0

من واقع سياسي مرير انطلق كل من المخرج عاطف الطيب والمخرج محمد خان بالنبش داخل تفاصيل نفسية وإنسانية خاصة للغاية، اختار كل منهما أحمد زكي كي يقدمها ويبرز تفاصيلها.

حيث قدم عاطف الطيب فيلم البرئ عام 1985 والذي تدور أحداثه خلال فترة انتفاضة 18 و19 يناير 1977 وما ترتب عليها من فساد سياسي وما يدور في عالم المعتقلات من تعذيب وقهر، وبعده بثلاث أعوام في عام 1988 قرر خان أن يتتبع أثر نفس الانتفاضة على حياة ضابط شرطة وزوجته تسببت الانتفاضة في إقالته من منصبه في فيلم زوجة رجل مهم.

لتكن هذه الانتفاضة شرارة حراك لتقديم عملين ذات واقع سياسي لرصد تجربة إنسانية بحتة، وهي نفسها المحطة الأولى للقاء بين الفيلمين.

حيث قدم أحمد زكي العديد من الشخصيات المختلفة على مدار مسيرته الفنية والتي حظيت السينما بالقسط الأكبر منها، تنوعت شخصياته بين رجل الشارع، المُثقف، المُدمن، البواب، المحامي، رئيس الجمهورية، وغيرها ….

وفي مرات عديدة قدم أحمد زكي نفس المهنة في أكثر من عمل، ولكن لا توجد شخصية تشبه الأخرى على الإطلاق من حيث الأداء وطريقة التجسيد، وعلى سبيل المثال وليس الحصر تقديمه شخصيات الضابط والملاكم والسائق والمحامي في أكثر من عمل سينمائي وعلى الرغم من ذلك فدائما ما تجد لكل شخصية تفاصيل وسمات أدت لبُعد الجميع عن الدخول في عقد مقارنات بين كل شخصية وأخرى.

لذا فلم يكن ذلك الربط الذي سنتطرق إليه في مقالنا اليوم متعلق بعقد مقارنة بين شخصيتين قدمهما أحمد زكي في فيلمين مختلفين من حيث الأداء التمثيلي أو مدخله كممثل لكل شخصية، بل الهدف هو النقاش حول أهم المحطات التي التقيا فيها الشخصان، دون أن يتشابها في الأداء وطريقة التقديم.

أحمد زكي : مبدأ الثبات على الفكرة الواحدة

فيلم زوجة رجل مهم وفيلم البرئ

قدم أحمد زكي في فيلم البرئ شخصية “أحمد سبع الليل” فلاح بسيط ساذج، يعيش مع والدته وشقيقه الأبله في الأرياف، يضحك عليه رفاقه مستغلين سذاجته في تسليتهم، يُستدعى سبع الليل لتأدية الخدمة العسكرية، وتأتي خدمته في أحد المعتقلات، يلتزم أحمد زكي كممثل بلزمات عدة من حيث طريقة المشي والحركة ونطق الكلام والضحكة تؤكد على سذاجة الشخصية وبراءتها في البداية، فهو شخص لم يحتك بأي مجتمع سوى مجتمعه الريفي البدائي لا يعلم عن السياسة شئيًا ولم يتعدى خارج حدود قريته إلا عندما ذهب لتأدية الخدمة العسكرية، وقبل الذهاب سأل أحد المتعلمين في قريته “حسين” الذي قدم دوره “ممدوح عبدالعليم” عما يدور في ذلك العالم المجهول بالنسبة له وعن دوره هناك، وعلم منه إنه سيذهب لكي يحارب أعداء الوطن، ومن تعبيرات وجهه يوضح إنه لم يفهم جيدا معنى هذه الجملة، فهو لا يعي معنى الوطن بشكل كاف، ومن هم الأعداء، وليكن ما يكون فهو بالتأكيد عمل بطولي سيذهب سبع الليل بكل شجاعة لينقذه.

ومع دخوله المعتقل الذي سيؤدي فيه فترة خدمته، وتتبع مراحل كشف الهيئة وكشف الأطباء على العساكر ومنها إلى أول طابور عسكري يحضره سبع الليل، يلتقي بإناس يؤمرون بأن يأكلوا رغيف العيش من على الأرض دون لمسه، ومن سيضرب عن الطعام سيلق عذاب مرير، وعلى الرغم من اهتمام الكاميرا برصد ذلك الموقف المهين لآدمية الإنسان، لكنها لم تغفل أن تذهب لرصد تعبيرات سبع الليل في حالة من الذهول مما يحدث وبداخله اضطرابات وتساؤلات تتوافق مع براءته الفطرية، فهو لم يع من هؤلاء وما تهمتهم ولما يعذبون بذاك الأسلوب؟، في الوقت ذاته الذي يقف في وسط زملائه في حالة من الخرس الكامل لا يستطيع أحدًا منهم أن يفعل شئ تجاه هؤلاء المعتقلين، ولكن لم يستمر سكوت سبع الليل طويلًا ليسأل الصول من هؤلاء ولماذا يُعاملون هكذا؟ ويتضح بذلك السؤال إنه لم يكن بذلك الغباء الذي لمحه فيه الجميع منذ البداية، هو فقط لم يلتق بمواقف حياتية ولا بأشخاص يعينوه على الفهم، بينما بداخله شخص يريد السؤال، والدليل على ذلك إنه هو الوحيد من بين أقرانه الذي طرح السؤال، ليجيئه الرد من جديد إنهم “أعداء الوطن”، ومع الربط بين هذه الجملة وما سبقتها يتأكد عنده إنهم أعداء وإن ما هم فيه عقاب مُستحق، وتكتفِ براءته بهذه الإجابة ويبدأ في مرحلة البرمجة.

حيث تثبت أمام عينه فكرة أعداء الوطن والحرب وضرورة تعذيبهم، وأن محاربتهم هو عمله الوطني الجليل الذي خلق من أجله.

حتى إنه يقتل كاتب كبير معتقل عند محاولته الهرب، وأثناء قتله يقول له الكاتب أنه غبي ولا يعلم شيئا ليرمي بكلامه عرض الحائط ظاهريًا، ويظل فكره ثابت نحو الشعار الذي رسخوه بداخله حتى يقتله.

يكسب من خلال تلك الجريمة ثقة قائد المنطقة “العقيد توفيق شركس” الذي قدم دوره محمود عبد العزيز، ليتم ترقيته من جندي إلى درجة “العريف”.

أما عن “هشام أبو الوفا” الذي قدمه أيضا أحمد زكي في فيلم “زوجة رجل مهم”، فمن حيث كافة التفاصيل الشكلية والترتيب الوظيفي لا لقاء على الإطلاق بينه وبين سبع الليل، فأبو الوفا ضابط شرطة برتبة مُقدم، يتمتع بنفوذ قوي، يبدأ ظهوره بتتبعه لفتاة “منى” التي قدمت دورها ميرفت آمين، تلفت انتباهه ليقرر من دون أي مشاعر مسبقة له معها أن يتزوجها بعد أن يقيم حولها بعض التحريات، ويضعها في بعض الاختبارات، لتنفي هذه الأفعال عنه صفة الحب لهذه الزوجة، ويُذكر على لسانه في حوار الشخصية إنها مطيعة وبسيطة وجميلة وهذا يكفيه ليتزوجها.

يأتي الفيلم بتفاصيل عدة تكشف عن نرجسية هذا الرجل وحبه اللامتناهي لذاته في زيه كضابط شرطة الذي سعى له وبات يحلم به منذ طفولته، فجميع لقاءاته بخطيبته قبل الزواج لا تدور إلا في فُلك حكاياته عن ذاته، وتأثير البدلة عليه منذ الصغر، وشعوره بنظرات الإعجاب التي حرص على تتبعها بين أعين الناس أثناء سيره مرتدي البدلة في الشوارع أثناء فترة دراسته بالكلية، ومدى فخره واعتزازه عندما سمع منها إنها سعيدة بوجودها معه، وإن بوجوده تتفتح أمامها كل السكك المغلقة، ترتكز الكاميرا على لغة جسده التي تترجم اعتزازه بسلطته عندما حقق لها ما لم تقدر على تحقيقه بمفردها “مشهد تغير أطباق اللحمة لها ولاسرتها أثناء تناولهم الغذاء في النادي”، لتكن الشخصية واضحة أمام الجميع إنها ثابتة على فكرة واحدة وهي أن وجوده لا يمكن أن ينفصل عن بقائه في سلطته، فهما خلقا لبعضهما ولا فرار لها منه حتى موته.

ومن هنا يلتقي سبع الليل مع أبو الوفا في “الثبات على الفكرة الواحدة”، سبع الليل مُبرمج كآلة ينفذ ما يُلقن دون فهم أو تفسير، وأبو الوفا مُبرمج أيضا بإنه لا يمكن أن يكون سوى ذلك السلطوي المتغطرس، وفي خلفية كل منهما إنهما يحميا الوطن، حتى وإن وصل الأمر بالعسكري أن يقتل شخص حر يدافع عن أفكاره، وكذلك الضابط واستخدامه للأفعال المشينة وتلفيق التهم، وليكن ما يكون فأي فعل يحافظ لهما على فكرتهما الأساسية يذهبان له دون تفكير.

أثر وجود الشخص الواعي في حياة كل منهما

فيلم زوجة رجل مهم

على الرغم من سخرية أقران سبع الليل به إلا إنه كان يجد دائمًا من ينقذه ويرشده لحقيقة الأمور على قدر استيعابه وهو شخصية “حسين” أبن لنفس القرية لكنه يسافر مصر ويدرس في الجامعة لذا كان يتمتع بثقافة ووعي حضاري يختلف عن نهج القرية، ويظهر ذلك الاختلاف عندما أنقذ حسين سبع الليل من رهان دخله مع أصدقاءه بمقصد السخرية منه، في الضحك عليه بأكل كمية كبيرة من الملح والحلاوة معًا مقابل 10 صاغ، وكذلك عندما قال لسبع الليل إنه ذاهب لتأدية خدمته العسكرية بهدف حماية الوطن من الأعداء، ليمثل حسين مصدر ثقة وأمان للبطل، ووفقًا لطبيعة الشخصية المنغلقة البريئة الفطرية أخذ جملة حسين كحلقة في أذنه وبات يرددها، ومن ثم سمعها في المعتقل فرسخت عنده تلك الفكرة وسار على خطاها دون فهم، حتى وإن كان بداخله بصيص من محاولة الإدراك، فالنشأة وطبيعة الشخصية لم تسعفه في أن يقوم بأي فعل مخالف لما يُلقن به.

أما عن المُقدم هشام أبو الوفا فلم يجد منذ طفولته من ينقذه مثلما وجد سبع الليل شخصية حسين، ففي مشهد إسترجاع ذكريات طفولته أوضح إن أساس الثبات على الفكرة الواحدة جاء من الطفولة وكان أهله هم أول الداعمين له ولتغذية هذه الفكرة السلطوية بجدارة، ففي كل عيد يأتون له ببدلة الضابط ومنها نمت لديه رغباته الكامنة وبات يحققها باللجوء لما فُطر عليه، ومن بعدها أعتاد على ألا يسمع صوت سوى صوته، حيث يظهر سبع الليل ضمن عائلة مكونة من أم وأخ، بينما أبو الوفا فمن أول ظهور له وهو بمفرده وعندما أقدم على خطوة الزواج ذهب معه رئيسه في العمل، ليكن وجود الزوجة في حياته هو أولى المنبهات لنرجسيته، مرت الزوجة معه بمراحل تدريجية ففي البداية أعتقدت أنه رجل سوي لا ضرر من زواجه وأعجبت بهيبته وبعالمه المثير، ولكن بعد دخولها بشكل جدي داخل ذلك العالم بدأت في الاصطدام، وذلك الاصطدام دائما ما يكون معه هو شخصيًا، فكلما وضعت يدها على خلل في شخصيته واجهته به، ليمر أبو الوفا بمراحل عديدة تؤدي لاختلال توازنه، تتمثل في مفاجأته أن هناك شخص ما في هذه الحياة يراه بصورة مختلفة عما يراه الآخرون، ويقف أمامه ويواجهه بهفواته، تلك الأزمة التي لم يمر بها أبدًا طيلة حياته، جعلته يشعر أن عليه دائمًا تحجيم تلك الزوجة وتعنيفها حتى تسير على نفس الوتيرة التي يسير عليها جميع المحيطين به، ويظهر وعي الزوجة في مشاهد عدة، من أهمها مشهد رفضها للقاء زوجة مساعد وزير الداخلية ورفضها للمراسم الاجتماعية الزائفة، ومشهد جدالها مع المسؤول الكبير حول السد العالي وإبداء وجهة نظرها المخالفة لوجهة نظر المسؤول وكل المحيطين به التي تتبعهم الكاميرا لتبرز سكوتهم المُكبل حتى وإن كانوا أصحاب رأي مخالف لكن لا قدرة لأحد منهم على إبدائه، ومنها لتعبيرات وجه أبو الوفا عندما بدأت الزوجة بالكلام، فالمعارضة وإثبات وجود الشخصية أمر لا يقبله على نفسه، ليشعر في داخله إنه لم يحسن الاختيار، فلم تكن هذه هي الزوجة الوديعة التي وقع اختياره عليها كي تطيعه ولا تجادله، ليجدها تحاول بين الحين والآخر أن تفصح عما بداخلها من آراء وتصورات.

لتكن منى هي الشخص الواعي في حياته وعي متدرج ينمو بشكل يومي ويشكل خطر مباشر على رؤية هشام لذاته، وعلى شاكلة أخرى يلتقي أبو الوفا بمواجه واعي جديد يتمثل في شخصية “الصحفي مجدي عز العرب” الذي يصرح أثناء التحقيق إنه ضد أوضاع الحُكم الخاطئه بكل شجاعة لم يسبق لأبو الوفا أن يلتقي بها مُسبقًا.

ولكن ذلك الصحفي كان تحجيمه أسهل لأبو الوفا، بتلفيق بعض التهم له والأمر بحبسه.

وهذا ما يؤكد أن الزوجة تُشكل خطرًا أكبر عليه لأنه حتى وإن أصطدم بآخرين على قدر من الوعي سلطته قادرة على اجتياز مواجهتهم، بينما منى بالتدرج باتت لا يعنيها المنصب وخطرها يزيد كل يوم عما قبله عليه.

لحظات الاكتشاف واختلال التوازن

فيلم البرئ

سبع الليل: “حسين أفندي ابن عم وهدان لا يمكن يكون من أعداء الوطن أبدًا”.

أبو الوفا: “دا احنا اللى حمينا البلد.. لولانا مصر كانت خرابة.. أحنا مش غلطانين.. أحنا ضحية يا فندم.. بالتأكيد دي مسألة مؤقتة وبعد ما الأمور تهدأ هنرجع شغلنا.. مش ممكن يستغنوا عننا.. كلها كام يوم وهنرجع الشغل علطول”

بعد ثبات كل منهما على فكرة واحدة تتمثل في “حماية الوطن”، يحدث لسبع الليل لحظة اختلال توازن غير متوقعة عندما يجد “حسين” ذلك المُرشد والمنقذ له وسط المعتقلين أو “أعداء الوطن بالنسبة له” ليحدث اختلال توازن للشخصية، ويظهر الكادر السينمائي ببراعة حيرته بوقوفه في المنتصف بين السلطة المتمثلة في شخصية العقيد شركس وأعوانه، وشخصية حسين وزملاؤه، ويرتكز الكادر على تأكيد المسافة الفاصلة بين التكوينين، فالرئيس أعلى من حيث المستوى يعتلي حصانه، بينما سبع الليل وحسين يقفا على الأرض في مستوى أقل، أي إنهما اصبحا على قدم المساواة معًا بمجرد محاولة سبع الليل الدفاع عن صديقه، ليتحول هو الآخر لمعتقل مثله وسينال نفس الجزاء من التعذيب لأنه خالف الأمر ولم يضرب حسين.

ومن هنا يأتي مشهد الاكتشاف، حيث يجلس سبع الليل وحسين سويًا كمخالفان للقوانين في زنزانة واحدة ويبدأ حسين في كشف حقيقة الأمر لسبع الليل، ولأن حسين يمثل مصدر ثقة وآمان له يصدقه على الفور ولكن هذه المرة مبنية على تفاصيل سابقة تجعل تصديقه له ليس مجرد حفظ للجملة دون تفسير، فسبق وان تحركت مشاعره في كل مرة رآى فيها المعتقلين يتعذبون، وعلقت جملة الكاتب أثناء قتله له في ذهنه عندما قال له “أنت حمار مش فاهم حاجة”، ليجد نفسه بمجرد أن يطلعه حسين على الحقيقة يستدعي هذه اللحظات ليتيقن من تلك الومضات الصغيرة التي دبت في قلبه البرئ وهو ينفذ أوامر الفكرة مُبهمة التفاصيل التي تلقنها.

ويتغير رد الفعل تمامًا ويبدأ في الرفض الواضح ومن ثم الدفاع عن حسين ومحاولة إنقاذه من الموت، إلى أن تأتي نهاية الفيلم –الأصلية قبل الحذف- بموقف نابع من رد فعل تراكم بداخله في كل مرة رآى تعذيب أمام عينه لأحد المعتقلين، وهي كل من في المعتقل من ضباط وعساكر برصاص البندقية، ومن بعدها يتوجه الرصاص نحو سبع الليل من قِبل عسكري زميل تبدو نظرته مشابهة لنظرة سبع الليل البريئة الفطرية، لتكون دِلالة حول عدم وقوف دوران ساقية الطغاة مادامت الآلات تتحرك وفقًا لما يتلقونه، فنهاية الفيلم الأصلية على الرغم من إنها بها مقاصد سياسية، إلا أن الشق الإنساني لا يقل فيها أهمية بل يزيد نظرًا للتوغل في أعماق الشخصية وما نتج من رد الفعل إنساني تم التمهيد له في كل المشاهد السابقة، فالنهاية الأصلية تتمثل في رصد لحظة لرد فعل سبقها لحظات اختلال توازن واكتشاف حقائق، وبذلك فإن المشهد المحذوف هو مشهد أساسي يكشف عن المحاولة الأولى في حياة سبع الليل التي ستساعده على اكتشاف ذاته ورضائه عنها وتجريدها من الآلية التي نشأ عليها.

وكذلك الحال عند أبو الوفا ولحظات اختلال توازنه التي جاءت جميعها منذ لحظة تلقيه خبر إحالته على المعاش، تمثلت بذورها الأولى في محاولات رفضه الداخلية بإن ذلك مجرد وضع مؤقت، ومن بعدها شراء عربية وتأجير سائق لخداع المحيطين إنه مازال في عمله، ومنها لمحاولاته غير المجدية في إثبات استمرارية سلطانه لذاته بضرب البواب والفكهاني والزوجة وكل من يحاول أن يواجهه بحقيقة الأمر، وشموخه الواضح في نبرة صوته عندما يستطيع أن يغلق شقة جاره الذي عرض عليه أن يعمل معه في مزرعة الدواجن فحينها تسبب في اصطدامه بواقعه الهارب منه، وزوجة الجار أيضًا التي علمت تفاصيل حياته مع زوجته، ليكن فعله تجاه غلق الشقة أمر متوقع لأنه يريد أن يتخلص من أي مواجه له يصارحه بحاله الجديد.

كما التقى هشام من جديد بالصحفي عز العرب، ولكن هذه المرة بعد الإقالة وأخذ الصحفي براحه في تعريته أمام ذاته بكل سلاسة، فما كان في يد هشام سوى الصوت العالي ورميه بالتهم الباطلة حتى يرضي نفسه ويهدئ من روعهِ.

أقرأ أيضًا: أبرز إصدارات 2020 من كتب السيناريو لأفلام مقروءة لم تعرض سابقًا!

أنواع السلطات وطرق مواجهتها

فيلم زوجة رجل مهم

لم يكن في نفس سبع الليل التطلع لبلوغ أي سلطة منذ الصغر، بينما بدخوله الجيش وجد نفس جزء صغير من منظومة سلطوية كبيرة، ومُرغم على السمع والطاعة من قِبلها.

أما بالنسبة لأبو الوفا فمنذ صغره وهو طامح في بلوغ سلطة “أن يصبح ضابط شرطة”، وبالفعل بلغ السلطة وأصبح صاحب نفوذ وفي الوقت ذاته تفوقه سلطة رؤساؤه، أي يعتبر بمثابة رئيس ومرؤس في الوقت نفسه.

أدت مرحلة اختلال التوازن عند كل منهما، بإن يثور سبع الليل على سلطته في رفض الأمر الموجه له، بينما في لحظات اختلال أبو الوفا وفقدان سلطته ظل متشبث بها على كافة المستويات، المستوى الأول وهو المستوى الظاهري حتى لا يفقد بريقه ونظرات احترام الناس له، وعلى مستوى آخر هو اتساقه مع ذاته ورضائه عنها، فهو لم يرض عن ذاته إلا إذا أستمر في مهنته، لذا عان من الإضطراب في مواجهة لنفسه.

وفي أثناء خسارته لجميع سلطاته على كل من حوله، لم يتبق له إلا أن يكون سلطوي على الزوجة وأن يتوهم إنها هي الشئ الوحيد الذي بقى له ليمارس عليه ما فقده، فإذ بها تثور هي الأخرى وتتطلب والدها للأخذ بها، ما كان له سوى أن يواجه سلطة جديدة تقف أمامه الند بالند، وهي سلطة والد منى، لذا ففعل التخلص منه جاء  حتى يكبح جماح سلطة تواجهه.

القتل نتاج لوضوح الرؤية

فيلم زوجة رجل مهم وفيلم البرئ

يمثل “والد الزوجة” الذي جاء كي يأخذ ابنته إلى منزله، الكاشف الأخير لحقيقة هشام أمام ذاته، ليكن رد فعل أبو الوفا هو نفسه رد فعل سبع الليل “فعل القتل” فبعد مرارهما بلحظات اختلال ومنها بوضوح في لحظات اكتشاف، لم يستطع أحد منهما أن يساير واقعه، ليتخلص سبع الليل من شرور الطاغية بالقتل، بينما يتخلص هشام من والد منى كأخر مواجه له في فقدان سلطته بالقتل أيضًا، ومن بعدها يلق أبو الوفا نفس مصير سبع الليل “القتل” قتله لنفسه، والفارق هنا أن سبع الليل لم يقتل نفسه لأنه ولأول مرة شعر بإنه قد فعل ما يرضي إنسانيته بينما قُتل على يد آخر، وفي المواجهة أبو الوفا يقتل نفسه لأن لحظة الاكتشاف عنده قد بلغت ذروتها وتيقن تمام اليقين إن سلطته لم تعد من جديد مهما حدث، لتحتم عليه فكرته الواحدة التي تتمثل في ربط حياته بالسلطة، أن يتخلص من تلك الصورة المشوشة التي يعيش بها، فهذه لم تكن هي نفس الصورة التي برع في تصميم هيئتها من شارب ونظارة شمس وبدلة وطريقة سير شامخة، بل صورة ضبابية علم الجميع حقيقتها حتى هو ذاته، وعندما وصل لذروة الاكتشاف لم يجد طريق سوى أن يتخلص منها.

الأشياء ليست كما تبدو وكذلك الأصدقاء

فيلم زوجة رجل مهم وفيلم البرئ أحمد زكي

صادق سبع الليل آله الناي التي صنعها بنفسه من القصب واصطحبه معه إلى الجيش، رغم علمه بالأوامر التي تمنع وجود آلة موسيقية معه، لكنه حرص على وجوده معه، ورافقه في عربة ذهابه للجيش وأثناء وقوفه على برج 3 للحراسة، حتى عندما شاهده زميله ورماه دون تفكير خوفًا منه، ظل على علم بمكانه، ووقتما أُتيحت له فرصة استرجاعه صادقه من جديد وظل معه حتى أخر لحظة بعد قتله لكافة ضباط المعتقل، فبعد قتله لهم مباشرة بات يعزف عليه حتى قُتل، وظل وهو ينازع أنفاسه الأخيرة يحاول أن يمسكه حتى لقى حتفه فوقع الناي في كادر ذو طابع خاص على الرمل مع سلاحه الذي قتل الجميع به ممزوج كل منهما بدمائه.

فمن المتعارف عليه أن الناي هو آلة موسيقية شرقية تصدر نغمات حزينة، ليكون الناي هو خير معبر عما عجز سبع الليل في التعبير عنه، فكلما أحس بشعور يراوضه من الحزن والأسى على هؤلاء المعتقلين لم يجد سوى الناي بنغماته الحزينة ليعبر عما يجيش بصدره ولا يفهم معناه، حتى اللحظة الأخيرة وعزفه بعد فعل القتل، فإذا جاء ذلك المشهد منفرد دون الخلفية السابقة له طوال أحداث الفيلم يحدث شتان بين الفعلين للمُشاهد، فأي نفس سوية تقتل ومن ثم تعزف نغمات موسيقية عذبة كهكذا!

بينما بالنظر في خلفية سبع الليل يتضح إنه لا صديق يشاركه لحظة انتصاره الوحيدة سوى نايه الحزين الذي شهد على كافة تقلبات نفسه ولحظات اختلاله وتلمس الحقيقة ومحاولاته الأخيرة في الحفاظ على آدميته.

أما عن  أبو الوفا فلا صديق له سوى المرآة، حيث تعتبر المرآة في ذلك الفيلم أحد الأبطال الرئيسيين، والعاكسة دائما لمدى فخر أبو الوفا بهيئته واهتمامه بتصفيف شعره وشاربه ومساواته والتدقيق في الوجه والتركيز مع كافة التفاصيل التي تتناسب مع مكانته.

ففي البداية كانت علاقتهما علاقة وطيدة بها اعتزاز وفخر بكل تفصيلة من حيث الشكل والهيئة، بينما في أثناء اصطدامه بكل المواجهين له وزيادة عددهم من حوله يجد أن حتى مرآته وصديقته الوحيدة أصبحت هي الأخرى مثلهم، فلم يعد يرى فيها ذاته كما أعتاد، ومنها يقوم بكسر مرآته العزيزة، فبعدما كانت عاكسة للواجهة السلطوية التي لم يريد أن يرى سواها، باتت تتحالف مع محاوطينه وأظهرت له ما يريد إخفاءه، ليكون التخلص من صديقته هو نتاج حتمي مُمهدًا لتخلصه من باقي الشخصيات المواجهة له تباعًا فيما بعد.

أحمد زكي: الغباء بين الوضوح والتخفي

فيلم البرئ أحمد زكي

كما تم الذكر  إن أحمد زكي قد حرس في لزمات سبع الليل أن يبرز غبائه الواضح في طريقة السير والضحك والنظرة، وعلى الصعيد الآخر شموخ أبو الوفا وارتفاع رأسه وأنفه مفتخرًا بذاته لأبعد الحدود.

ليكن غباء سبع الليل هو الواضح من الوهلة الأولى، بينما أبو الوفا يحتاج إلى وقت وتروي حتى تتلمس فيه غبائه، ولكن بعدما يتعرف كل منهما على الحقيقة كاملة، يصدر سبع الليل فعل الرفض ومنها للفهم ومنها يصدر رد فعل الدفاع عن صديقه ومنها لنهاية الفيلم يلقى حتفه نتيجة ردة فعله، وذلك يؤكد أن كل ما كان يحتاجه سبع الليل هو شخص واعي يوجهه نحو الحقيقة حتى يستطيع فيما بعد أن يصدر أفعاله بذاته، بينما أبو الوفا فكل أفعاله أثناء اختلال توازنه تؤكد على إنه معجب من داخله بغبائه ولا يريد تغير فكرته، وفعل قتله لذاته في النهاية دليل أكبر على تخطي غبائه درجة غباء سبع الليل الواضحة، وذلك بمقارنة رد الفعل.

ففعل التخلص من الطاغية يدل على فهم ومحاولة كاملة في التخلص من الغباء الذي لازمه واتهمه به الجميع، بينما فعل التخلص من الجميع ومن الذات ولأي شئ أو شخص يحاول أن يقول الحقيقة دليل قاطع على غباء مُختار عن عمد ولكن مُستتر داخل هيبة شامخة ورأس مرتفعة ونظارة شمس سوداء.

أسماء مخادعة في تكوينها مُتسقة مع شخصياتها

فيلم البرئ أحمد زكي

تكوّن اسم كل منهما من اسم منفرد ثم يليه اسم مركب يحمل دِلالة لكل شخصية، أحمد وهشام (سبع الليل، أبو الوفا)، يعتبر اسم سبع الليل هو اسم ينم عن الشجاعة المطلقة فالسبع ينتمي لفصيلة النمور أي حيوان مفترس والليل تدل على المطاردة والغموض، ليكن الاسم بأكمله دليل على الشجاعة اللامتناهية، يظهر في بداية الأمر إنها مفارقة مضحكة، فلم ينل سبع الليل من اسمه نصيب، ولكن مع مجئ النهاية يتضح أنه نال نصيبه كامل مُكمل فهو لم يخش أي شئ وتتبع إحساسه وفعل ما لم يقدر عليه أحد قبله وثار على نظام بأكمله بعد إدراكه الحقيقة، وكذلك اسم ابو الوفا الذي يدل على الوفاء والولاء، حيث شخصية هشام لم تكن إلا وفية في أساسها، فوفائه لا يحيد عن الفكرة التي نشأ عليها، وفاء كامل لحماية الوطن من وجهة نظره، وقبل وفائه للفكرة فهو وفي لذاته، ولا يقبل أن يحب أحد غيرها ولا يفضل أحد عليها، وفاء كامل لسلطته وهيبته وهيئته، لدرجة أطاحت به لقتل نفسه حين شعر أن وفائه لذاته سينقص عندما يراها ناقصة للسلطة، فكان جزاء الوفاء الانتحار بالرصاص.

أقرأ أيضًا: هل الإمبراطور أحمد زكي كان دائمًا إمبراطورًا حقًا؟

0

شاركنا رأيك حول "أحمد زكي في ذكرى رحيله: بين البرئ والرجل المهم ما هو قابل للنقاش"