فيلم The Meyerowitz Stories: ونواه بومباك يغرد مرةً أخرى خارج السرب

فيلم The Meyerowitz Stories
1

تقييم الفيلم: 

هل تساءَلت يومًا ما هي العلاقة الأكثر تعقيدًا في حياة الإنسان؟ هل هي الحب، أم الصداقة؟ الزواج أم الأخوة أم أم …؟

في رأي المتواضع تنطبق صفات العلاقة المعقدة على البنوة/ الأبوة بالضبط، ربما لأنّها العلاقة الوحيدة فيما سبق التي تمتلك قوة الدم، سائل الحياة الأهم لدى الإنسان، فمن رحم الأم ومن حيوان منوي شارد يتكون الجنين، الذي سريعًا ما يصبح كائنًا بشريًا يتربى في كنف هذين الأبوين.

في حياة مثالية سأحدثكم عن الشجرة الصغيرة التي تترعرع في رعاية أبوين حانيين، لكني هنا لا أنوي الكتابة عن قصص الأطفال، بل عن واقع ينص على أنّ كلًا من الأب والأم بشر، محملان باحتمالات لا تنتهي من العيوب الأرضية المعتادة، أنانية، وغيرة، غضب، وقصور في فهم الآخر، وغيرها وغيرها. نعم هذه العيوب تتقلص قدر الإمكان في علاقة البنوة ولكنها تظل موجودةً، وللأسف مع التقارب الشديد بين الأبناء ووالديهم يصبح لأقل فعل سيّئ آثار قد يصعب أن تمحوها السنين من الذاكرة.

فيلم The Meyerowitz Stories يتحدث عن هذه العلاقة المعقدة، أب وأبنائِه الذين كبروا هم أيضًا وأصبحوا مسؤولين عن جيل أصغر، فهل يستطيع الجميع بعد التجمع مرةً أخرى نسيان أخطاء الماضي؟ وما هو تأثيرها على هذا الجيل القادم في العائلة؟ كل هذا في نسيج من الدراما والكوميديا، يجمع بمنتهى السلاسة بين التعقيد والبساطة.

نواه بومباك وأبطال فيلم The Meyerowitz Stories

فيلم The Meyerowitz Stories من إنتاج 2017 كوميدي ودراما من إخراج وكتابة نواه بومباك، وبطولة آدم ساندلر وبن ستيللر وإيما تومبسون إليزابيث مارفل، وتم اختياره لينافس على السعفة الذهبية بمهرجان كان الماضي بالمسابقة الرسمية، وفاز بجائزة Palm Dog، وبدأ عرضه حصريًا على شبكة نتفيلكس في 13 من أكتوبر الماضي، وفي صالات عرض محدودة.

تدور أحداث الفيلم حول الجد هارولد “داستن هوفمان” الذي يعيش مع زوجته الجديدة مورين “إيما تومبسون” في منزله القديم بالمدينة، يزوره ابنه الأكبر داني “آدم ساندلر” المنفصل عن زوجته حديثًا ولا يوجد لديه مكان ليقيم فيه، فيدعوه والده ليقيم معه عدة أيام خلال غياب الزوجة في رحلة مع أصدقائِها، ويحلق بداني الابنة جين “إليزابيث مارفل” وهناك حديث دائر عن الأخ الثالث ماثيون “بن سيتللر”.

نتعرف على العائلة سريعًا، فالأب نحات ومدرّس فن سابق في الجامعة، لم يحصل على الشهرة الفنية المرجوة، وتقاعد، يعيش في منزله على بقايا أحلامه الضائعة، يتمنى دومًا لو كان أولاده ذوي ميول فنية مثله، ويظهر إحباطه بهم بكل أريحية، سواءٌ الابن داني الذي ترك عزف الموسيقى ليتفرغ لتربية ابنته طيلة 18 عامًا وحاليًا بدون عمل، والابنة جين التي تعمل في وظيفة كبيرة لكن يبدو واضحًا شخصيتها المضطربة، والابن الغائب ماثيو وهو ناجح للغاية في عمله، والذي يعتبر الابن المدلل لأبيه على الرغم من كل التعليقات السلبية التي يلقيها عليه كلما يرآه.

فيلم The Meyerowitz Stories

تتعرض هذه الأسرة لمحنة تجعلهم يتواجدون معًا في حجرة واحدة لأول مرة منذ سنوات، فنشاهد جذور كل واحد منهم المختلفة على الرغم من الأخوة الظاهرية التي تجمعهم، ونعرف من أين أتوا وإلى أين أصبحوا وتأثير والدهم عليهم.

تتميز أفلام نواه بومباك بنصوص دافئة مليئة بالأفكار التي تبدو من الخارج بسيطةً للغاية، ولكن في جوهرها فلسفية تناقش الكثير تفاصيل دقيقة في علاقتنا بأنفسنا ومن حولنا لم نتخيل أنّها موجودة، شاهدت له من قبل عدة أفلام أحبها إلى قلبي While we were young من بطولة بن ستيللر أيضًا، والذي تناول صراعين، صراع جيل نهاية الثلاثينيات مع نفسه بعدما حقق الكثير من أهدافه. لكن لازال لا يعرف كيف ستسير بقية حياته، وصراع هذا الجيل مع الأصغر الذي قد يبدو أهوجًا، ولكنه قد يعرف الطريق أكثر منه.

ادم ساندلر وداستن هوفمان فيلم The Meyerowitz Stories

وفي فيلم The Meyerowitz Stories تناول بومباك إشكاليةً أخرى، علاقة الأب بأبنائِه، وتأثير الفراشة المرعب في علاقة البنوة، فالأب المشغول بعمله متعدد الزيجات لم يعدل بين أبنائِه يومًا، اختار ماثيو ليعطيه كل اهتمامه وأهمل الاثنين الآخرين، ولكن هل هذه الاهتمام أنقذ ماثيو من الإحساس بالضياع والفجوة بينه وبين والده التي يشعر بها الآخران، أم أنّ الأب ارتكب الكثير من الأخطاء التي يصعب أن تمحيها السنين؟

عبر النص والسيناريو عن هموم الأخوة الثلاثة في مقابل هذا الأب الذي يحبونه ويكنون له احترام واهتمام على الرغم من كونه أبًا سيئًا بكل المقاييس، وناقش العديد من تفاصيل هذه العلاقة المعقدة التي جمعتهم به وجمعت بينهم وبين بعض كذلك بصورة رائعة يستحق عنها بومباه كل احترام.

قد يبدو من الخارج الفيلم هادئًا كل مشاهده تسير بإنسابية. يرجع الفضل لذلك للنص والإخراج بالتأكيد، ولكن أيضًا للأداء الممتاز الذي قدمه كل ممثل اشترك فيه، لم يتعثر أي مشهد بسب أداء مبالغ فيه من أبطاله، بل كانوا معًا كمعزوفة موسيقية هادئة ورائعة.

ادم ساندلر وبن ستيللر فيلم The Meyerowitz Stories

آدم ساندلر: أعتبر نفسي من كبار كارهي أدم ساندلر لم يعجبني تقريبًا أي من أفلامه، ولم أضحك يومًا على دعاباته، ولكن في هذا الفيلم هو يستحق كل التقريظ الذي حظي به، قدم ساندلر الأداء الأفضل في مسيرته الفنية.

المشهد الافتتاحي للفيلم يبدأ بأب وابنته الشابة في سيارة يبحثون عن مكان لوضع السيارة في الشارع المزدحم، يجد الأب صعوبةً كبيرةً في إيقاف سيارته بهذا المكان الضيق، وتلك الإشارة الأولى لماهية شخصية داني. ذلك، الابن الأكبر الذي لا يستطيع إيجاد لنفسه مكانًا في حياة والده الرحبة لأشياء أخرى مثل: الفن والتدريس والابن الثاني ماثيو، يعلم داني أنّ أباه مقصرًا معه ولكن يظل على إخلاصه له، ولا يستطيع أن ينطق لسانه بأي عبارة لوم له من البداية وحتى النهاية.

بن ستيللر: قدم بن ستيللر في السنوات السابقة عدة أفلام خرج بها من إطار أفلام الكوميديا إلى الدراما الخفيفة، وقد برع جدًا فيها، وأتى هذا الدور ليكمل هذه المسيرة، قدم ماثيو، الابن الناجح الذي يجب عليه تبرير نجاحه لوالده وأخويه طوال الوقت، ممزق بين أعماله وعائلته وابنه البعيد عنه بسبب الطلاق، لا يرغب في أن يصبح مثل والده مع أخوته، ولا يستطيع الخروج من عباءة هذا الأب الذي يضعه دومًا حتى المكيرسكوب.

داستن هوفمان: السهل الممتنع، لم يحاول إبهارنا، لم يقدم منولوجات طويلة، بدا لا مباليًا طوال الوقت، ليتسق مع هذا الأب المتمحور حول نفسه، ولا يرى نفسه سوى شمسًا تدور حولها كواكب، ونجوم تختلف أهميتها حسب رغبته فقط.

إيما تومبسون: زوجة الأب مورين، سكيرة خفيفة الظل بأكلالتها العجيبة، تمثل الزوجة المثالية لهذا الأب اللامبالي بأولاده، هي كذلك امرأة أنانية لا ترغب سوى في الهدوء والسعادة بمشروبها، تومبسون رغم صغر دورها إلّا أنّ أداءَها كان مثاليًا وجميلًا، وأضفت على المشاهد التي تظهر بها ألقًا.

إليزابيث مارفل: الأخت الأكثر تدميرًا نفسيًا جين، امرأة في منتصف العمر، ناجحة في عملها، منغلقة على روحها رغم خفة الظل التي تظهر منها من وقت لآخر بصورة لا مبالية، تسخر من الجميع في داخلها وأولهم ذاتها، ولكن لا تحسن التعبير عن نفسها، تعيش بداخلها فتاة مراهقة متضررة بشدة بجسد امرأة لا يناسبها.

في النهاية لو كنت من محبي أفلام نواه بومباك أنصحك بشدة بمشاهدة هذا الفيلم الذي يمثل خطوةً للأمام في مسيرته بالتأكيد، ولو لم تكن شاهدت أي من أفلام أيضًا أنصحك بالتعرف عليه لأول مرة في هذا الفيلم، ثم العودة لفيلم While we were young لتتعرف على هذا المخرج الذي يغني خارج السرب بالتأكيد. 

1

شاركنا رأيك حول "فيلم The Meyerowitz Stories: ونواه بومباك يغرد مرةً أخرى خارج السرب"