هل عقد بوب ديلان صفقةً مع الشيطان على خطى فاوست؟ فنانون باعوا أرواحهم مقابل الفن!

لوحة بعنوان الشيطان ودكتور فاوستوس
4

يتخطى جمال الفن أحيانًا حدود تصور العقل البشري العادي، حتى يتعجب المتلقي ويشكك في قدرات الفنان، ويظن أنَّ قوى عليا لها يد في هذا الإبداع.

سمعنا كثيرًا عن قصة أقدم من أن نحسب عمرها، ولا يعلم أحد مدى صحتها، إن كانت مجرد أسطورة أم أنَّ هناك ما يدل على حدوثها.

الشيطان الذي يلتقي بشخص يطمح أن يصبح فنانًا لكنّه لا يعرف كيف يمهد الطريق لنفسه، ويعقد معه صفقة. يقول الشيطان لك كلّ ما تشاء من موهبة وإبداع يأسر العقول، ويتردد اسمك على ألسنة الجميع مدحًا، كلّ ما أريده في المقابل هو روحك.

ربما لم تكن صفقة فاوست فنيةً لكنّها القصة الأشهر، فاوست أراد علم غير محدود، والآخرون أرادوا موهبةً لا يخفت ضياؤها. نستعرض معكم أشهر النماذج الفنية في التاريخ التي قيل أنَّها عقدت هذه الصفقة مقابل فنهم.

بوب ديلان

بوب ديلان
بوب ديلان، شاعر ومؤلف موسيقي

تُمنح جائزة نوبل للآداب لعام 2016 لبوب ديلان؛ لأنَّه خلق تعبيرات شعرية جديدة ضمن التقليد العظيم للأغنية الأميركية”.

بهذه الكلمات أُعلن عن فوز بوب ديلان المطرب وكاتب الأغاني والملحن الأميركي بجائزة نوبل للآداب عام 2016، أرفع الجوائز العالمية وأعلى مرتبة شرفية يمكن أن ينالها شخص. قرارٌ أثارَ زوبعةً في الأوساط الأدبية، حيثُ أنَّها سابقة لم تحدث من قبل أن نال هذه الجائزة شخصية موسيقية، إذ كيف يمكن أن تُعتبر كتابة الأغاني بمثابة العمل الأدبي؟

لكن يبدو أنَّ ديلان تخطى حاجزا لم يتخطاه غيره، وأثبت قدرته الأدبية من خلال أغانيه، التي تربع بسببها على عرش النجاح لما يزيد عن خمسة عقود، أمَّا ما أثارَ جدلًا ما زال قائمًا حتى الآن، ولا تكاد  تبحث عن شيء يخص ديلان إلَّا وتجد هذا الأمر أمامك، هو الصفقة التي عقدها مع الشيطان ليحقق ما وصل إليه.

وخلال حوار أجراه ديلان عام 2004 مع برنامج 60 Minutes على قناة CBS الأميركية، وعندما سُئل عن جولاته الفنية، ولماذا ما زال يقوم بها، جاءت إجابته غريبةً بعض الشيء.

“-ديلان: يرجع الأمر إلى الشيء المسمى بالمصير، عقدتُ صفقةً معه منذ زمن طويل وما زلت موفيًا من جانبي.

*ماذا كانت تلك الصفقة؟

-أن أصل إلى ما أنا عليه الآن.

*مع من عقدت هذه الصفقة؟

-مع القائد الأعلى.

*على هذه الأرض؟

-على هذه الأرض وفي عالم لا يمكننا رؤيته”.

جاءت إجابة ديلان لتثير شكوك من يصدقون ما يسمى بعقد صفقات مع الشيطان، بينما اعتبرها آخرون مجرد تلاعب لفظي لا يدل على شيء. سواءً صدقتم هذا الأمر أم لا، نجاح ديلان وتفرده الموسيقي لا ينكره أحد، وموهبته حقًا تستوجب الدهشة والإعجاب.

روبرت جونسون

روبرت جونسون
روبرت جونسون، من رواد موسيقى البلوز

من أشهر القصص المتعلقة بفنانين باعوا أرواحهم للشيطان مقابل الموهبة الفنية، هي قصة مطرب البلوز وعازف الجيتار روبرت جونسون. قيل عنه: “أغانيه هي حجر الأساس التي قامت عليه موسيقى البلوز والروك”. ولد في ميسيسيبي عام 1911، كان جونسون مولعًا من الصغر بالموسيقى وخاصةً بالجيتار، كان يتجول بجيتاره دائمًا ويحاول العزف، قال Son House مطرب البلوز وعازف الجيتار عنه: “كان يتبعني أنا وويلي براون – مطرب بلوز أيضًا – في ليالي السبت، وفي كلّ مرة نتوقف عن العزف لنأخذ استراحةً كان يمسك الجيتار، ويبدأ بالعزف بشكلٍ أزعج الجميع، حتى أنَّهم كانوا يسألوننا لماذا لا نطلب منه التوقف عن هذا العزف المزعج؟

بعد ذلك فرَّ من منزل والديه وغاب لحوالي ثمانية أشهر، ثم عاد مجددًا ذات ليلة، وبعد أن انتهيت من العزف سألني إن كان يمكنه أن يجرب العزف، فأخبرته ألَّا يحاول إزعاج الناس مرةً أُخرى، فقال لي لا يهمني الناس أريدك أن تسمع ما تعلمته”. يقال أنَّه بعدما انتهى من العزف اندهش الجميع من قدرته على العزف بشكلٍ مختلف تمامًا. 

من هنا أتت قصة بيع جونسون روحه وكيف تمكّن من العزف ببراعة في هذه المدة القصيرة، ربما بدأ الأمر كنوع من التكهنات التي ليس لها أساس مادي، لكن أغنية جونسون Me and the Devil غذت هذه الأسطورة، إذ تحكي الأغنية عن الشيطان الذي أتى ليأخذ روحه، وأغلب أغانيه لها وقع شديد على الروح بسبب كلماتها وصوته المميز. حياة جونسون بالعموم لم تكن تفاصيلها واضحةً، حتى وفاته في السابعة والعشرين من العمر، ويقال أنَّ رجلًا غيورًا اكتشف علاقة جونسون بزوجته، فسمه ومات جونسون في أغسطس 1938.

يزخر تاريخ جونسون الموسيقي بـ 29 أغنية مسجلة، لكن هذه المسيرة القصيرة كان لها أكبر أثر في أجيال لاحقة. يقول كيث ريتشارد عضو فريق The Rolling Stones: “عندما سمعته للمرة الأولى، كنت أسمع أصوات جيتارين، استغرقني الأمر فترة طويلة لأكتشف أنَّه كان يعزف كلّ هذا بمفرده”.

تمَّ تكريم جونسون بوضعه ضمن فئة المؤثرين الأوائل في الصالة الفخرية للروك آند رول The Rock and Roll Hall of Fame عام 1986 في حفلها الأول، وتضمّنت قائمتهم 500 أغنية شكّلت موسيقى الروك أربعة من أغانيه.

جوسيبي تارتيني

جوسيبي تارتيني
جوسيبي تارتيني ولوحة تسرد قصة مقطوعة الشيطان

هذه ليست صفقة معتادة، لكنّها بدأت بحلم: “ذات ليلة حلمت أنّي عقدت صفقة مع الشيطان مقابل روحي، سارت الأمور تبعًا لرغباتي. ثم أعطيته الكمان الخاص بي لأرى إن كان يستطيع العزف، ولدهشتي سمعت مقطوعةً مذهلةً لم يصادفني مثلها من قبل، سحرتني ولم أستطع التنفس، فاستيقظت وفي الحال حاولت عزف ما سمعت مرةً أُخرى، وبالفعل كانت هذه المقطوعة من أفضل ما ألفت ونالت إعجاب الجماهير، لكنّها لا تضاهي ما سمعته في حلمي. لو كان بإمكاني الاستغناء عن الموسيقى لحطمت الكمان وهجرتها للأبد”.

تبعًا للقصص المتداولة، هذا ما قاله الملحن وعازف الكمان الإيطالي المنتمي للعصر الباروكي جوسيبى تارتيني عن أشهر مقطوعاته ”Devil’s Trill Sonata” التي لاقت نجاحًا واسعًا، لم تكن هذه المقطوعة وحدها هي ما خلدت اسم تارتيني بالطبع، لكن إسهاماته ما قبل المقطوعة في عالم الموسيقى وبالأخص آلة الكمان وتقنيات العزف عليها، وإسهاماته في علم الصوتيات واكتشافه لنغمة تمّ تسميتها Tartini tone.

كما أنَّه أسس مدرسة لتعليم الكمان، وكان قائد أوركسترا في Basilica of St. Anthony. مقطوعة الشيطان هذه ليست مقطوعةً عاديةً، أي مستمع هاوي يقدر الجمال والعذوبة، بإمكانه تمييز الطبقات المختلفة لهذا اللحن البديع، ولن يستطع مغالبة دموعه حينًا وحماسته حينًا، واستشعار القدرة الفنية المذهلة التي تطلبها تأليف وعزف هذا الكم من الإبداع الساحر.

بإمكانكم الاستمتاع بسماعها هنا، لتقرروا بأنفسكم إن كان هذا مجرد إبداع بشري أم أنَّه أتى من عالم لا ندركه.

نيكولو باغانيني

تقول القصة أنَّ والدة باجانيني راودها حلم يخص ابنها ونجاحه الموسيقي، ربما كان الحلمُ تأثرًا بحلم تارتيني كما ذكرنا سابقًا، رأت ابنها يقف على مسرح مشتعل ويعزف على الكمان غير متأثر بالنيران، ثم أتى ملاك فطلبت منه أن يصبح ابنها عازف كمان عظيم يُخلد اسمه بين العظماء.

وُلد باغانيني عام 1782 في جنوة – إيطاليا تعلَّم العزف منذ الصغر، قدّم أول عزف أمام العامة في عمر 12 عام تحت إشراف معلمه، ثم تعلَّم التأليف في السنوات التي تليها. عمل باجانيني كعازف كمان منفرد لسنوات عدّة حتى بدأ بالتجول في أوروبا، مكتسبًا شهرةً واسعةً وإطراء على أساليب العزف التي اتبعها خلال الحفلات العامة، وسرعته الفائقة في عزف النوتات، بالإضافة لقدرته على التجول على خشبة المسرح، وعدم احتياجه لقراءة النوتات الموسيقية لأنَّه يتذكرها بدقة.

موهبة باغانيني الفذة، هيئتهُ الطويلةُ النحيلةُ وعيناه الثاقبتان وحركاته على المسرح، وتجاربه الدائمة في تطويع الكمان تحت يده، كلّ هذا كان دائمًا يحفر في الأذهان ارتباط باجانيني بالشيطان، لا يمكن أن تكون موهبة بشرية عادية، لا بدَّ أنَّه باع روحه، أو بالأحرى قامت أمه بالصفقة بالنيابة عنه.

لكن قيل أنَّ باغانيني نفى شيطانية موهبته لاحقًا، لكنه أكَّد على ملائكيتها عندما زار الملاك أمه في المنام وبشّرها بنبوة نجاح ولدها. “السحر الذي مارسه على خيال مستمعيه كان قويًا لدرجة أنَّهم لم يقتنعوا بتفسير طبيعي، كلّ حكايات السحرة والأشباح جالت بأذهانهم، حاولوا شرح عزفه المذهل خلال حياته في محاولة لفهم عبقريته عن طريق سبر أغوار كلّ ما هو خارق للطبيعة، حتى أنَّهم اتهموه بأنَّه كرس روحه للشيطان. “هذا ما قاله فرانز ليست عبقري البيانو عن ملهمه باغانيني.

بإمكانكم الاستماع هنا لهذا الكونشرتو الذي ألّفه باغانيني، وتمَّ عزفه على آلة الكمان خاصته المسماة بالإيطالية “Il Cannone” وتعني المدفع، بواسطة العازف الإيطالي Massimo Quarta لإدراك جمال وكمال ما قدمه باغانيني للفن.

4

شاركنا رأيك حول "هل عقد بوب ديلان صفقةً مع الشيطان على خطى فاوست؟ فنانون باعوا أرواحهم مقابل الفن!"

أضف تعليقًا