أحبها تلك البلاد حتى في دمارها الأخير!

غربة
0

حوار يدور أمام ناظري عبر الانترنت بين اثنين من أشقائي: الاول يدافع عن سياسة الحكومة الألمانية والآخر يدافع عن موطنه الذي أصبح اليوم أبديًّا فرنسا، خصومة اندلعت بين الشقيقين تجاه سياستي دولتين ليستا بالأصل بلدهما، أسكت وأنا أبتلع بقايا حديث ما لم يُقال فيه أكثر بكثير مما قيل!

مشهد آخر على غرائبيته لكني ربطته بالأول، شذرات الذاكرة والدماغ والعواطف التي لا تحتاج مبررًا لتربط أمور ببعضها فقد يكفي الإيحاء أحيانًا بالخلاصة، كان المشهد بدخولي دائرة حكومية لأنجز معاملة حكومية يُفترض بها أن تكلفني مبلغًا زهيدًا، فأخرج بعد يومين شاقين للغاية بتكاليف بلغت ثلاثة أضعاف معاشي الحكومي وثياب لا يصلح مرتديها سوى للنقع حرفيًّا بماء مكلور للتخلص من رائحة التبغ والبول وتدافع البشر الذي غص بها المكان، أما الشتائم، فقد استحضرت تلك التي سكنت أعمق صفحات هذا القاموس، مع سخط يلازمني منذ سنوات كثيرة أبحث عبره عن ذيل بتّ مقتنعًا للغاية أني لم أبلغ نهايته بعد.

أعيش على تراب هذه البلاد الذي لم أنكره يومًأ، لكنه أنكرني كل يوم، وكنت صالحًا بمقاييس كافة الأمم، أضف إلى أني لم أكن رماديًّا، وما فمي المغلق اليوم بالحد الأدنى إلا لأبقي نفسي ومن أحب خاصةً بمنأى عن مخاطر وعيون ترصد صراخي من كل زاوية، من جدران الشوارع إلى خطوط الهاتف والكهرباء، وحتى حنفية الماء في بلادي ليست بريئة من تهمة التلصص.

ومع صباحات تمضي وأعرف أني أقتل ساعاتها وثوانيها، وأن الثانية القادمة لا أعرف عنها شيئًا، سأطلق تحدي أسميه تحدي الثانية، فأنا لا أعرف ما الذي يخبئه الغد ولا الآن حتى. وبعد السنوات التسع هذه لا أدري أكان السلم صعودًا أم هبوطًا، أم أننا تحركنا بدعوى القطيع أم كان علينا ذلك، الحقيقة لا أعرف، أعرف فقط أني فقدت المفردات ونشبت خصومة بيني وبين كل ما هو على هذه الأرض، حتى اللغة خاصمتني، وأصبحت أرتاح، لا بل وأجيد التعبير عن نفسي بلغة أخرى غير لغتي الأم، التي قد لا أجرؤ على استعارة مفرداتها.

هل كان سبب ما وصلت له أنا وغيري الخوف، أم اللا أمل، أم أنها صحوة مفاجئة وجدت فيها أني قضيت ربع عمر لا أفعل شيئًا إلا الوداع الوداع الوداع الوداع، ثم الاشتياق ، ثم الكآبة العميقة التي ذهبت معها إلى ممرات لا أود أن أتذكرها أبدًا، الحقيقة لا أدري، فأما الحال هذه أجد أني أنظر بمرآة فلا أجد وجهي أبدًا… الهواء أصبح ثقيلًا لا يُحتمل. 

في ظل الضياع هذا  وحالة اللا أمل، والأفكار التي تخطر ببالي كل يوم، استوقفتني جدارية كتبها ثائر هادئ في لحظة ثمالة، وللأمانة هي لشاعرة سورية اسمها وداد نبي:

“أحبها تلك البلاد حتى في خرابها الأخير”!!!!!

أضحك كثيرًا، وأبكي أكثر، نعم أنا أحبها أعرفها، أفهم لغة السنابل فيها، لكن أشعر بعبء العبارة واللا خلاص فيها، فأنا بين ذراعي أم لا تجيد منح الدفء ولا الأمان ….. لكنها أمي!

في زمن الحروب قد يبدو الكلام هذا فارغًا، فمن الذي سيرى في عبارة مكتوبة بصباغ أحذية هذه القيمة! لكني أقر بخطأ هذا، النظرة الشمولية للحروب هي أرقام، أرقام فقط، أما إن نظرنا إليها كبشر سنجد أن لكل منا زاوية يروي من خلالها ما حدث، وأنا كانت الزاوية التي وقفت فيها هي هذه العبارة.  هي التي أستحضر المشهد معها كل يوم، وهي التي تختصر ربع عمر!

0