وحوش الشاطئ، أول حيوانات صنعها الإنسان!

0

مقال بواسطة محمد عطبوش من اليمن

ربما تذهب للاستجمام في أحد الشواطئ القريبة من مدينتك لتستريح من عبء يومٍ شاق، حتى تُفاجئ بثلاثة أطنان من الأنابيب المعدنية تتجه نحوك بأرجل عديدة تشبه هيكلاً عظمي لكائن فضائي!

هذا الشعور بالهيبة والإعجاب هو بالضبط ما سينتابك في حال حالفك الحظ لمشاهدة إحدى أعمال النحّات والمخترع الهولندي ثيو يانسن التي يعمل على تطويرها منذ أكثر من 25 سنة.

وحش الشاطئ – Strandbeests بالهولندية – هو الاسم الذي أطلقه يانسن على تماثيله الميكانيكية التي تتحرك عبر الرياح كأنها حيوانات أو كائنات حية، بمزيج رائع بين الفَنّ والهندسة.

theo-jansen-strandbeest-3d-printing-model-45

“لا يوجد حاجز بين الفَنّ والهندسة إلا في عقولنا.” ثيو يانسن

ولد ثيو يانسن في هولندا ونشأ وترعرع بموهبة مبكرة في الفيزياء والفَنّ، مما أهله لدراسة الفيزياء في جامعة دلفت الهولندية، وعلى عكس المتوقع، لم يكن ثيو طالباً جيداً فقد غادر الجامعة في عام 1974 دون الحصول على أي درجة علمية، ليبدأ نشاطه في المشاركة في المشاريع التكنولوجية والفنية.

فبدأ بالعمل في المختبرات الطبية، وقام برسم مناظر طبيعية عبر أجساد نساء بملابس داخلية مما عرضه للانتقاد ووصف أعماله بالابتذال إلا أنها بيعت، لكن ظلّت السمعة السيئة تطارد السيد ثيو حتى حادثة الجسم الغريب في 1980، التي كانت سبباً في شهرته.

strandbeest8800

في عام 1979 قام يانسن باستخدام أنابيب بلاستيكية رخيصة لبناء أربعة أمتار من مُجسّم لصحن طائر كبير، وملأه بغاز الهليوم وقام بإطلاقه سرّاً مساءً في مدينة دلفت.

وفي يوم شديد الضباب من العام التالي، لاح للسكان ضوء وصوت غريب مصدره صحن طائر في السماء من الصعب تخمين حجمه، فتمّ إبلاغ الشرطة عن صحن طائرة بمساحة 30 متراً، وبالغ بعض السكان حتى أقسموا أنهم رأوا هالة حوله.

وعندما تم الكشف عن صاحب الخدعة، ولاقى اهتماماً كبيراً من الصحافة، دمّرت هذه التجربة – كما يقول يانسن – سمعة لوحاته السابقة. وبعد تجاوُز عاصفة الانتقاد التي تعرض لها عاد لورشته، وقام باختراع الحساس الضوئي لمسدس الطلاء، الذي استغله في أعمال فنية أخرى وحصل على دعم لأجلها.

حديث ثيو يانسن على منصة Tedx

في عام 1990 كتب يانسن لصحيفة محليّة مُحذراً من أن ارتفاع منسوب مياه البحر قد يسبب الفيضانات، وأقترح بناء “حيوانات” من شأنها أن تثير الرمال في الهواء بحيث تهبط على شاطئ البحر.

تصوّر يانسن أن مخلوقات ذاتية الدفع من شأنها إعادة التوازن بين الماء والأرض كما تفعل القنادس في الأهوار الهولندية، ووعدَ أن يكرّس هذا العام للمشروع، وأن تحتل هذه الكائنات الشاطئ حصراً.

تقرير قناة BBC عن مشروع ثيو يانسن

قوانين البناء في هولندا تلزم أن تمرّ الأسلاك الكهربائية في المباني عبر أنابيب معدنية، وهناك الملايين من الأميال منها في هولندا. فاستغلها يانسن بخبرته السابقة بالتعامل معها لهذا المشروع، وبعد ذلك لاحظ أن الاحتمالات المتاحة لكائناته يمكن أن تغيّر مجرى حياته.

“منذ عام 1990 بدأتُ خلق أشكال جديدة من الحياة. لا تستخدم حبوب اللقاح ولا البذور بل الأنابيب البلاستيكية الصفراء كمادة أساسية من هذه الطبيعة الجديدة. أقوم بصناعة هياكل عظمية قادرة على السير في مهب الريح، لا تحتاج للطعام. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الهياكل قادرة على نحو متزايد على النجاة من تحديات الطبيعة مثل العواصف ومياه البحر.. وأخيراً أسعى إلى تشكيل قطعان من هذه الحيوانات لتكون لها حياتها الخاصة على الشواطئ.” ثيو يانسن

1897875_10151908400572821_1844197542_n

تندرج هذه المحاولات ضمن مجال الحياة الاصطناعية – Artificial Life –  الذي طغت عليه المقاربات البرمجية للحياة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي حتى همّشت الجهود المشابهة لفكرة ثيو يانسن.

ففي حين تركز النماذج التقليدية للحياة البيولوجية على ملاحظة وحصر أهم عوامل الحياة، تبحث نماذج الحياة الاصطناعية عن المبادئ العامّة والأبسط التي تقوم عليها الحياة، ومن ثم محاكاتها مما ينتج عنه تحليل نظم حية جديدة ومختلفة.

10594183416_69a3f2c767_k

يُعبّر يانسن عن علاقته المثيرة بكائناته أنها جعلت منه ضحية لها، دائم التفكير بها، مصاب باكتئاب بسببها، دائماً هناك فكرة لتنفيذها، ويشعر أن أنابيبه تملي احتياجاتها وما يجب عليه القيام به.

فاعتكف منذ عام 1990 على تطويرها عبر أجيال عديدة من حيوانات الـ Strandbeests  بحسب التعديلات المضافة إليها في فترات زمنية، كما يفعل العلماء في تقسيم العصور الجيولوجية.

rgrr

شاهد المزيد من الصور هنا!

فعندما كان يوصِل الأنابيب معاً كان يدعو هذه المرحلة بعصر جلوتون (1990 -1991)،  ثم قام بإضافة الأشرطة في عصر (1991 – 1993)، لكنها لم تصمد، فقام بتوصيل الأنابيب مع شرائط من النايلون وأظهرت حيواناته تحسناً كبيراً، ثم  انتهى من بناء Animaris Currens الشهير، وهو أول حيوان من صنعه أمكنه الوقوف والمشي.

حيث قام بصناعة ما يسميه “الخوارزمية الجينية” لتصميم ساق على جهاز الكمبيوتر الخاص بحيث جعل محور القدم مرتبطاً بالكاحل والساق مما سمح للقدم بالبقاء على الأرض فترة أطول قبل رفعها للخطوة التالية.

Gif

الآن يُستخدم التصميم الأساسي بهذه السيقان في جعلها مزدوجة حول ذراع واحدة  تدور في المركز لإعطاء تأثير ركض الحيوانات، حيث يمكن أن يكون بديلاً للعجلات كونه لا يحتك بالأرض على طول مسار الحركة مما يعطيها ميزة على الجلات في الطرق الوعرة بالإضافة لقلة استهلاكها للطاقة، فيمكن الاعتماد عليها في العديد من التطبيقات:

وأضيفت لاحقاً تعديلات أخرى كالأشرعة والذراع ومجرفة لنثر الرمال.

 بالإضافة إلى نظام الطاقة الهوائية مع شفرات تشبه المراوح لتخزين الهواء المضغوط في زجاجات بلاستيكية مُعاد تدويرها.

طوّر يانسن هذه الزجاجات البلاستيكية إلى ما يشبه “خلايا عصبية أولية” لمخلوقاته، تعطي نوعين من الحركة، ويمكن لهذه “الخلايا العصبية” أن تكشف للحيوان عن تواجد المياه الضحلة، عبر إضافة حساسات بدائية جدا تجاه المياه مكونة من أنابيب دقيقة جداً لها «الخاصية الشعرية» والتي بمجرد شعورها بالماء يوجد «عداد ثنائي» بسيط جداً يعطي الأمر لعكس الحركة في الاتجاه المعاكس للوضع الأصلي (اتجاه الخطر).

تساندها “خلايا” مشابهه لتحديد الاتجاه تعتبر بمثابة  “العضلات”. يشبّه يانسن هذا النظام الثنائي بنظام العد الثنائي في الحاسوب 0/1 و يطمح لتطويره إلى “دماغ”.

 كما توجد وحدات أخرى للاحتفاظ بالطاقة واستهلاكها للحركة تلقائياً عند توقف الرياح، فهذه الحيوانات لا تحصل على طاقتها من الطعام، بل من الرياح التي ستحرك الأشرعة على ظهورها، الموصولة إلى أرجلها التي تتحرك بدورها على رمال الشاطئ المبتلة.

وقد أبلت هذه الأنظمة بلاءً حسناً ضمن الحدود المحددة لها رغم بدائيتها، لذلك يدافع عنها ثيو بتسليطه الضوء على ما حققه في وقتٍ قصير.

من هذه المحاولات الطموحة، يتضح لنا مدى بُعد نظر يانسن وأمله الكبير بمشروعه، وتعويله على تطويره خلال المستقبل البعيد بحيث يشارك الإنسان فعلياً في “تطوّر موجه”.

Gif-2

فهل سيتحقق حلم يانسن بعيد المدى؟ هذا ما ستظهره السنوات – أو على الأقل القرون – القادمة.


المصادر 1 | 2 | 3 | 4 | 5

0

شاركنا رأيك حول "وحوش الشاطئ، أول حيوانات صنعها الإنسان!"