجعية والعبارات التي تتبادلها النساء بكل كراهية ووقاحة ليست من وحي خيال كاتبة السيناريو “مها الوزير” بل هي كشف لما يحدث في المطابخ وعلى طاولات الإفطار. ولكن هل ستفوز “هناء” بمعركتها وتثبت لنفسها وللجميع أنها قادرة على خوض حروبها دون الاستعانة بحازم؟

مسلسل لعبة نيوتن

“اللي مالوش كبير” صور نمطية وعنف واقعي

مسلسل اللي مالوش كبير

ظهور المرأة كفرد فاعل لا يعني إبطال آليات التمايز الاجتماعي بين الجنسين الذي ظل يمارس تحت مسميات أخرى. الهيمنة الذكورية والعنف المولود عنها ومحو الفعل البنيوي والهوياتي للإناث مصحوبين بالجهل والفقر هو ما يقوم عليه مسلسل “إلي مالوش كبير” والتي تظهر فيه “ياسمين عبد العزيز” في دور “غزل” البطلة و”خالد الصاوي” في دور زوجها الغني، تاجر السلاح “عابد تيمور” و”أحمد العوضي” في دور “الخديوي”.

اللي مالوش كبير

يروي لنا العمل قصة فتاة جميلة تنحدر من عائلة فقيرة جدًا، زوجها أهلها رجلًا يكبرها بعشرين سنة ليخرجهم من مستنقع الفقر ويهديهم كرسيًا بين الأغنياء.

كان ثمن هذا الزواج معاناة يومية لـ “غزل” تتلخص في الضرب والشتم والإهانة. حياتها التي غطاها قصر تعيش داخله وعمارة يسكنها أهلها لم تكن سوى ساعات من الركل والصراخ والاحتقار والذل تتكرر يوميًا حتى كادت المسكينة تطبع مع العنف الممارس عليها. هذه المشاهد الموجعة والواقعية التي رأيناها منذ الحلقات الأولى دفعت العديد من النساء إلى ترك المسلسل والمضي نحو عمل كوميدي لا يذكرهن بما يعشنه كل ليلة من بطش واضطهاد.

ولعلهن محقات فقد تطرق المسلسل إلى وجه آخر من الهيمنة الذكورية ألا وهو السلطة الأبوية التي مارسها والد “غزل” عليها والعنف الذي وجهه أخوها إليها. كما ازداد المشهد قتامة حين مررنا من علاقة البطلة وزوجها إلى علاقات ثنائية أخرى قائمة على الكذب والخيانة والقبح.

يقسو علينا “عمرو محمود ياسين” أكثر بنصه ويرجعنا إلى خانة ظننا أننا ابتعدنا عنها وهي خانة نمطية تضع المرأة محل ضعف دائم وتربط خلاصها بضرورة الاستنجاد ببطل “بلطجي” أسمر مفتول العضلات. وتنتج بديهيًا عن هذه الصورة النمطية قصة حب تذكرنا بقصص حب ديزني القديمة المستهلكة. ألن يكون من الممكن لـ “غزل” أن تحمي نفسها وتردع زوجها دون الاختباء في أحضان رجل آخر؟

0

شاركنا رأيك حول "بورتريه للمرأة في ظل نظام ذكوري : “لعبة نيوتن” و”اللي مالوش كبير” نموذجًا"