وجوه كثيرة عبرت تاريخ الدراما السورية مضيفة لها بصماتها الفنية الخاصة بكل منها، إلّا أن بعضها تميز بما قدمه من موهبة عظيمة جعلت نجاحاته متوالية عامًا بعد عام. كالشخصية التي سأحدثك عنها اليوم، وهي من أبهرتنا بما لديها على مدى نصف قرنٍ من العطاء الفني، حتى أصبحت علمًا من أعلام الدراما السورية التي نفتخر بها أينما حل اسم الفن والفنانين السوريين.. إنهُ ياسر العظمة بطل مسلسل مرايا وصاحب الصوت المميز والحس الفكاهي العالي الذي أمتعنا به في كل مرة ظهر فيها على الشاشة.

فلا تزال رنة صوته في آذاننا وهو يردد عباراته الفريدة في كل شخصية من شخصيات مسلسل مرايا التي مثلها وأبدع بها، إضافةً لحركات جسده الملفتة للنظر الآتية من إمكانية عالية في استخدام لغة الجسد ببراعة مدهشة للمشاهد، وغيرها كثير من الصفات التي جعلته فنانًا ترفع له القبعة أينما وجد. وعلى الرغم من غيابه المتكرر وندرة ظهوره الفني والإعلامي إلا أنه يستحق هذه اللفتة المتواضعة التي سأوضح فيها أهم مجريات حياة هذه الأسطورة الفنية.

عن بدايات ياسر العظمة الفنية أتحدث

ياسر محمد العظمة فنان سوري من مواليد العاصمة دمشق في عام 1942، وهو خريج كلية الآداب في جامعة دمشق، لكن حبه وشغفه بالفن، وامتلاكه لأدوات الممثل الناجح شجعاه على دخول هذا العالم من أوسع ابوابه تاركًا وراءه كل ما تعلمه في دراسته الجامعية. كانت بداياته في المسرح من خلال مسرحية (شيخ المنافقين) وذلك في عام 1963، لتتوالى بعدها مشاركاته ضمن مسرحياتٍ عديدة مثل (طرطوف) و(الخاطبة)، بالإضافة إلى مسرحية (التنين)، وقد اشتهر بعملين مسرحيين كوميديين ناقدين وهما (ضيعة تشرين) و (غربة) حيث شاركه التمثيل نخبة من النجوم الكبار مثل نهاد قلعي ودريد لحام.

أمّا عن انتقاله إلى المسلسلات التلفزيونية فكان له عدة مشاركات أولها مسلسل (بريمو) في عام 1973، لتتوالى بعدها أدواره ضمن أعمالٍ دراميةٍ مختلفة إلى جانب ممثلين كثر، ولكن نتيجة لامتلاكه موهبة الكتابة أيضًا فقد أبى أن يترك الفن دون إنجاز يعلق في أذهان الجميع، هذا الإنجاز الذي ما زال يذكر حتى يومنا هذا، ألا وهو سلسلة (مرايا). أما على صعيد السينما فلم يكن له سوى عمل يتيم وهو فيلم (الرجل الأخير)، كما كانت له تجربة في التقديم من خلال برنامج تصحيح اللغة أبجد هوز.

ماذا عن مسلسل المرايا لياسر العظمة؟

بعد قراءتك لما سبق من المؤكد أنك عدت بذاكرتك إلى مرايا، ذلك العمل الشهير الذي ارتبط باسم ياسر العظمة، فلا يستطيع أحدٌ ذكر اسمه دون أن تخطر في باله المرايا التي صنعها بفنه لتعكس لنا ما يحدث ضمن المجتمع السوري من قصص وحكايات يومية مع مختلف طبقات المجتمع، إضافةً لحكايات مأخوذة عن روايات عالمية وأدبية تحمل معها العبرة والموعظة للمشاهد. ولكونه إنسان عاشقٌ للكوميديا الناقدة فقد اختارها لعمله حينما ألفه فجعله ذا طابع كوميدي ناقد معتمد على كوميديا الموقف. وبدأ عرض الجزء الأول من هذا العمل في عام 1984 ليستمر بعدها في تأليف بقية الأجزاء على مدار السنوات وحتى عام 2013، مقدمًا بذلك 17 جزءًا يحمل غالبيتها اسم مرايا والسنة التي عرض فيها.

وبهذا يكون الفنان المخضرم ياسر العظمة قد قدم عبر مرايا إنتاجًا كوميديًا توعويًا لامس به تفاصيل حياة السوريين بطريقة يصعب على غيرهم فهمها، إلّا أن ذلك لم يمنع من انتشاره في الأوساط العربية. ويعتقد أن المميز في هذا العمل هو عدم اعتماده على القصص المبتذلة كالخيانة الزوجية والمخدرات والعصابات المنظمة، أيضًا تصويره لشخصياتٍ تراها في أبسط وأفقر الأزقة والحارات لتروي قصة معبرة بأداءٍ بارع يضحكك ويبكيك في نفس اللحظة، والتي لم تحتجْ منه سوى قليل من المكياج واللباس الخاص، كشخصية (أبو كعكة) التي تحكي قصة رجلٍ ذي شعرٍ أشعث وثياب ممزقة يدور في الأزقة حاملًا في رقبته كعكة لها قصة معينة. كما أنه تميز في تحدثه بكل اللهجات بل واخترع لهجات جديدة أيضًا خاصة بالدور الذي يؤديه، فلم نشهد يومًا حوارًا كاملًا متناغمًا ينتهي بكلماتٍ على وزنٍ واحد إلا في حلقات مسلسل مرايا، هذا إن دل على شيء فهو براعة الكاتب العظيم باللغة العربية.

نهاية المرايا وغياب صانعها عن الشاشة

استمر ياسر العظمة في إنتاج مسلسل مرايا حتى بعد بداية الأزمة في سوريا فكان له جزءٌ جديدٌ عام 2011، وتلاه بعامين مرايا 2013، الذي أعلن بعده انتهاء هذه السلسلة الضخمة نتيجة اشتداد الحرب في سوريا وانتقاله للعيش خارج البلاد، ليغيب بذلك عن الشاشة دون نشر أي أخبار عنه، مما جعل الساحة متاحة أمام الشائعات التي طالت عمله، حيث انتشرت أخبار حول نية ياسر العظمة في إنتاج جزءٍ جديدٍ من المرايا باللهجة الليبية، إلا أن ابنه أنور نفى الخبر جملةً وتفصيلًا طالبًا من الجمهور متابعة صفحته الرسمية الوحيدة على الفيس بوك التي تنشر أخباره الحقيقية فقط.

عودة ياسر العظمة مجددًا

نتيجة لكثرة متابعيه ومطالبتهم برؤيته مجددًا عبر الشاشة، عاد الفنان الكبير عبر قناته الرسمية على اليوتيوب بإنتاج جديدٍ خاص به وبأدائه المميز، فكانت أولى حلقاته قصيدة بعنوان (إن رضيت دمشق) وهي قصيدة عاطفية حملت دلالات رمزية حول الكوارث التي يعيشها المجتمع السوري من آثار الحرب والفقر. ولم يستطع أحدهم معرفة خططه المستقبلية لعدم ظهوره الإعلامي، فبالكاد وافق على إجراء مقابلتين طيلة مسيرته الفنية، ليمتنع بعد ذلك عن الظهور في أي لقاءاتٍ أخرى، فكان جوابه الدائم لمن يطلب مقابلته، إنه لا ينوي تغيير خطته المتمثلة بابتعاده عن أي ظهور إعلامي، وإن المقابلتين اللتين أجراهما منذ أكثر من 40 عامًا كافيتان بالنسبة له.

عودة ياسر العظمة بمسلسل السنونو لم تكن بالمستوى المطلوب

كما لكل حصان كبوة فإن لكل فنانٍ سهوة أيضًا، ويعد عمله الأخير مسلسل (السنونو) بمثابة السهوة لديه حاله كحال بقية الفنانين، فقد جاء هذا العمل مخيبًا للآمال بعد اعتقاد جمهوره ومحبيه أنه سيحقق عودة جميلةً لياسر العظمة ترجعنا إلى أيام المرايا، لكونه هو المؤلف وصاحب دور البطولة، لكن أتت الأصداء بعكس ما هو متوقع فما إن عرضت أولى حلقات العمل، حتى انهالت عليه الانتقادات ضمن جميع وسائل التواصل الاجتماعي فلم يكن بالمستوى المطلوب بل عدَّه الأغلبية عملًا مملًا ذا حلقاتٍ قصيرةٍ المدة لم تتجاوز الـ 25 دقيقة، كذلك نقده البعض بوجود حوارات باللغة الإنجليزية دون ظهور ترجمة على الشاشة، مع ظهور ممثلين جدد ومن بلدانٍ مختلفة بمستوى أداءٍ ضعيفٍ لا يقارن بأداء العظمة إطلاقًا.

ويعتقد أيضًا أن السنونو قد وقع في فخ المقارنة مع مسلسل مرايا الذي كان أكثر واقعية وحرفية، مما جعله في مستوى أقل، أما قصته فتتكلم عن سفينة يملكها (عوني) وهي الشخصية التي أداها ياسر العظمة، وتسافر هذه السفينة نحو عدد من البلدان مرورًا بمحطات عدة لكل محطة قصتها الخاصة ووجوهها التي تظهر فيها، وقد عرض هذا العمل في عام 2021 دون تحقيقه لأي شهرة كما كان مطلوبًا منه، ليعود بعده الفنان ياسر العظمة إلى الاختفاء دون تعليق منه على ما جرى.

مع ذلك لن نستطيع إنكار مسيرة نجاحاته الفنية التي استمرت لما يقارب نصف قرنٍ، فسيئة واحدة لا يمكنها أن تمحو جبلًا من الحسنات، لهذا السبب ما زلنا على أمل عودته مجددًا بمزيد من الإبداع والفن إن كان على صعيد الكتابة أو التمثيل أيضًا.

اقرأ أيضًا: ياسر العظمة ومراياه.. 19 موسماً من الإبداع والكوميديا وذكاء الطرح