الفلسفة ليست أم العلوم بل الترجمة!

الترجمة
3

تدوينة: ناظم محمودي

ساد الإعتقاد بأن الفلسفة هي أم العلوم لأنها تقريباً تجمع كل العلوم وتأثر عليها. وقد دأب العلماء على مر العصور على دراسة الفلسفة لما لها من فائدة، فمظعم علمائنا العرب والمسلمين كانوا فلاسفة وعلى سبيل الذكر وليس الحصر نجد الكندي وابن سينا والفارابي. أما سابقاً كان العلماء يقولون إن اللغة العربية هي أم العلوم بسبب عدم قدرة الفرد على الوصول إلى العلوم الأخرى إلا إذا أتقن هذا العلم، فلن تستطيع أن تكون فقيهاً أو أديباً أو عالماً وأنت لا تجيد اللغة العربية بسبب الهيمنة والنجاح الذي حققه العلماء العرب المسلمون. وأما في وقتنا هذا فنحن مجبرون على إضافة اللغة الإنجليزية… لان بدون هذه اللغة لن نحصل على اي من العلوم الدنيوية كالطب والهندسة والكيمياء وخصوصاً الحديثة منها.

غير أنني شخصياً، وهذا رأي يلزمني وحدي، أعتبر أن الترجمة هي أم العلوم. فأنا أرى أن جميع العلوم كالفلسفة والكيمياء والطب الخ.. متساوية وتشترك في أنها تحتاج إلى ترجمة لكي تصل إلى أكبر عدد ممكن من البشر. وتعتبر الترجمة فناً مستقلاً بذاته حيث أنه يعتمد على المهارة اللغوية والقدرة على تكسير الحواجز الجغرافية. وتمكن الترجمة البشرية جمعاء من التواصل والاستفادة من خبرات بعضهم البعض. فهي فن قديم قدم الأدب المكتوب. فقد تم ترجمة أجزاء من ملحمة جلجامش السومرية، من بين أقدم الأعمال الأدبية المعروفة، إلى عدة لغات آسيوية منذ الألفية الثانية قبل الميلاد.

وإلى جانب العلوم، فقد كانت الترجمة فاعلة في عدة مجلات أخرى. فالحضارات السابقة كانت تعتمد على التجارة إما لإحضار أشياء تنقصها من جيرانها أو إرسال ما زادت عن حاجتها، وبالتالي كان وجود مترجم على متن السفن التجارية أمراً ضرورياً لعقد الصفقات، وفي عالمنا العربي كذلك عايشنا هذا… فقد احتك العرب منذ القدم بالشعوب الثلاثة المحيطة بهم، وهي الروم في الشمال والفرس في الشرق والحبش في الجنوب، وقد كان من المستحيل قيام مثل هذه الصلات الأدبية والاقتصادية دون وجود ترجمة.

كما كان للترجمة دور مهم في حفظ التاريخ الأدبي. ففي القرن التاسع الميلادي، قام العرب بترجمة معظم مؤلفات أرسطو، وهناك مؤلفات كثيرة ترجمت عن اليونانية إلى العربية، وضاع أصلها اليوناني فيما بعد، فأعيدت إلى اللغة اليونانية عن طريق اللغة العربية أي أنها لو لم تترجم إلى اللغة العربية لضاعت نهائيًا. كما أنه قد أعيدت ترجمة كتاب “كليلة ودمنة” إلى اللغة الفارسية عن النص العربي، لضياع الترجمة الفارسية وهو الأمر نفسه الذي حدث لبعض النصوص الإغريقية. وفي أوج ازدهار الحضارة الإسلامية في العصر العباسي بدأت الترجمة من اللغة العربية إلى اللغات الأجنبية، ولقد أشار المستشرقون إلى دور العرب في الحضارة الأوروبية، في تلك الفترة. كما أكد العديد من العلماء الغربيين على فضل ترجمة أعمال العرب فيما وصل إليه الغرب اليوم.

إن البشرية احتاجت إلى الترجمة منذ عرفت الكتابة إلى يومنا هذا، فلولا الترجمة لظلت كل حضارة مكتفية بما وصلت إليه ولما تقدم العلم وبلغ ما بلغه اليوم، ولكنا قد حرمنا من العديد من الإختراعات. أنك قد تعتقد أن العلوم الأخرى كالكيمياء والفلسفة والطب أهم من الترجمة، لكن بدون الترجمة لكانت بلا قيمة وظلت حكراً على فئة معينة من البشر لذلك تعتبر الترجمة أمهم جميعاً، لأن كل تلك العلوم في حاجة إليها وفيما يلي أبرز المقولات حول الترجمة.

“لولا الترجمة، كنا سنعيش في مناطق يحاذيها الصمت”

(جورج ستاينر، فيلسوف ومفكر أمريكي)

“المترجم هو القارئ الأكثر ملاحظة”

 (أغاتا توسزينسكا، شاعرة ومؤلفة بولندية)

“لولا الترجمة لبقيت مقيدا في حدود بلدي. فالمترجم هو حليفي الأهم، لأنه يقدمني إلى العالم”

(إيتالو كالفينو، صحافي وروائي إيطالي)

“قد تكون حقبةُ ازدهار الأدب دائما حقبةَ ازدهار الترجمات”

 (عزرا باوند، شاعر وناقد أمريكي)

3