0

بسبب الصورة النمطية عن الثقافة والمثقفين يُعتقد أن عملية التحليل والنقد الفني معقدة للغاية ومتقصرة على فئة معينة من المتخصصين، وفي الأغلب تكّون في ذهنك حاليا صورة عقلية عن هؤلاء “المثقفين” عبارة عن أشخاص يتحدثون بالعربية الفصحى يرتدون نظارات سميكة ويجتمعون في نوادي قراء ويتحدثون عن النظريات الأدبية وعلم الأنطولوجيا وما شابه. وبالرغم من الصدق النسبي لهذه الصوره، إلا أن الاتجاه الحديث في العلوم حاليا بشكل عام هو التبسيط، وكذلك يمكن التبسيط للقارئ غير المتخصص النظريات التحليلية والنقدية للفن بل ربطها بأحداث يوميه في حياته لا يتوقع وجود علاقة من الأساس. سنحاول في هذا المقال تبسيط أساسيات “النظرية النسوية في النقد” من خلال تطبيقها على أغاني الراب التي اكتسبت شهرة وانتشار كبير مؤخراً، هيا بنا عزيزي القارئ نتجول سوياُ في بعض المصطلحات النسوية المبسطة.

البداية من إشكالية المصطلح، ماذا يعني الفن النسوي؟

إذا أردت المدرسة النسوية النظر لأي نوع من أنواع الفنون – وليكن الراب مثلا- سيتم تقسيمه إلى جزئين، إنتاج نسوي و كتابات نقدية نسوي. وقبل التفرقة بين النوعين هيا نرجع خطوة سابقة عنهم ونوضح بداية الحركة النسوية في النقد. مع بداية حركة تحرير المرأة في القرن العشرين اهتمت النسويات بنقد أنواع الفنون وبالأخص الأدب الذي كان مقتصراً على الذكور، من خلال تحليل الأفكار الأساسية التي يناقشها العمل وكيف تؤكد/ تلغي أفكار معادية للمرأة وحقوقها. ومن ثم أنتقل هذا النوع النقدي الجديد لكافة أنواع الفنون الأخرى. ويمكن تلخصياً تعريف النقد النسوي على أنه “تفكيك وتحليل عناصر العمل الفني في إطارها الثقافي للكشف عن أليات العمل في تنميط/ تحسين صورة المرأة”

رجوعاً مرة آخرى لنوعين الراب من المنظور النسوي، أما عن جزء الإنتاج فيمكن تعريفه بأنه كل ما يتم إنتاجه في الراب من السيدات وهل يخدم قضية نسوية بشكل أو أخر. أما عن جزء النقد فمختص بتحليل ونقد أي راب بأسس النظرية النسوية في النقد -سواء كان منتج هذا العمل ذكر أو أنثى- وبالأخص الأعمال التي تتطرق لمواضيع تخص المرأة. وعلى خطى النسويات القدامى سيتم تناول الراب في الوطن العربي من نفس المنظورين وتطبيق النقد النسوي عليهم، أولا سيتم رصد شكل إنتاج الراب من السيدات في الوطن العربي وشكل المواضيع التي يتناولنها. وثانياً  سيتم رصد شكل المرأة في الراب العربي وكيف تم التعرض لها و وصفها.

Tendresse

كيف تعبر المرأة عن نفسها من خلال الراب

في البداية إذا كنت من غير المتابعين للراب و واجهت أي مشكلة في فهم أي مصطلح من المصطلحات الآتيه أو التعرف على أي شخصية ممن سيتم ذكرهم برجاء مراجعة المقال الخاص بمصطلحات الراب المنشور سابقا، وكذلك المقال الخاص ب بدايات الراب وصعوده كذلك. أما بعد يمكن تقسيم الراب العربي إلى ثلاثة مشاهد أساسية؛ سين بلاد المغرب العربي، سين بلاد الشام والخليج العربي والسين المصري . كلاً منهم له وزنه ونجاحه، وبين “البيفات” و “الفيتات” بينهم تستمر العلاقة والنجاح المشترك. كذلك سيتم تناول الرابرز الإناث في الوطن العربي وفقاً لنفس التقسيم. ولكن في البداية دعني أوضح لك عزيزي القارئ مدى صعوبة مشاركتهم في غناء الراب، فأولاً وبسبب المجتمع الذكوري الموجود في أغلب -وإن لم يكن كل- بلاد الوطن العربي فإن تقبل المواطن العربي لفكرة غناء بنت للراب صعبة وأحيانا مستحيلة بالتالي تفقد المغنية جزء مهم من رحلتها الفنية وهو تقدير الجمهور. ويترتب عليه ابتعاد شركات الإنتاج عنهم بالتالي تفقد الإمداد المادي، وأخيراً إذا وجد بالصدفة جمهور يستمع وشركات إنتاج تضخ الأموال فإن المواضيع التي يمكن للإناث مناقشتها في الراب محدودة ولا تحظى بنفس الحرية التي تتاح للذكر، ناهيك عن عواقب منع الأهل وتحكمهم في قرارات الإناث بشكل كبير مما يؤثر بشكل عام على مشاركتهم في الراب. لذلك فإن إنتاج أغنية واحدة ذات جودة جيدة في ظل تلك الظروف يعد نجاح كبير.

  • سين بلاد المغرب: 

من المعروف عن مشهد الراب في بلاد المغرب العربي انه من أقدم وأقوى مشاهد الراب في الوطن العربي بدون تفسير واضح لذلك لكن يعد هذا السين أكثرهم وصولا للعالمية. بناء عليه يكثر به انتشار مغنيات الراب مع تقديم محتوى قوي وهادف قادر على المنافسة في مجال اشتهر بكونه مجال ذكوري من الطراز الأول. ومنهم الرابر Tendresse the one مواليد 1987 من المغرب التي تشتهر أغانيها بالواقعية والسخرية المتعلقة بسلبيات المجتمع المغربي في التعامل مع الانثى.

أما عن الجزائر فمن المغنيات المشهورات هناك هي Raja Meziane ويعد أسلوبها في الإداء من أقوى الرابرز السين كما تمتاز بمواضيعها التي تخص المرأة بشكل عام والمشاكل الإجتماعية والسياسية بشكل عام.

وفي تونس منذ عامين تقريبا ظهرت فتاة تسمى F.b.k صغيرة في السن ولكن مع ذلك المحتوى الذي تقدمه مميز وقوي سواء على مستوى المواضيع أو الأداء أو الموسيقى نفسها.

  • سين بلاد الشام والخليج العربي: 

يعد هذا السين من اقوى المشاهد في مغنيات الراب، ويرجع ذلك لعدة أسباب منها أولاً المواضيع القوية فمن رحم معاناة المرأة هناك سواء بسبب الحروب أو النزاعات القومية داخل البلد أو حتى تحكم النظام الأبوي هناك فيتم إنتاج مواضيع قوية تناقش قضايا المرأة بشكل ممتاز. فمثلا في السعودية وبعد إصدار قرار إجازة القيادة للسيدات احتفلت ليسا بأغنية بعنوان ” سقنا 10/10 تحسبني امزح” يظهر بها سعادتها بالحصول على حقوق بسيطة مثل إعادة تعبئة البنزين واستخدام مرايات السيارة.

ومن فلسطين تألقت الرابر صفاء حتحور بأغنية عام 2019 بعنوان “تتحرش فيها ليه؟” تناقش قضية التحرش وإلقاء اللوم على الضحية بسبب ملابسها وما شابه من أفكار ساعدت في زيادة معدلات التحرش. ولم تكسر صفاء القواعد في الموضوع فقط ولكن كذلك في شكلها في الفيديو سواء في الملابس أو لون شعرها و المكياج الخاص بها.

أما عن الأم الروحية في مجال الرابر بالنسبة للبنات فهي مليكة من لبنان، تعتبر من أقدم البنات وإن لم تكن أقدمهم فهي في المجال منذ 11 عام تقريبا. تهتم مليكة بقضايا المرأة بشكل في خاص وقضايا لبنان والوطن العربي بشكل عام. وتعمل دائما على الرفع من مستواها وتهتم بتقديم “فيتات” رابرز مهمين مثل أم سي أمين وبوكلثوم.

 

  • السين المصري: 

هل صادفت من قبل تريند وأفيه “ارجعي على المطبخ”؟ إذا رأيت هذا الهراء من قبل فمبروك أنت متابع جيد للأفكار الذكورية في المجتمع المصري. بكل الأسف لا يوجد في السين المصري فتيات مغنيات راب بنفس قوة باقى المشاهد في الوطن العربي، وبالتأكيد يرجع ذلك إلى انتشار أفكار مثل تلك. ولكن مع ذلك لا يمكن إنكار محاولات بعضهن التي أجهضت سواء بسبب سخرية الجمهور أو ابتعاد شركات الإنتاج عنهم. ومنهم “يوكا شاهين” من الإسكندرية التي اشتهرت ما بين عام 2014 :2016 بسبب بيف بينها وبين يوسف جوكر. ولكن هاجرت يوكا إلى الدنمارك وأصبحت تقدم محتوى باللغة الإنجليزية. وأخر تراك لها بالعربية كان في 2019 بعنوان بعد النص الليل.

ومن الفتيات الحديثة في السين المصري هي بيري: انضمت حديثا في 2020 وتقدم محتوى يظهر فيه التطور والتقدم باستمرار، ولكن حتى الآن لم تقدم أغانيها أي موضوعات تخص المرأة وقضاياها في مصر

أبو الأنوار

صورة المرأة في الراب العربي، نماذج متنوعة

أما عن المرأة في الراب، وبما أن بطبيعة الحال أن الفن يعكس صورة ما من المجتمع ويعبر عن أفكارها بل ويستخدم ألفاظها كذلك. بالتابعية الراب كذلك يعكس جزء من المجتمع وبالأخص يعكس مجتمع وأراء الشباب، ويستخدم ألفاظهم. فنجد في منتشر في معظم أغاني الراب أفكار و تعبيرات معينة يمكن اعتبارها معادية للمرأة نرصد بعض منها فيما يلي:

  • أبو الأنوار– “الجامد” دائماً: تقول الأسطورة أنك إذا استمعت لعشرة أغاني لأبو الأنوار بشكل عشوائي غالبا ستجد في ثمانية منهم هناك فتاة أو اثنتان تقعان في حبه ويريدان مواعدته ولكنه لا يبالي بهما، بالإضافة إلى أنه يمكن في طرفة عين أن يسلبك “صحبتك”. فـ وفقاً أيضا للأسطورة قوة أبو الأنوار الساحرة تجعل حبيبة أي من أعدائه تقع في حبه وتتخلى عن حبيبها لأجله. الحقيقة أنها أسطورته مجربه بالفعل، أنا شخصيا جربت سماع عشرة أغاني من أغانيه وفي ثمانية منهم وجدت بالفعل تلك الفتاة. ومن كلمات إحدى أغانيه:

“فهمت حاجة ولا لسه ؟ … أي بنت بتموت فيها تلاقي إني فاكسها

إزازة جاية بكيسها .. إزازة هتونسنا

الشهرة جاية راكبة إس سكس وحالفه مش هتسيبنا

عادي مهما نزلنا طلعنا أنا وبنتين وشيطان رابعنا

بوست الأولى كانت طعمة قامت التانيه قالتلي اشمعنى”

وفي أغنيته الآخرى “غلبة” لا يمكن فعليا حصر عدد البارات التي تتمحور حول فتاة ما يتم استغلالها لتوضيح إلى أي مدى لا يمكن مقاومة جاذبيته.

عزيزي أبو الأنوار، إذا كنت تريد التعبير عن مدى قوتك و “جمدانك” فيستحسن البعد عن المرأة و استخدامها كعنصر فقط لتوضيح مقدار روعتك، فـ تأكيدك المستمر على هذا الأمر يساعد في ترسيخ وتأكيد أفكار معادية للمرأة عند الشباب، كما يساعد في عملية تشيئ المرأة كجزء من محاولة إثبات قوة الرجل، وهي بالتأكيد أفكار غير مقبولة في القرن الحادي والعشرين.   

 

  • إستخدم المرأة دائما للإهانة: هل أنت رابر وفي خضام “فيت” مع أحدهم وفشلت في وجود أي سقطات معينة في خصمك وشعرت أنك حُشرت في زاوية ولا تستطيع الفرار؟ الحل بسيط وسهل للغاية، عليك فقط استخدام المرأة أو اعضائها الجنسية أو طبيعة جسدها البيولوجية (مثل الدورة الشهرية) لوصف خصمك وهكذا -في قانون الراب- تكون ضربته في مقتل.  

مرة أخرى اعزائي مغني الراب في الوطن العربي أجمع، وصف أحدهم بأنه يشبه النساء ليس سبه إطلاقاً، وصف أحدهم بالأعضاء الجنسية للمرأة أو طبيعتها البيولوجي شىء غير مهين تمام ولا يجوز وضعه في تلك الخانة، لأن تلك الطبيعة البيولوجية وتلك الأعضاء سبب أساسي في وجودك في الدنيا، ناهيك عن أن من رباك واعتنى بك حتى تصل لهذا السن وتستطيع المنافسة مع أقرانك هي إمراة. فـ نرجوكم أن تخرجوا السيدات من خلافتكم الشخصية.

 

  • إعلان بيريل- الرجولة بشكل إيجابي: في عام 2015 صدر أغنية ل واي كرو فاميلي تحت عنوان قوم فكر ضمن حملة شركة بيريل بعنوان “انشف يا ابني”. يبدأ الإعلان ب شابان (شاهين وعمر بوفلوط)  يساعدان فتاة تعطلت سيارتها، يغضب شاهين بسبب معاكسة أحدهم للفتاة ومن ثم تدور أحداث الأغنية في نطاق وعظي للشباب بأن “يسترجلوا” ومن كلمات الأغنية:

“مش كفاية تكون ذكر وبس

لازم تبقى راجل

لو بنت عدت جنبك

وحد بيزاولها

استرجل واشرب بيريل

وتقلب عنتر وتساندها”

بادرة لطيفة تساعد في نشر ثقافة معادية للتحرش، بغض النظر عن تنميط صورة الذكر بشكل واحد إلا أنه وفي الأخير لم يتم تصدير أي صور معادية للمرأة في الأغنية.

هذا وبالإضافة إلى حادثة شهيرة لرابر متوسط الشهرة يتحرش ب بنات مراهقات مستغلا شهرته مما أدى إلى تبرأ الصفحات الداعمه لسين الراب منه، الغريب إنه لم يعتذر ولا يبرر موقفه ولكن عبر عن طريق وسائل التواصل الإجتماعي أنه لا يري أي مشكلة فيما فعل. والحق يقال أن موقف مشهد الراب منه مشرف حتى إنه أعلن بعضهم عن مقاطعة أي تعاون بينهم.

من المؤكد أنه من ضمن سمات الراب والهيب هوب بشكل عام التعبير عن أفكار الشارع بكل جرائتها وعنفها بشكل واضح دون تجميل أو رقابة، ولكن بكل تأكيد هذا ليس مبرر لعرض وترويج أفكار معادية للمرأة في مجتمعات ذكورية في الأساس تتعرض فيها المرأة لأنواع مختلفة من التمييز السلبي. بالإضافة لاختلاف مكانة الراب حالياً عما قبل، فوجوده وبشكل كبير في وسائل الإعلام الرسمية والشبه رسمية يوجب عليه انتقاء المواضيع والألفاظ التي يطرحها بالأخص أن جمهوره من الشباب الصغيرة الذي يتشكل وعيه.

 

0

شاركنا رأيك حول "في يوم المرأة العالمي، أين الراب العربي من الأغنية النسوية؟"