بين الدِّين والقانون: كيف عكس فيلم The Nun’s Story وفيلم Full Metal Jacket تعاليم المجتمع؟

0

“الإنسان مدني بطبعه” يقول ابن خلدون في مقدمته؛ أي أنه كائن اجتماعي لا يستطيع الاستغناء عن أمثاله ويحتاج إلى غيره لكي يحفظ حياته ويُؤمِّن رزقه؛ وبدون الاجتماع الإنساني لا يتم وجوده. ولكنه يضيف قائلًا: “بأنّ هذا الاجتماع إذا حصل للبشر فلا بد لهم من وازع يدفع بعضهم عن بعض لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم”، فالإنسان أيضًا كائن غريزي يحتاج إلى سلطة تضبط سلوكه الاجتماعي. وهكذا، مثلما طوّر الإنسان -باجتماعه مع غيره- آلية تحفظ بقاءه، طوّر المجتمع آلية تحكم العلاقات بين أفراده وتحفظ أمنه واستقراره الداخلي والخارجي.

فما هي آليات وأشكال ووسائل الضبط الاجتماعي؟ سنحاول في هذا المقال، الإجابة عن هذه التساؤلات وتقديم فهم أفضل لنظرية ابن خلدون بعيدًا عن سياقها التاريخي النظري وبطريقة فنية شيقة من خلال؛ فيلم The Nun’s story الذي أنتج عام 1959 ولعبت فيه أودري هيبورن دور غابرييل فان ديرمال الفتاة البلجيكية التي قررت أن تصبح راهبة. وفيلم Full Metal Jacket 1987 للمخرج ستانلي كوبريك، الذي تدور أحداثه حول تدريبات المجندين الجدد في قوّات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) استعدادًا لمشاركتهم في حرب فييتنام.

كيف يضبط المجتمع سلوك أفراده؟

“إنّ الاجتماع للبشر ضروري ولا بد لهم في الاجتماع من وازع حاكم يرجعون إليه وحكمه فيهم إمّا يستند إلى شرع منزل من عند الله أو إلى سياسة عقلية” يؤكد ابن خلدون -بقوله هذا- أنّ الأساس الحقيقي والفعلي الذي يقوم عليه الضّبط الاجتماعي هو الدّين والقانون. وذلك لارتباطهما الوثيق بفكرتي الثواب والعقاب؛ فنصوصهما الواضحة والصّريحة والعادلة هي التي تحتم على الأفراد الامتثال لها والعمل بها.

أمّا الوسائل والأساليب والآليات التي يستعملها المجتمع ليضبط سلوك أفراده ويحقق سلطته عليهم؛ فتتمثل في الإقناع تارة والقهر تارة أخرى.

فالضَّبط المُقنِع يعتمد بالأساس على قبول وخضوع الفرد للسُّلطة الضَّابطة طواعيةً؛ مدفوعًا بحاجته إلى الاجتماع مع غيره لحفظ بقائه، وسّد حاجاته وتحقيق مصالحه الشخصية. ولكن الانتماء إلى الجماعة يتطلب من الإنسان أن يفقد شخصيته ويتخلى عن فرديته ويتقمص شخصية الجماعة، ويلتزم بقيمها وقوانينها الموضوعة أساسًا لكبح رغباته وحاجاته الفردية.

ولأنَّ حفظ وحدة ووجود الجماعة أهم، يتم تأسيس قواسم وسِمات مشتركة بين أعضائها تقضي على أي مظهر من مظاهر الاختلاف؛ فالاختلاف يوّلد الصّراع ويُعرّض الفرد للنبذ والإبعاد والاحتقار. بينما التشابه يعزز شعوره بالانتماء ويحفظ مكانته داخل الجماعة. وهكذا، يَسهل فرض السّلطة عندما يكون الجميع متشابهون ومتماثلون ولن يحتاج الأمر لأكثر من بعض الإرشاد والتوجيه.

“نحن نقدم حريتنا، إرادتنا وذاكرتنا للرّب، ونطلب منه أن يقبلنا في هذه الجماعة”

تبدو هذه الآلية واضحة جلية في فيلم The Nun’s Story فمنذ أن قررت غابرييل الانتقال من كونها فتاة عادية إلى راهبة، وهي تقدم تضحيات وتنازلات تجردها من فرديتها أكثر فأكثر.

بدءا بارتدائها للزيّ الموّحد للراهبات وتخليها عن ممتلكاتها، انفصالها عن عائلتها وأصدقائها وكل ما يربطها بحياتها السابقة كذكرياتها وشعرها واسمها الحقيقي. وصولًا إلى تلقيها تعليمات عن موعد الاستيقاظ، وطريقة المشي في الممرات وضرورة تجنب الاحتكاك والمحادثات الجانبية مع باقي الراهبات. وانتهاءً بخضوعها لتدريبات واختبارات تكسبها الفضائل؛ تعلّمها الإحسان والتواضع والطّاعة وتخلّصها من حب الذات والشهوات.

بينما آلية الضّبط القهري تعتمد على القوة والقسر؛ و تمارسها الجماعة لتمنع أفرادها من اقتراف سلوك ينافي قيمها وقوانينها أوعند رفضهم -من الأساس- الامتثال لها، حيث يتم فيها تحقيق السّلطة الضابطة بالقوة والإجبار، التهديد والعقاب.

“تذكري دائمًا بأنه يمكنك أن تخدعي أخواتك، ولكن لا يمكنك أبدًا أن تخدعي نفسك أو الرب”

وهي تَظهر من خلال أسلوب “الراّهبات المعلّمات” وطريقة حديثهن مع “الرّاهبات المبتدئات”، التي تمزج بين الترغيب والترهيب، الحب والتهديد. حيث تم ربط صوت الجرس بصوت الرّب؛ لذللك يجب عليهن -عند سماعه- تلبية النداء وإظهار الطّاعة التامة له. كما تم حثهن على التكفير عن ذنوبهن بتدوينها في دفتر صغير أو الاعتراف بها أمام باقي الرّاهبات؛ فالخضوع يأتي من تحطيم الكبرياء، وأي شك في هذا هو طعن في التعاليم المقدّسة، لأنّ الراهبة المثالية هي التي يدفعها حبها اللامشروط للرّب، إلى طاعة أوامره دون تذمر أو تساؤل.

“تضع شعار “ولدت لأقتل” على خوذتك وترتدي دبوس رمز السلام على سترتك! ما معنى هذا هل هو نوع من المزاح المختل؟! أجبني وإلاّ سأعرضك على محاكمة عسكرية.. امتثل لمبادئ الجيش وانضم للفرقة للتقدم نحو نصر عظيم، فكل ما أطلبه من قوّاتي هو الطاعة التامة لأوامري كما لو أنهم يطيعون تعاليم الله”

لا يختلف الأمر كثيرًا في فيلم Full Metal jacket من ارتداء المجندين الجدد لزيّ موّحد، وحصولهم على قصة شعر موّحدة، ومنحهم أسماء مستعارة بدل أسمائهم الحقيقية. إلى وقوفهم ومشيهم في صفوف، وحرمانهم من تبادل أطراف الحديث، وتحديد موعد نومهم واستيقاظهم. فلا يهم من هم أو من أين أتوا أو ماهي أفكارهم وخلفياتهم الثقافية والاجتماعية لأنهم مجرد سلاح تستخدمه المنظومة العسكرية لتعزز قوتها وتفرض سلطتها؛ بإشعارهم بمدى أهيمتهم لهذه المنظومة تارة، وانعدامها تارة أخرى. ويظهر ذلك من خلال؛ إخضاعهم لتدريبات قاسية، وتعريضهم للضرب والإهانة والعقاب عند مخالفتهم للأوامر أو عن طريق ربط حياتهم وقيمتهم بالسّلاح والواجب الوطني المقدّس الذي يؤدونه.

أفضل أفلام أودري هيبورن؛ فراشة هوليود الفاتنة

بين ضمير “الراهبة” وضمير “الجوكر

يعتقد ابن خلدون بأنّ الضّبط الاجتماعي إمّا أن يكون خارجيًا يتحقق عن طريق القانون، وإمّا داخليًا يتحقق عن طريق الدّين، وإمّا أن يكون ضبطًا اختياريًا يأتي عن طريق الضمير.

ونقصد بالضمير هنا؛ قدرة الإنسان على إصدار أحكام تقيمية على سلوكه وأفعاله، وهو يرتبط بمفاهيم كالخطأ والصواب، الخير والشر، ومشاعر كالأسف والندم السعادة والرضى. ويشكّل جزءًا من هويتنا الذاتية التي كوّنها المجتمع بداخلنا وألزمنا اتباعها حتى عندما نكون بمفردنا بعيدًا عن أعين قوى الضّبط والرقابة.

“لقد كانت هناك أوقات تساءلت فيها عن أيّهما أهم بالنسبة لي؛ ضميري أو التعاليم المقدسة”

في فيلم The Nun’s Story برزت الأخت لوك كمثال للتفرد والتميز؛ فلم تستطع أن تخضع خضوعًا تامًا للتعاليم المقدّسة، وكانت دائما تتأخر على القدّاس بعد سماعها للجرس، وتتلصص على الرّاهبات أثناء الصلاة، تقطع الصّمت العظيم، وتفتخر بوالدها الطبيب الشهير وبذكائها وتفوقها، حتى أنها كانت تسجل ذنوبها على الدفتر بقلم أبقته من حياتها السّابقة! ليس هذا فحسب؛ بل دخولها للرهبنة من الأساس كان سببه دنيويًا، نابعًا من رغبتها في أن تصبح ممرضة جيدة، لتسافر إلى الكونغو لمساعدة المرضى هناك، آملة بذلك أن تكون كالأم تيريزا.

“أنا أدين نفسي”

لكن تفردها كان سببًا في شقائها، وشعورها الدائم بالذنب الناتج عن عدم قدرتها على الطّاعة، وخرقها الدائم للقوانين، شعورها بالكبرياء والفخر عند نجاحها أو الإحباط والخيبة عند فشلها في أمردنيوي؛ وبسبب هذه المشاعر المتناقضة عاشت في صراع داخلي ومعاناة كان لا بد من وضع حدٍ نهائي لها.

وفي فيلم Full Metal Jacket برز الجوكر كنموذج للهوية الفردية؛ التي أظهرها بسخريته واستخفافه بتعاليم المنظومة العسكرية ومواجهته للضابط المسؤول، ثم جسّدها باختياره لأن يكون مراسلًا حربيًا بدل جندي مقاتل.

لكن الاختبار الحقيقي لفردية الراهبة والجوكر جاء عن طريق الضمير؛ فالضمير الاختياري هو الشي الذي نفعله أو نلجأ إليه عندما نوضع في اختبار حقيقي لكل ماتم تعليمنا إيّاه من قِبل الجماعة. وكلاهما تم اختباره عن طريق الحرب، فالأخت لوك اتخذت قرارها بالتخلي عن الرهبنة والدير بعد وفاة والدها في الحرب وعدم قدرتها على مسامحة من قتلوه “أنا منافقة..أرتدي صليب المسيح على قلب مليء بالكراهية” والجوكر اختار في نهاية المطاف أن يقتل ليبقى على قيد الحياة “أنا سعيد لأني حيٌّ معافى، صحيح أني في حالة يرثى لها ولكني مازلت على قيد الحياة ولا أشعر بالخوف”.

فالفرق بين ضمير الراهبة وضمير الجوكر هو فرق بين الخطيئة والجريمة. فالخطيئة ترتبط بمسؤولية الإنسان أمام ربه والجريمة تتحدد فيها المسؤولية أمام القانون، وهذا ما يفسر قسوة الأخت لوك على نفسها وعدم قدرتها على الاستمرار في الرهبنة ويفسر في المقابل ارتياح وتجاوز الجوكر لقتله المرأة الجريحة لأنّ القتل في حالة الحرب أمرضروري ومقبول ولا يترتب عليه أي عقاب.

وفي النهاية قام كل منهما بفعل ما هو صائب بالنسبة له؛ لندرك من خلال كل ما سبق بأنّ التعاليم التي يحرص المجتمع على غرسها في الإنسان -بالقهر أو الإقناع- لاتخلصه من فردانيته بل تكبتها لتعاود الظهور بشكل واضح كلما واجه اختبارًا حقيقيًا يهدد بقاءه.

من السبعينيات وحتى 2019: أكثر من أربعين مُسلسل عن الحرب العالمية

0

شاركنا رأيك حول "بين الدِّين والقانون: كيف عكس فيلم The Nun’s Story وفيلم Full Metal Jacket تعاليم المجتمع؟"