0

تجمّل هذا العالم منذ زمن طويل بقبل عمر بن أبي ربيعة التي صارت قصائد تدرس في المدارس وبحركات تحية كاريوكا التي صرنا نحاول تقليدها بوعي أو دون وعي في الحفلات الراقصة. بالرغم من هذا، بات للفن اليوم أسوارٌ وبوابات محكمة الإغلاق وحرّاس وأمنيون يطهرونه ويضمنون مطابقته لمعايير هم أدرى بها وصار هاني شاكر رئيس فرقة الضباط تلك وحامي حمى الموسيقى في بلد عاش بالفن وللفن منذ قديم الزمان. فما الذي يحدث اليوم؟ وهل كنّا سنعيش دون أفلام هند رستم ودون غزل بن أبي ربيعة ودون سهرٍ وسمرٍ، إن خُلِق الكون ليجد هاني شاكر نقيبًا للفنانين؟

نقيب الفنانين المصريين هاني شاكر وخطابه السلطوي:

شهد المشهد الفني المصري منذ مدة تزامنًا مع انتخاب هاني شاكر على رأس نقابة الموسيقيين حملة رقابة شعواء لم يشهدها من قبل حتى كنا بالكاد نسمع عن أخبارٍ عالمية بين صور نقيب الموسيقيين المصري وصرخات غضبه واتهاماته المتتالية للآخرين. اختلفت المقالات الصحفية كالعادة في هذا الشأن وبين مؤيدٍ ومعارض لهذه السياسة القمعية في نظر البعض والضرورية بالنسبة للبقية، أصدر هاني شاكر أحكامه على ثلة من المغنين الشعبيين، ساحبًا منهم رخصهم في العمل ومدافعًا عن هذه السلطوية بفكرة تطهير المجال الفني والسمو به. لم يتوقف هذا النقيب عن العمل بهذه السياسة منذ استلامه هذا المنصب وظل يدافع عنها بعنهجية وجفاء ويمد المصريين بقوائم وأسماء لن يسمح لها بالغناء في مصر مجددًا.

تطورت المسألة وبلغ السيل الزُبى حين رد هاني شاكر على تغيير مطرب المهرجانات عمر كمال كوبلييه من أغنيته “بنت الجيران” في حفلة قدمها في السعودية وعلى إرجاعه هذا التغيير لاعتبار السعودية أرضًا طاهرةً قائلًا: “مصر وطن مُقدس ومُصان، عرفت التوحيد قبل الأديان، واستأمن الأنبياء على أرضها فكانت لهم ملاذًا وأمانًا، وأنارت للعالم مصابيح العلوم والفنون فاستنار، حتى جاء بعض أبنائها الذين عاقوها فحاولوا إهانتها فى كلامهم بقصد أو بغير قصد، لكن مصر لا تُهان”.

وقد تمادى في رده ليرجع هذا التغيير في الكلمات من تغيير بسيط قال عنه صاحبه أنه مزاح إلى مسألة قداسة ووطنية وأمن قوميٍّ داعيًا المواطنين للالتفاف حول هذا الموقف الذي لم يكن ليصوغه مع كوكب الشرق حين غنّت “الخلاعة والدلاعة مذهبي” ولا مع فنانين آخرين قد ينسى معهم قداسة وطنه ويترك خطابه الشعبوي ليرقص على وقع كلماتهم وقبلاتهم ويشرب من كؤوس لوعاتهم وضحكاتهم.

أعمالٌ لم يكن لهاني شاكر أن يمنعها:

المقدس عندي ليس ضرورة مقدسًا عندك فهي مسألة نسبية وذاتية لا تلزم أحدًا غيرنا، وإن قلت إن مصر مقدسة فقد يرد الآخر أن وطنه مقدس أيضًا ويقول ثالث أن الوطن عمومًا مقدس ثم أجيء لأدافع عن فكرة تقول بأن الإنسان هو المقدس الوحيد وبأنه لا وجود لمقدسات خارجنا وخارج إنسانيتنا. من الطبيعي أن تختلف بيننا مفاهيم مثل مفهوم المقدس والفن ولكن لا يجب أن ينتج هذا الاختلاف رقابة وقمعًا وتصنيفًا حسب الذائقة الفردية وعملًا بصلاحيات منصب ما وهذا ما فعله باختصار شديد هاني شاكر في مصر. لكنّ ماذا كان ليفعل مع فنانين صاروا اليوم أيقونات بالرغم من عدم استجابتهم لمعاييره وتصنيفاته؟ أَكان سيمنعهم أم كان سيجلس في آخر المسرح ويصفق لهم؟ 

الخلاعة والدلاعة – أم كلثوم

نتحدّث عن كوكب الشرق، عن العظيمة “أم كلثوم” ونبدأ حديثنا بالإشارة إلى أغنية لم تعرف كثيرًا وهي “الخلاعة والدلاعة مذهبي”. تقول كلمات هذه الأغنية:

“الخلاعة والدلاعة مذهبي
من زمان أهوى صفاها والنبي
لما يخطر حبي عندي بمشيته
تلقى قلبي له يميل من فرحته
شوف دلاله والا قده وطلعته
تفرح القلب يا ناس كده والنبي
غاب وجاني شوفت نوره وبهجته
والفؤاد ينطرب من فرحته
والزمان قام انتشى من طلعته
تفرح القلب يا ناس
كده والنبي”

كتب هذه الأغنية “يونس القاضي” وهو شاعر لا يمكن أن تضعه في خانة واحدة فقد راوح بين كتابة الشعر الإباحي الذي غناه عبد اللطيف البنا ثم منيرة المهدية وبين الشعر الوطني فكتب النشيد الوطني المصري. لم تعجب هذه الأغنية جماهير الست ولكنها لم تُمسح ولم تكن سببًا في إيقافها عن الطرب. كما لم تمنعها من الظهور واعتلاء المسرح ولم تفرض على الرقابة في ذلك الوقت إيقاف آلهة الغناء عن الغناء وسحب رخصة العمل منها أو حتى تهديدها وتوجيه قضايا واتهاماتٍ لها.

إلى جانب أم كلثوم، نتذكر مأمون المليجي صاحب الكلمات والمعاني الجريئة والقوية التي حولها من ألحان وقصائد إلى رسائل للنضال في الحب ومن أجل الوطن ونجد أنه بالرغم من المضايقات السياسية، لم تواجهه الرقابة الفنية بالمنع والصد. نستحضر في هذا السياق أغنية جميلة، نحمد الله أن هاني شاكر لم يكن نقيبًا للموسيقيين حين رأت النور، هي أغنية “افتحي الفستان” التي كتبها ولحنها هذا الفنان المصري.

ويبقى السؤال مطروحًا، أكان هاني شاكر سيقاضي الشيخ إمام بتهمة اللاوطنية وتحريض الشعب ضد السلطة وزياد الرحباني بتهمة السخرية المفرطة وهند رستم بتهمة وضع الحشيش في كأس قهوة ذاك الشاب الوسيم في فيلم الأخ الكبير؟ أم كان وما زال معجبًا بكل هؤلاء؟

ما من معنى للفن خارج إطار التحرر من كل القيود والسلط والرقابات وما من وعي دون المراكمة وبعيدًا عن خوض التجربة والانفتاح على المختلف مهما كان ما يقدمه وما يتبناه من أفكار ومبادئ. رأي هاني شاكر صواب يحتمل الخطأ ورأيي خطأ يحتمل الصواب ولكنّ الرقابة والمنع والقمع ليست آراءً بل ممارسات تخسرنا كل ما قدمناه في سبيل النهوض بحسّنا الفني والإنساني.

0

شاركنا رأيك حول "“الخلاعة والدلاعة مذهبي”.. هل كانت رقابة هاني شاكر ستقف أمام أغاني أم كلثوم؟"