لماذا يكره العرب صور مهرجانات السينما لكن يتابعونها باستمرار؟
0

مهرجانات السينما على مستوى العالم تكون مساحة مفتوحة لعرض كل ما هو جديد في عالم الفن مجملًا، وليس السينما فحسب. فبجانب عرض أفلام بمختلف التصنيفات والشرائح الفنية، هناك أيضًا إطلالات فريدة جدًا للفنانين والفنانات على السجادة الحمراء الأثيرة. فمع الوقت باتت تُعرض أفلام متنوعة، وكذلك أزياء متنوعة. وبناء عليه أصبحت مهرجانات الفن بمثابة فرص لا تفوت للصحفيين ليتكالبوا عليها من كل حدبٍ وصوب، فقط لالتقاط بعض الصور وعمل بعض اللقاءات الصحفية هنا وهناك.

التغطيات بالطبع تُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي في وقتها، وتشعل الميديا بتريند خلف تريند. لكن الجمهور العربي تحديدًا يُشعل التريند بالسخرية والتسفيه في معظم الأحيان. وهذا ما يدفع للتساؤل، إذا كان الجمهور يكره إطلالات المهرجانات السينمائية إلى هذا الحد، لماذا يتابعها باستمرار ويخلق منها (تريند) في كل مرة؟ لماذا لا يترك ما يكرهه ليموت مثلًا؟

هذا هو محور حديث اليوم.

نظرة عامة على مهرجانات السينما

هذه الأيام مهرجان الجونة السينمائي بجمهورية مصر العربية، هو الاسم الأكثر ترددًا على الساحة الفنية، وكذلك ساحة السوشيال ميديا، وأحد أبرز مهرجانات السينما مجملًا هذه الأيام. ودائمًا وأبدًا ينقسم الناس بين مؤيد ومعارض. المؤيد يمدح الإطلالات الممتازة للفنانين على الريد كاربت، والمعارض يطعن فيهم بأكثر من شكل. إما يطعن في اختيار الألوان والتصميمات، أو الوقفات بحد ذاتها أثناء التقاط الكاميرا للصورة. وهذا ما يثير الاهتمام فعلًا، لماذا أصبحت الأمور الشخصية مدعاة للتدخل وطرح الرأي من الأساس؟ كيف تحول الملبس من شيء لا يُعنى به أحد إلا صاحبه نفسه، إلى شيء يُعنى به الجميع فجأة؟ بل وينكلون صاحبه بالسباب والتجريح باستمرار؟

في الواقع هذه أسئلة لن نجد لها إجابة، لكونها مرتبطة بأكثر من جانب عقائدي ومجتمعي في البلدان العربية عمومًا. لكن الذي فعلًا يمكن الإجابة عليه، هو: لماذا يستمر العربي في متابعة ما يكرهه؟

نظرة خاصة على العرب

إذا نظرنا جيدًا للواقع العربي من حولنا، سنجد أنه مليء بالكثير من العوامل التي تجعل الشخص منا محبوسًا في منزله، حتى قبل جائحة كورونا. دائمًا ما نريد إثبات أنفسنا للناس بأي شكل، هؤلاء الناس الذين لا يرضون إلا بآلية تفكير معينة خالية تمامًا من المنطق. فسرعان ما نحاول نيل رضاهم بجعل أفعالنا كذلك خالية من المنطق، ومحتوية على كل ما هو غير موضوعي وغير محايد، بل ويسبب الأذى للآخرين في بعض الأحيان. هذا يفسر كل أفعال التسفيه والسباب التي نراها كل يوم، وفي كل مكان، في الواقع، وفي السويشال ميديا. وهنا تأتي مهرجانات السينما للتنفيس عن تلك الرغبات المكبوتة والملحة للشعور بالأهمية.

كما أن السوشيال ميديا ألغت طغيان ردود أرض الواقع، حيث أنه إذا سبَبت أحدهم على الإنترنت، أقصى ما قد يفعله الآخر هو رد السباب، أو تجاهلك بالكامل، وهذا لن يسبب لك أذى بقدر ما سببت له. على عكس الردود الواقعية التي تكون فيها تعبيرات الغضب والحنق والاستحقار كلها بادية على الوجه، ولها تأثير نفسي مباشر على الشخص المؤذي. وبسبب هذا الأمر تحديدًا، نجد أنه لا يوجد رقيب أو حسيب على الإنسان بداخل فقاعة الإنترنت سوى الضمير، والذي اختار بنفسه تنحيته جانبًا، فببساطة لن يردعه شيء عن إيذاء الآخرين بنقرات على لوحات المفاتيح من خلف الشاشات.

 مهرجانات السينما - إطلالات مهرجان الجونة 2020 - أحمد السقا وزوجته

إذًا بالرغم من كره العربي لمهرجانات السينما وإطلالات مهرجانات السينما، فهو يشعر بقيمة إرضاء الآخرين بوجودها والطعن فيها بشكلٍ ما، وهذا هو ربما المبرر الوحيد الذي قد يدفع أحدهم لملاحقة ما يكره بهذا الشكل. حيث أن الإنسان دائمًا ما يبتعد عن الذي يؤرقه، وهذا بهدف الحصول على حياة أسعد وأهدأ، مما يساعده على التركيز في الأشياء الأهم بالنسبة له.

لكن من الناحية الأخرى نفس الإنسان يسعى لنبش الجرح الذي لم يلتأم بعد، ربما لوسواس قهري يُجبره على فعل هذا باستمرار، وبدون فائدة حقيقية مرجوّة منه بأي شكلٍ من الأشكال، نفس الأمر ينطبق على حديث اليوم. مهما بحثنا عن تبريرات لما يحدث على الميديا وقت ظهور أي مهرجان على الساحة، في الأغلب لن نصل لإجابة منطقية 100%، فهناك جزء غامض في عقلية الجمهور العربي، يستعصي فهمه على أساتذة علم النفس حتى.

إعمال مبدأ الحرية في مجتمع منغلق

في الأوطان العربية، الحرية مسألة شائكة بكل المقاييس. وهذا يرجع لعدم اعتداد أغلب المجتمعات العربية بالأحكام المدنية، فالسائدة هي الأحكام العرفية، والتي تكون مستقاة إما من العقيدة التي يتنقها أغلبة الشعب، أو العادات والتقاليد المتوارثة جيلًا خلف جيل، دون نقد أو تفنيد. فبالتالي إذا قرر أحدهم ممارسة حريته المدنية وسط مجتمع لا يعتد بكونها حقوقًا دستورية من الأساس، ستكون حياته جحيمًا بنسبة كبيرة. وهنا نعود مرة أخرى إلى أن فقاعة الإنترنت التي ترفع عن الناس العقاب المادي والمعنوي، هذا بدون شك يدفعهم أكثر للمارسة العنصرية على الحريات.

الريد كاربت واجهة الموضة، فبدلًا من عروض الأزياء التي لا تلتفت إليها الميديا بنسبة كبيرة؛ مهرجانات السينما هي الواجهة الأنسب لعرض ما يستجد من تصميمات. فيمكن لأحدهم أو إحداهنّ اختيار تصميم معين لأحد فناني الريد كاربت، ثم يشرع في البحث عن المصمم، وبشكلٍ ما يتواصل معه ويبتاع تصميمه المميز.

 مهرجانات السينما - إطلالات مهرجان الجونة 2020 - شيرين رضا

وفي الأغلب المصممون لا يهتمون بآراء المجتمعات الشرقية، لذلك يصنعون الأزياء حسب رؤيتهم الإبداعية، والتي تتماشى مع خطوط الموضة العالمية. وبالطبع العرب نظرًا لرؤيتهم الانغلاقية بخصوص الملبس، فنجد نسبة كبيرة منهم كارهة للأزياء المعروضة في المهرجانات، وأقربها مهرجان الجونة السينمائي 2020.

هناك من سخر وتنمر على الفنانات لمجرد أن فساتينهم مزركشة بطريقة مبهجة بعض الشيء، أو مفتوحة في مناطق ومغلقة في مناطق أخرى، أو حتى كونها واسعة جدًا في بعض الأحيان. وهناك من قال أن الفستان هذا لا يليق بعمر الفنانة، وأنها كان يجب أن تعتزل وتجلس بالمنزل لتفعل ما ينفع أسرتها بدلًا من الفن. أيضًا الفنانين لم يسلموا من التنمر، فعلقوا على ملابسهم (الرسمية) لكونها تقليدية للغاية، أو منفرة للغاية. فلن يتفق الناس على احترام الآخر، لكن للأسف يتفقون على إهانته عبر الطعن في حريته المكفولة من قبل الدستور في الأساس.

لماذا؟

لكون الإنسان يسعى لنيل رضا أقرانه، حتى يُصبغ بألوانهم، ويصير محبوبًا من قبلهم، ومنبوذًا من الآخرين. حلقة كراهية لن تنتهي، ومحاولة يائسة من الإنسان للشعور بالأهمية، في مجتمع لا يُعتبر أفراده معيارًا لأخلاقية الأفعال من الأساس.

أقرأ أيضًا: متحف الدحيح: كيف يحكي أحمد الغندور التاريخ في زمن السوشيال ميديا؟

0

شاركنا رأيك حول "لماذا يكره العرب صور مهرجانات السينما لكن يتابعونها باستمرار؟"