فيلم The Stanford Prison Experiment والنفس البشريّة الخارجة عن السيطرة  

1

جميعنا نعلم تأثير القوّة على عقول البشر، وما يُسمى بمصطلح إساءة استخدام السلطة الذي نشهده دائماً في عالمنا، وهذه الظاهرة على الأغلب من أكبر المشاكل النفسيّة التي نقابلها في أيامنا الأخيرة، وكثيراً ما حظينا بكتب وأبحاث تتحدث عن هذه الظاهرة، والآن لدينا فيلم كامل يتحدث عن هذا “المرض النفسي”، وهو فيلم Stanford Prison Experiment أحد أعمال 2015 السينمائية المستقلّة.

بدايةً، الفيلم مقتبس عن قصة حقيقية فريدة من نوعها حول تجربة نفسيّة عميقة تم اجرائها في جامعة ستانفورد عام 1971 في الولايات المتحدة، وفيها يتم انتقاء مجموعة من الطلّاب الجامعيين وفصلهم إلى قسمين، سيلعب القسم الأول دور سجناء، أما القسم الثاني دور الحُرّاس، في محاولة لمحاكاة طبيعة السجن والتأثيرات النفسيّة التي ترتبط به.

فيلم Stanford Prison Experiment - الاختيار

يُبنى الفيلم في المقام الأول على القصة الهائلة التي عرضها، وما أضاف عليها هو الفكرة بحدّ ذاتها، والأحداث الحقيقية التي تتالت وتم عرضها وانتقائها بعناية شديدة في الفيلم، بتفاصيلها المميّزة والعميقة، فستشعر مباشرةً بتلك الأحداث وكأنها حقيقية تماماً وسيدفعك الفيلم على التفاعل مع أحداثه بطريقة مذهلة بالفعل، والقصة دون منازع هي أقوى نقطة في هذا الفيلم الممتع.

من الصعب جداً دفع المشاهدين إلى حبس أنفاسهم في لوحة تشويق نفسيّة لا تعتمد على المبالغة بالنظر لواقعها الحقيقيّ، لكن تلك الصياغة الفريدة لأحداث الفيلم وذلك النص العميق المؤثر كانت من تلك العناصر المشوّقة للغاية في الفيلم، وحتى لو اعتمد بشكل رئيسي على أحداث حقيقية عميقة، وواقعيّة إلا أن نقلها إلى السينما بتلك الطريقة الهائلة المُبهرة كان عملاً جباراً برز فيه الكاتب تيم تالبوت.

فيلم Stanford Prison Experiment - الذل

يقدّم فيلم Stanford Prison Experiment مزيجاً من المشاعر المختلفة، حيث يُظهر نفس كوميدي خفيف في بعض مشاهده إلا أنه يؤكد مرّة أخرى في طرح كميّة هائلة من مآسي إنسانيّة كبيرة تراوحت بين الشخصيات الداخلة في التجربة وأيضاً القائمة عليها، مما تدفع المشاهد إلى الانزعاج بشكل شديد، وذلك عبر الرابط المباشر التي تتمكن من تكوينه جميع عناصر الفيلم مع المشاهد.

يطرح الفيلم مجموعة من الأفكار الهائلة، وهي دراسات نفسيّة حقيقية في النفس البشريّة، بيد أن أبرزها هو إساءة استخدام السلطة، إلا أن الموضوع يمتدّ لأبعد من ذلك، فهناك الإحساس بالتغيير، الالتزام الكبير بالتجربة التي دفعتها إلى أن تصبح حقيقية، التأثير النفسيّ الكبير على الطلّاب الذين لعبوا دور المساجين، رغبتهم في الحريّة، خوفهم وانهياراتهم العصبيّة، ولكن التجربة امتدت لأبعد من ذلك لتشمل القائمين عليها الذين وجدوا انفسهم في تجربة نفسيّة أخرى تتعلق بهذا المشروع الشائن.

فيلم Stanford Prison Experiment - المراقبون

يحاول فيلم Stanford Prison Experiment نقل قصة حقيقيّة مؤلمة في الحقيقة حدثت في الماضي، خلت تفاصيلها من إنسانيّة كانت من المفترض أن تتواجد في وقتها، ولكنه لم يتكفِ بنقل القصة ونقل عناصر الدراما الموجودة، بل أراد بشكل عام تسليط الضوء على أفكار التجربة بحدّ ذاتها، ونقل النتائج النفسيّة بأكملها، وهو عنصر نقلَ هذا الفيلم من بوابة أفلام الدراما وأضاف عليها التشويق النفسيّ بامتياز، وهذه نقطة أخرى ميّزت الفيلم كثيراً في سياق عرضه وجعلته تجربة سينمائية لا يمكن تفويتها.

مع الأساس القصصيّ، الدراميّ، المميّز والبيئة المثاليّة التي نقلت الفترة الزمنيّة بامتياز، ستحتاج إلى إخراج فريد من نوعه، وهذا ما اذهلنا به بالفعل كايل باتريك آلفاريز في ثالث أعماله الإخراجيّة، وهو الذي اعتمد على أسلوب فوبيا الأماكن الضيقة، أي تصويره ذو الأفق الضيّق دائماً مما يزيد من ضيق نفس المشاهدين، وأيضاً اعتماده على الاقتراب المباشر والواضح من الشخصيات الرئيسية لإبراز تعابيرهم وحالاتهم النفسيّة المختلفة.

فيلم Stanford Prison Experiment - السجناء

كان الإخراج مبهراً في هذا العمل، ظهرت لمساته بوضوع شديد في أكثر المشاهد تشويقاً، وظهرت في عدة مشاهد الموسيقى التصويريّة بطريقة مُذهلة رائعة، ولكنها لم تتمكّن من المحافظة على مستوياتها في جميع مشاهد الفيلم، لكنها كانت كافيّة في أكثر المشاهد قوّةً واشتداداً في الفيلم، وفي تلك اللحظات القليلة، سيصل الفيلم إلى ذروته.

بالطبع ما كان هذا الفيلم لينقل فكرته التي أراد إيصالها من البداية لولا مجموعة هائلة من الممثلين الشباب الذين قدموا تماماً وصوّروا تلك الحالات النفسيّة المتنوعة، وهم مجموعة قويّة من الممثلين المختلفين الذي أجادوا لعب أدوارهم الصعبة، وابدعوا في جميع مشاهد الفيلم دون استثناء.

فيلم Stanford Prison Experiment - الحقيقة

امتلك فيلم Stanford Prison Experiment بشكل عام جميع العناصر القادرة على جعله لوحة تشويقية مميّزة، ولكن إلى جانب الإخراج المثالي وأداء الأبطال، تبرز القيم العديدة التي يحاول طرحها وتسليط الضوء عليها في سياق الحديث عنه، دقيق لدرجة كبيرة ومؤلمة، حافظ على واقعيته بطريقة فريدة ممتعة وكان أهم من ذلك عميقاً بكل ما تعنيه الكلمة ومليئاً بالمعاني الإنسانيّة والنفسيّة الدفينة، التي طرحت منذ القديم الكثير من التساؤلات حول تعقيدات تلك النفس البشريّة.

سأحبّ كثيراً ان اتحدث وأتعمّق فيما قدمه هذا الفيلم، ولكن لكي لا يفقد متعته، حاولوا مشاهدته وفهمه واستكشتافه بانفسكم، فهو ليس فقط تجربة سينمائية فريدة من نوعها، بل أيضاً تجربة نفسيّة عميقة، وهذا في الأصل ما يجعل قصة هذه الفيلم مميّزة كثيراً في سياق أفلام هذا العام.

فيلم Stanford Prison Experiment - الملصق

تم الإعلان عن هذا المشروع في 2002 وبقي في جحيم التطوير حتى وصل أخيراً هذا العالم إلى شاشات السينما، انطلاقته كانت من مهرجان Sundance السينمائي في بداية العام، ليحظَ بعد ذلك بعرض محدود ابتداءً من يوليو 2015، وحظي منذ لحظة عرضه الأولى بالكثير من النقد الإيجابي والاستحسان من قبل المشاهدين.

تبرز الكثير من الأسماء في بطولة هذا الفيلم، ونذكر منها بيلي كوردوب، إيزرا ميلر، أوليفيا ثيربلي، كي هونغ لي، تاي شيريدان، جاك كيلمر، نيكولاس براون ومايكل أنجارانو. قدّم هذا الطاقم تنوّع فريد من نوعه بين شخصيات الفيلم، والذي من ناحية ما أضاف على التجربة المُقامة في الحقيقة، ومن ناحية أخرى لعب دوراً هاماً في سياق أحداث الفيلم.

فيلم Stanford Prison Experiment - الشر

يعتبر هذا الفيلم كأول الأعمال السينمائية التي تنقل الأحداث الحقيقة لتلك التجربة النفسيّة في جامعة ستانفورد، ولكن في عام 2001 تم عرض فيلم ألماني تحت عنوان Das Experiment اُعيد صنعه لفيلم أمريكي عام 2010 تحت عنوان The Experiment وكلاهما يعتمدان الفكرة الأساسيّة ذاتها، ولكن هناك تحريف كبير في القصص لذلك لا يُعتبرا اقتباسان رسميان عن القصة الحقيقية، ليكون بذلك فيلم Stanford Prison Experiment  ثالث الأعمال السينمائية التي طرحت فكرة هذه التجربة على الشاشة الكبيرة.

في الحقيقية، فيلم رائع، وممتع، مشوّق إلى أبعد الحدود لكنه مزعج جداً، ويقدّم بالفعل تجربة حقيقية لمرض اجتماعي قاتل هو إساءة استخدام السلطة، وخاصةً في غياب تلك القوانين أو القوى التي تسيطر عمن حصل على القوة دون سيطرة او رقابة تُذكر، فالسؤال هنا يبقى، أيجب علينا لوم أنفسنا لتقديم هذه القوة إلى من لا يُحسن استخدامها، أم الأمر بأكمله متعلق بتلك الطبيعة البشريّة التي من الواضح أنه من الصعب جداً أن نسيطر عليها؟

تريلر فيلم Stanford Prison Experiment

1