اللحظة صفر… أوَّل اختبار في مواجهة المجتمع

2

تدوينة: مزوار محمد سعيد

أذكرُ جيِّدًا ذاك اليوم، كان قبل خمسة وعشرين سنة من الآن، في ذاك الصباح من فصل الخريف، أيقظتني أمي فرحة للغاية، أعدتني لتلك الانطلاقة التي جعلتني اليوم كاتبًا، دفعتني لغسل وجهي، وارتداء الأجمل من ثيابي، شربتُ قهوتي، وكان أبي يحاول تدوير محرِّك الدراجة النارية من أجل اصطحابي إلى المدرسة.

ما أذكره هو أنَّه كان يوم الخميس، والمدرسة الجزائرية يومها، كانت تفتتح الأسبوع بيوم السبت وتنهيه بنصف يوم من يوم الخميس، يعني أنَّ أوَّل أيامي في المدرسة، هو آخر يوم من أيَّام الأسبوع، وهذا ما حصل بالفعل.

وصلنا إلى باب المدرسة، توجَّه أبي نحو مكتب المدير، ليكمل الإجراءات الإدارية الخاصة بتسجيلي وقبولي في السنة الأولى ابتدائي، بينما أشار إليه حارس المدرسة بأن يتركني مع تلاميذ صفي.

وبعد مدَّة وجيزة، خرج أبي مصحوبًا بالمدير والمعلّمين، توجه نحوي وقال: ابقى مع زملائك، كن مهذبا، ولا تحدث الفوضى، حتى لا يعاقبك المعلِّم.

وقتئذ! شعرتُ بإحساس غريب، وأنا أراقب دراجة أبي وهي تبتعد، تنهدتُ بعمق، فتلك هي أولى لحظاتي مع كلمة تسمى بـ: المسؤولية؛ ثمَّ التفتُ نحو زملائي لأقترب منهم، وإذا بأحدهم يتعالى صوته الساخر مني قائلًا لبقية الزملاء: “أنظروا إلى هذا المجنون، أتى إلى المدرسة بلا محفظة” قبل أن ينفجر الجميع ضاحكًا علي، وكانت هذه الحادثة أولى وقفاتي أمام مرآة المجتمع.

كانت سخريته تنزل عليَّ كحجارة سوداء انطلقت من أيادي الحجاج نحوي، فبحكم أنني كنتُ الصبيَّ المدلَّل الوحيد ضمن عائلة كبيرة، معتاد على الظهور بمظهر الذكيِّ الذي لا يُرفض له طلب، أمير العائلة، وإذا بي أجد أمامي جمْعًا غريبا من الأطفال “الأقران” يضحكون بسبب تهمة ألصقت بي من طرف أحدهم وأنا بريء منها؛ تصاعدت درجة الحرارة في جسدي كلَّه، حدَّدتُ عدوي الافتراضي، وفي لمحة بصر، كنتُ قد دخلتُ معه في شجار عنيف للغاية، لم ينتهِ سوى بتدخُّل المعلم.

كانت بداية سيّئة بالنسبة لي، دخلتُ مع زملائي القسم وكنتُ آخر من يدخل، فأنا غير معتاد على البقاء في صف أنتظر دوري لأخذ إذن بالدخول، ولم أكن معتادا على أخذ إذن حتى يُسمح لي بالكلام، ولم أكن معتادا على طلب الإذن لكي أتكلَّم أو أزور دورة المياه، والتي لم أكن أعرف زاويتها أصلا.

غريب وسط عالَمٍ بدا لي لا يرغب بي أبدا، فبقية الزملاء قاطعوني، انصياعًا للفتى الذي تشاجرتُ معه، فكوْني “أمير” عائلتي، كان هو وبالمقابل “أمير” القسم.

مرَّ عليَّ الوقت طويلًا للغاية، وما زاد ايقاظ الخوف بعمقي هو إقدام معلمنا على ضرب أحد التلاميذ من زملائنا بشدة، ولم ينجو ذاك الصبي رغم الصياح والبكاء والدموع، مما يعني أنَّ الحيل التي كانت تنقذني من عقاب أبي أو أمِّي لا تجدي نفعا في القسم ولا في المدرسة.

اللحظة الجميلة التي احتفظتُ بها من ذاك اليوم، هي وقت الاستراحة، ففي ظل مقاطعة زملائي الجدد لي، اقتربت مني احدى الفتيات من زميلاتي، وأخبرتني عن اسمها الذي بدا لي صعب النطق يومها، كان اسمها شاهيناز.

أخبرتني أنَّ لها أخًا يكبرها سنًّا تجاوز الامتحان بنجاح ليترك مدرستنا ويذهب للدراسة مع “الكبار”، كما أخبرتني عن “أمير” قسمنا (عدوي الافتراضي)، فهو ذكيٌّ حسبها، ويجيب عن كلِّ أسئلة المعلِّم، يجيد الكلام باللغة العربية، أباه يعمل طبيبا، وأمُّه ممرضة، وهو سريع للغاية، فلا يمسكه أحد أثناء اللعب.

ماذا؟ هذا أوّل سؤال دار بداخلي، ثم تسارعت الأفكار في عمقي، غبتُ قليلا عما كانت تقوله شاهيناز، قبل أن تعيدني هي إلى الواقع بسؤالها لي: وأنت، من أنت؟

أجبتها: أنا محمد، أبي يعمل محاسبًا، وأمي ماكثة بالبيت، عمي أستاذا يدرِّس من هم مقبلون على شهادة الباكالوريا، وأخي “عمي” حفيظ يدرس في الجامعة، أجيد الحديث باللغة العربية أيضًا، العدَّ حتى العشرين، وأحفظ سورة البيِّنة بعدما حفظتُ سورة الفاتحة، الناس، الفلق والاخلاص، الكوثر وآية الكرسي، أعرف كيف أتوضأ وأصلي، وأزور المسجد مع أبي في الأعياد، كما أنني سريع جدًا وأحب كرة القَدَم.

لم تكن شاهيناز مهتمة كثيرا بما أقول، لكن تلك اللحظة قد مثَّلت لي أوَّل اختبار في مواجهة المجتمع، وأوَّل تماس حقيقيِّ مع إمكانيات حدِّي الذات وضرورة إثباتها أمام عالَمٍ لم يستقبلني بالشكل الذي لطالما اعتدتُ عليه.

2