فيلم The Post: عندما يلعب سبلبيرج بكل الأوراق الرابحة

بوستر فيلم The Post
3
تقييم الفيلم

ستيفن سبلبيرج ليس فقط واحدًا من أشهر وأنجح المخرجين في هوليود، ولكن كذلك من أذكاهم وأكثرهم موهبةً، ففي السبعينيات عند بداية مسيرته الفنية، كانت الموجة السائدة والقوية هي تقدير سينما المؤلف والتي تميل للذاتية، فقرر هو أن يثبت نفسه بأفلام تشويق وإثارة تعتمد على المؤثرات البصرية والأفكار الخيالية، مثل: الفك المفترس، ولقاءات قريبة من النوع الثالث، وET، ولكن استطاع أن يحول هذا النوع من الأفلام لسينما شخصية تمامًا فيقدم هواجسه وآلامه النفسية من خلالها.

وفيلم The Post دليل على شدة ذكاء سبلبيرج، فقد قرر اللعب بكل الأوراق الرابحة، طاقم تمثيل يضم قطبين من أشهر ممثلي هوليود توم هانكس وميريل ستريب، وقصة تلعب على وترين حساسين: الأول الهجوم على المؤسسات السياسية الأمريكية، وهو أمر يلاقي كل الترحيب الآن مع رئاسة ترامب، والتركيز على شخصية نسائية رائدة في الصحافة الأمريكية، ووجودها في حد ذاته في ذلك الوقت سبق كبير، في إيماءة واضحة للحركة النسوية القوية هذه الأيام بهوليود.

ميريل ستريب و توم هانكس فيلم The Post

تدور أحداث الفيلم في أروقة الصحافة في السبعينيات، حيث حرب فيتنام لازال الحديث عنها مشتعلًا، خاصةً بعد تسريب وثائق هامة دُوّنت فيها أسرارٌ كثيرةٌ تم التعمية عليها من قبل الحكومات المتتالية، وتنافس التايمز والواشنطن بوست على نشر هذه الوثائق مع حرب ضروس من قبل الحكومة على عدم نشرها بالطبع.

الشخصيتين الأساسيتين في الواشنطن بوست: كاي جراهام “ميريل ستريب“، وارثة الجريدة بعد انتحار زوجها الذي ورث الجريدة عن والدها مباشرةً، فقد كان من غير المنطقي أو المعقول أن تقوم امرأة بهذا الدور، ولكن غياب وراثين آخرين جعل العبء يقع على عاتقها لتصارع طوال الفيلم شكوك الآخرين – وشكوكها هي شخصيًا – في نفسها وخوفها الدائم من كونها ليس لديها المقومات الكافية لأداء وظيفتها بالصورة الصحيحة.

أمّا الشخصية الثانية فهي بن برادلي “توم هانكس” المسؤول عن تحرير الجريدة، لديه رغبتان متصارعتان بين نشر الوثائق وتحقيق السبق الصحفي وكتابه اسم جريدته واسمه بالطبع في تاريخ الصحافة، وتدفعه للتراجع علاقة الصداقة السابقة التي جمعته مع الرئيس الراحل كيندي، والذي تدينه بعض من هذه الأوراق.

شارك في كتابة الفيلم جوش سينجر صاحب فيلم Spotlight عام 2015، الذي أيضًا كان يدور في عالم الصحافة حول عملية فضح الإيذاء الجنسي الذي يتعرض له الأطفال من القساوسة، ويعاني فيلم The Post من ذات عيب الفيلم الذي يسبقه وهو الإيقاع البطيء الذي يفقد المشاهد متعته، بل يجعله تائهًا يبحث عما يتابعه ويتحمس له، وقد ظهر هذا بشدة في النصف الأول من الفيلم، لكن استطاع سبلبيرج بث الكثير من الحياة في النصف الثاني، خاصةً مع التصاعد الدرامي للأحداث، وتألّق ميريل ستريب.

فيلم Spotlight … بقعة نور في عتمة السكوت

فيلم The Post

ولكن ذلك لم يمنع أن تكون نقطة ضعف الفيلم الرئيسية هي النص المترهل، والمباشرة الشديدة في الخطاب، سواءً عند الحديث عن حرية الصحافة وأهميتها وقوتها، أو دور رئيسية تحرير الواشنطن بوست كاي جراهام، كأول سيدة تستلم منصب بهذه الأهمية، والتحديات التي تمر بها كسيدة، لنجد لدينا مشهدين متتالين يتم فيهما تكرار ذات الكلام تقريبًا: الأول بين بين برادلي “توم هانكس” وزوجته توني “سارة بولسون”، والثاني بين كاي “ميريل ستريب” وابنتها، وكان من الممكن حذف الأول تمامًا؛ لأنّه بالإضافة لكونه سيتم تكراره فهو كذلك لم يكن مبررًا دراميًا تمامًا.

توم هانكس وميريل ستريب فيلم The Post

وبعد مشاهدة الفيلم لم أتشكك في قرار الجولدن جلوب بعدم إعطاء أي جائزة له من الجوائز المرشحة، وأتوقع المثل في البافتا والأوسكار، فعلى الرغم من تمكن ستريب الشديد من دورها وتعقيده، إلّا أنّها وتوم هانكس لم يستطيعا منافسة أعظم أدوارهما السابقة، كانا ممتازين بالتأكيد لكن ليس لدرجة إذهال أي من المشاهد أو لجنة التحكيم.

أمّا عن الإخراج فبالرغم من أنّ سلبيرج هو من أنقذ الفيلم من سقوط مدوي، إلّا أنّه لم يقدم ما يستحق سوى الترشح للأوسكار، وليس الفوز بها بأي حال من الأحوال.

فيلم فيلم The Post

استطاع سبلبيرج استخدام الأوراق الرابحة التي ذكرتها في البداية ببراعة، فقام بالتركيز على سقطات الرئيس السابق نيكسون وغيره من الرؤساء المتورطين في حرب فيتنام، في إشارة واضحة لدونالد ترامب، مع التركيز على دعابات ومقارنات ذكية تجعل المشاهد لا ينسى الغرض الأساسي من الفيلم تقريبًا طوال الأحداث، وأيضًا تم التركيز على شخصية كاي جراهام سواءً ضمن رسم الشخصيات حيث كانت هي الأكثر تعقيدًا وتطورًا أو من حيث التصوير، ففي كل مشهد لستريب كنا نشاهد حركة كاميرا مختلفة سواءً قريبة منها لإبراز مشاعر الخوف والقلق على ملامحها حينًا، أو الحركة الدائرية من الأعلى في المشاهد التي ينتابها فيها الحيرة والتمزق ما بين القرارات الحتمية التي يجب أن تقوم بها في الحال.

أمّا عن اللقطات الأكثر إبهارًا وإثارةً للحماس في تلك التي رصدت عملية النشر، وتجميع الكلمات، وظهور الجريدة، حيث تابعت الكاميرا حركة آلات الطبع بصورة ممتازة خاصةً مع موسيقى جون ويليامز التي كانت في أفضل صورها بهذه الأجزاء.

وفيلم The Post هو الفيلم الثاني هذا العام الذي يركز على سقطات الرئيس السابق نيكسون السياسية، بعد فيلم Mark Felt بطولة ليام نيسون الذي قدم فضيحة ووترجيت الشهيرة، ومحاولة الرئيس ورجاله إيقاف التحقيقات الفيدرالية، واستخدام مارك فليت أحد أعمدة الـ FBI الصحافة أيضًا في جعل الأمر قضية رأي عام، ما تسبب في سقوط نيكسون في النهاية، وقضية ووتر جيت تم الإشارة إليها في نهاية فيلم سبلبيرج بصورة عابرة فقط، كما لو أنّ 2017 عام التذكرة بفضائح نيسكون انتظارًا لكارثة ترامب القادمة التي ستطيح به في النهاية، كما يتمنى العديد من الأمريكيون.

في النهاية لو كنت راهنت على أنّ فيلم The Post سيصبح أفضل أفلام 2017، وأيقونة السينما القادمة بسبب ثقل أسماء أبطاله أو مخرجه الفنية، فيؤسفني أن أخبرك أنّك خسرت الرهان، فبعد كل شيء هو ليس سوى فيلم جيد، قد تخرج منه محبطًا لو كانت توقعاتك عاليةً.

3

شاركنا رأيك حول "فيلم The Post: عندما يلعب سبلبيرج بكل الأوراق الرابحة"