القراءة وبُعدها السيكولوجي

0

تدوينة: رضوان الجابري

كنت في الثامنة عشر من عمري عندما سَقط بيدي كتاب (لو دامت الأفياء) للكاتبة العراقية الرائعة ناصرة السعدون، وأنا أقلب الصفحات الأولى للكتاب، سيطر على كل تفكيري وانتباهي، حيث كان الأسلوب السردي في غاية الجمال، إحساس غريب راودني وأنا أُقلب الصَفحات وتتراقصٌ الأسطر أمام عينيّ، مثل ميت عاد إلى الحياة بأعجوبة، التهمتُ الكتاب وأعدتُ قراءته مرات عدة، فَتحتُ هاتفي المحمول وكَتبتُ اسم المؤلفة بحثاً عن بقية أعمالها، عسى وأن أحظى برفقة جديدة، دونتُ العناوين في دفتر صغير وقررتُ أن ابتاعها من أقربُ مكتبة.

القراءة تَصنع عدة شخصيات بداخل الإنسان لذلك لطالما تُلاحظ القارئ يبحث عن نفسه بين المُجلدات وشخصيات الرواية والنصوص، مَنحتني القراءة رؤية فتى في أقصى الصين يعيش في قرية نائية يقع في حُب مُعلمته، ورؤية صوفي يذوبُ عشقاً في محبوبه، مَنحتني معرفه سيرة حياة فتاة يتيمة تعيشُ تحت وطأة الفقر وتعشق أميراً، مَنحتني القراءة حياة جديدة. فاكتشفت عوالمّ أخرى وحيوات أخرى حزينة وسعيدة، مضيئة ومظلمة، أعجبتُ بشخصيات ومَقتُ شخصيات، أصبح لدي أصدقاء وتعرفتُ على كُتاب وصحفييّن ومهندسيّن وبائعي خُضار ومُتسولين وناقديّن وموسيقيين… إلخ بين أروقة الكتب، فصرتُ أسرقُ الوقت من وسط زَحمة حياتي وأختلي بهذه العوالم الجميلة، حتى صرتُ أتحاور مع الكُتب والمؤلفين في الباص، والجامعة والحمام.

القراءة لونت لي الحياة، بعدما كانت في اللون الأسود والأبيض «لذلك كان للقراءة تأثير في حياتي بجانبين، الأول اجتماعي والثاني نفسي سيكولوجي، اجتماعياً أعطتني القراءة أسلوباً خاصاً وأفقاً أوسع لمعالجة القضايا الاجتماعية التي تحدث في حياتي، كيفية التعامل معها أو معالجتها، كذلك جَعلت مني ناقداً قبل أن أكون قارئاً، ولكن ليس بالمفهوم الشائع للنُقاد، أستطيع أن أقول أنني كُنتُ بسيطاً في اعتراضي على بعض النصوص، ومُتمرداً على أخرى. أناقشُ المؤلف على كتاباته وأستفسر وأمتعضُ وأتأسف حتى، عَلمتني القراءة أن أكون حساساً لا ساذجاً كما يقولُ الروائي التركي أورهان باموق: “نفسياً عندما أنتهي من كُتاب مُعين أشعرُ بسعادة غامرة تملأ صَدري، أتفاعل وأعيشُ مع الكتاب أفرحُ وأحزن وأبتسم وحتى أجهشُ بالبُكاء أحياناً”.

وأذكرُ أنني قرأتُ نصاً للكاتب الكولومبي غابريل جارسيا ماركيز يقول “عندما انتهيت من كتابة رواية مئة عام من العزلة خرجتُ من مكتبي وأنا أبكي فسألتني زوجتي عن السبب، فقلتُ لها لقد مات الكولونيل…” وكذلك عندما كتبت الكتابية التشيلية إيزابيل الليندي روايتها، فالقراءة يا أصدقائي كيمياء سحرية تتلاعبُ بتفاعلات الروح والعاطفة فتُدميك أحياناً وتجعلك تَنتشي أحياناً، لذلك واجهتُ نفسي وذاتي من خلالها، لَقد عَرتنيّ وجعلت مني أنساناً قَبل كُل شيء.

0