إلى معشر كارهي القطط: هل الأمر تفضيل، مقارنة، أم عنصرية؟

0

شارك المقال 👈

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on pocket

تدوينة: نهى بسيوني

القطط بشكل عام لها طبع مستقل غير اجتماعي يميل إلى الكسل والخمول واعتزال الجميع إلا وقت الجوع، لكن من يقف على الحدود الخارجية للصفات المتداولة عن القطط سيضيف أيضاً: أن لا أمان لهم، مكرراً ما سمعه من آبائه وأجداده معشر كارهي القطط -أو الخائفين منها- أنهم -وبتشديد الدال- غدّارون! ويزيد على ذلك بمقارنة القطط بالكلاب بالضبط كمن يقارن قطاراً بشجرة!

هذا طبعاً.. هُراء.

تعمل تلك المقارنة غير العادلة بالمرة – والتي لا تقوم أصلاً على أسس متساوية – على إثبات تفوق الكلاب النسبي والانتقاص من حق القطط بشكل مبالغ فيه. وأنا لا أتحدث هنا عن صفات الكلاب التي اتفقت الأغلبية ضمنياً على قبولها، لكن أتحدث عن الظلم الذي يقع على فصائل القطط أجمع نتيجة مقارنة بها كم هائل من الانحيازية ورفض الآخر! يخطئ هولاء في حكمهم على القطط مثلما يخطئون في الحكم على شخص لم يعرفونه قط. فهم في الغالب لم يمتلكوا قطة أبداً ولا عاشوا معها وبالتالي لم تسنح لهم فرصة دراسة طبع القطط عن كثب. هناك دائماً من يردد ذكرى طفولة سيئة حيث قفزت عليه قطة فأفزعته أو كشرت له عن أنيابها وخدشت يده، لكن لا يقول أبداً ماذا فعل لها حتى تعاديه!

ويبدو أن لدينا مشكلة حقيقية في الحكم على الأشياء مع إبقاء رأينا الشخصي خارج المعادلة ولا يتضح ذلك من خلال مقارنة القطط بالكلاب فقط ولكن أيضاً في كثير من أمورنا الحياتية. في حين أنه يجب علينا احترام طبع القطط والفصل بين ذلك وبين تفضيلنا له من عدمه، يجب علينا أيضاً ألا نضع جميع فصائل القطط في سلة واحدة فنظلم إحداها ونزيد غيرها فضلاً بغير استحقاقه. ففصائل القطط تختلف في الصفات أيضاً بل ويختلف أبناء الفصيلة الواحدة في الطبع والشخصية كذلك لذا فإن الخلط هنا يعتبر ظلم بيّن وربما كذلك عنصرية تجاه فصائل بعينها حتى وإن لم تكن مقصودة.

فإذا ما نظرنا بتمعّن إلى القطط المصرية والقطط الإيرانية على سبيل المثال (ربما لأنهما أكثر الفصائل شيوعاً في مجتمعنا) نلاحظ الاختلاف في الشكل والجسم واضحاً. القطط المصرية رشيقة كثيرة الحركة سريعة البديهة ذات شعر قصير وأرجل طويلة وأذن كبيرة نوعاً في صغرها لكنها كذلك تميل إلى الاعتزال أحياناً. بينما على الجانب الآخر تكون القطط الإيرانية أميل إلى الإمتلاء كثيفة الشعر ذات أرجل قصيرة نوعاً وتميل إلى الغباء والكسل والنوم لساعات طويلة لكنها كذلك أكثر لطفاً وحميمية واجتماعية جداً بالذات في صغرها.

يعود ذلك الفرق في الطبع بين ميل القطط المصرية إلى الاعتزال وميل الإيرانية إلى اللطف و الحميمية -في رأيي- إلى التطور الذي طال صفات الفصيلتين نتيجة معاملة المصريين لهما. فالمصريون يحكمون في الغالب أولاً بالشكل والمظهر الخارجي ولأنهم استحسنوا خِلقة القطط الإيرانية إذ أنها تبدو أكثر جاذبية وجمالاً خصوصاً وأن عامل (الشعر الطويل الكثيف الناعم) الذي يشكل عقدة حقيقية لدى الكثيرين يعطيها مكسباً أمام غريمتها المصرية ، لذا اهتموا بامتلاكها وتربيتها ورعايتها واستضافتها في بيوتهم. إلى جانب ذلك فإن القطط الإيرانية تشكل -نوعاً ما- أقلية أمام الأغلبية المصرية وبالتالي -ومع التفوق الذي تعززه نظرة الناس وتفضيلهم- تصبح القطط الإيرانية كالنخبة.

على الجانب الآخر توجد القطط المصرية بأعداد هائلة -لا عجب لأن هنا موطنها- ورغم مكانتها المقدسة في مصر القديمة لدرجة أن ترتقي إلى مكانة الآلهة -لا يبدو أننا نوليها شيئاً من اهتمام. أعرض الناس عن القطط المصرية لانتفاء مفهومهم الخاص عن الجمال فيها وربما لم تجذبهم طبيعتها الرشيقة التي تميل أحياناً بل كثيراً إلى النحافة الشديدة والضعف الجسدي لدرجة بروز عظامها بشكل يتحول -في رأيهم- إلى قبح. ذلك الإعراض أدي إلى لجوء القطط المصرية إلى الشارع ونظراً لسرعة تكاثرها ازدادت أعدادها بشكل كبير مما حولها إلى (العامة) في مقابل النخبة الإيرانية.

يظهر ذلك الفارق في المعاملة أيضاً في رد فعل الناس إذا وجدوا قطاً إيرانياً يعيش في الطرقات. يبدأ أولاً باستنكار شديد مشوب بالشفقة من وجود هذا المخلوق الجميل في هذا المكان القبيح ثم يُبَرر هذا الوجود بطرد أصحابه -ذوي القلوب المتحجرة- له أو على أقصى تقدير هروب القط. بعد ذلك يأتي العطف الشديد المُستَفز من مشهد القط الذي غالباً ما تكون له هيئة مبعثرة خصوصاً وأن شعره الطويل يكون أول ما يُهان في ظروف كهذه وأيضاً من نظرة الانكسار في عيني القط والانطباع العام بالغدر والهزيمة اللذان ينضح بهما وجهه، هو الذي عاش عمره كله تحت رعاية وإذا به فجأة يواجه بشاعة الشارع وحده. لكن كيف يتصرف الناس إذا وجدوا قطاً مصرياً في ذات الوضع؟ لا شئ. لا تهتز لهم شعرة أو جفن.. ولِمَ؟ لأن القطط المصرية -معروفة- أبناء شوارع!

ربما لم نكتف بممارسة التمييز العنصري بين الأبيض والأسود، بين العربي والأجنبي، بين سكان الشمال والجنوب، بين أياً ما كان غريباً عنّا ضد أياً ما كان منّا، بل نمارسه أيضاً بين فصائل الحيوانات المختلفة، وحتى بين أبناء الفصيلة الواحدة لأننا نعتبر الدنيا دائماً منافسة لا تتوقف بين صغيرها وكبيرها، عظيمها والتافه فيها ولابد أن تنتهي دائماً دائماً بفوز وخسارة. فإن تجاوزنا – فرضاً – عن ذلك ونحيناه جانباً، فياليت حكمنا يستند لشيء من المنطق والحيادية! بل إنه كقطعة إسفنج منقوع في الانحيازية ملطخ بأهوائنا وتفضيلاتنا وآرائنا الشخصية جداً البعيدة تمام البعد عن جوهر ما نحكم عليه.

0