تجربتي مع صراع الهوية

1

تدوينة: أحمد بوشريط

تحديد هوية الإنسان في أغلب الأحيان تكون مرتبطة بشكل وثيق بالمكان الذي ولد وترعرع فيه منذ نعومة أظافره والتي تكون هويته الثقافية والمعرفية المحددة الرئيسية للانتماء أو ما يعرف لدى البعض بمسمى الوطنية وحب البلاد،  إلا أن الأمر بالنسبة لي مختلف تماماً عندما يأتي الأمر بتحديد الهوية، فأنا مغترب منذ أن فتحت عيناي على العالم، ومنذ البداية كانت لدي التعددية في كل شي وكأنها علامة من الله بأن تكون شخصاً ليس لديه هوية محددة حتى تكون من الأرض وإلى الأرض فلاشي يحددني ولا وطن يقيدني، فأنا تونسي الجنسية من ولد في مدينة سوسة ولكن شاءت الأقدار أن يتم تسجيلي في مدينة أخرى اسمها قصور الساف وهي مدينة أمي، وذلك لظروف لا أعلمها مما سبب في منع تسجيل مكان ولادتي في المدينة التي ولدت فيها، وهنا كانت بداية اللاهوية أو ما أحب أن أسميها التعددية في الهوية، واكتمل الأمر عندما اختلف الأهل في تسميتي فمنهم من يريد أن يسميني سيف ومنهم من يريد أحمد فتم الاتفاق على أن يتم تسميتي أحمد سيف(اسم مركب).

وهنا أيضاً في بلدية مدينة قصور الساف شاءت الأقدار أن تضع لمسة أخرى في التعددية، فاتفق الأهل على أن يتم تسجيلي أحمد ولكن في المقابل أنادى باسم سيف فأصبح لدي اسمان ومدينتان تمثلانني، لم ينتهي الأمر هنا ففي هذه الأثناء  كان أهلي مستقرين في المملكة العربية السعودية أي أنني سأترعرع هناك وهذا ما حدث بالضبط فمنذ نعومة أظافري وأنا في السعودية، استيقظت على هوية وثقافة سعودية مختلفة تمام الاختلاف عن تونس، فأتقنت حينها اللهجة السعودية واللبس السعودي وكل ما هو معني بالهوية السعودية فأصبح لدي هويتان هوية في المنزل تونسية وهوية في الخارج سعودية، فأصبح هناك كالخليط بين التشدد والانغلاق السعودي وبين الانفتاح الأقرب إلى الأوروبي في تونس الذي أجده في كل صيف عندما نسافر إلى تونس، مما خلق شي من هوية هجينة غير مفهومة في داخلي إلا أنني استطعت أن أوازن بينهما،  إلا أن من لديهم هويتهم المرتبطة ببلادهم كانت لهم نظرة أخرى فهم لم يختارهم الله من الناس عديمي الهوية متعددي البلدان فلا يفهمون ما يعني ذلك، فكنت أعاني دائماً من أزمة في الهوية، فعندما أسافر الى تونس يستقبلوني بطابع السخرية، لهويتي السعودية وضعف لهجتي التونسية وكذلك الأمر في السعودية فانا لست منهم أنا ذلك الأجنبي الغريب الذي لا يعرف تقاليدهم وعاداتهم.

مرت السنوات إلى أن أصبحت في سن الخامسة عشرة،  وقرر أبي حينها الانتقال إلى ليبيا، وهذا يعني هوية جديدة ولهجة جديدة وعادات وتقاليد جديدة، وهذا ما عزز اللاهوية لدي والذي جعلني في حقيقة الأمر أحب هذا التوصيف الذي علمني كيف انغمس بين الناس وكيف أحب بلدان ليست من سميت باسمها وولدت فيها، وأكملت مسيرة الحياة في ليبيا والتي أيضاً تعلمت لهجتها وعاداتها وتقاليدها لدرجة عدم التفريق بيني وبين منهم من أهلها، والتي أيضاً زادت في  مفهوم اللاهوية وسخرية الهويين من كوني الآن أصبحت هجيناً تونسياً سعودياً ليبياً يحمل أكثر من هوية وثقافة ولهجة، إلى أن جاء عام2017 أي بعد تسع سنوات قضيتها في ليبيا، لكي تشاء الأقدار وتزيد من مفهوم اللاهوية حتى تنقلني للعيش في تركيا لدواعي العمل التي كانت الحرب السبب الرئيس في ذلك، للعيش في هوية جديده وبلغة جديدة ومآبين كل هذا التنقل، تعلمت بأن الهوية هيا للأرض الواسعة التي اخبرنا الله  لنهاجر فيها.

فما أجمل أن تكون من عديمي الهوية فلا تكن من العنصريين ولا المتعصبين ولا الحاقدين وتعلم بأن العالم أكبر بكثير مما أن تتصور…. واختم بقول الله: وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا.

1