حكايتي مع الفيسبوك… تزييف ووهم وصلات افتراضية كاذبة

8

تدوينة: مزنة الخن

لعلّ أكثر من حولي يسألني نفس الأسئلة.. بسبب عودتي إلى هذا العالم… العالم المزيّف!

نعم.. قد قلت سابقاً للكثير أنني لن أعود قطّ إلى هذه الشاشة الزرقاء.. والآن ها أنا استخدمه واكتب منشوري باسمي الحقيقي منذ أكثر من عام ونصف.. لكن شتّان بين هذا الاستخدام وما كنت عليه.

لا أنسى تلك الأيام، أكثر من 1000 صديق على الفيسبوك وأكثر من 100 مجموعة.. نشر كل ما يخصّني.. التزييف.. صلات افتراضية كاذبة… أوهام.. قتل وإجرام بالوقت.. النشر اليومي لأسطر وصور أراها الآن تافهة جداً وقد كانت في معتقدي أنها ستسببّ تغييراً في العالم!

عانيت كثيراً للتخلص من هذا الإدمان.. وخاصة أنني من الشخصيات التي لديها شبكة علاقات واسعة.. شخصية تحب الشهرة وتحب جموع العالم.. بالوقت الذي غزى الفيسبوك كل شبكة علاقاتي وأصبح جزءاً كبيراً من حياتي.. كنت أشعر أن هناك ثمّة خطأ في تصرفي وتصرف الملايين من البشر في حياتهم بخصوص الفيسبوك.. لكن سرعان ما يختفي هذا الشعور عندما أرى كل من حولي يتصرّف بنفس الأسلوب!

وبعد عدة محاولات كثيرة باءت بالفشل لإيقاف أو تخفيف هذا الإدمان.. مثل تحديد وقت للاستخدام أو الإيقاف المؤقت (deactivate) وغيرها.. أحبطت كثيراً وقررت أخذ الموضوع بجدية أكثر.. بالتزامن مع رسوبي السنة الماضية في كليتي فكان للفيسبوك الحصّة الكبيرة لرسوبي.. فزادت عزيمتي لإيقاف هذا الإدمان… دعوت وبكيت لله أن يمدّ لي العون فكان الموضوع صعب جداً بالنسبة لي…

بدأت بالبحث على الإنترنت عن موضوع الإدمان.. ورأيت الكثير من القصص منها من أقلع عن الفيسبوك ومنها من تحطمت حياته بسببه.. والكثير من المقالات.. أذكر مقالة من مجلّة تستند إلى علماء النفس أن الإقلاع عن إدمان الفيسبوك أصعب من الإدمان على التدخين! وبعد تلك القراءة، ذهبت إلى شخص مختص بالإرشادات النفسية، شخص أثق بعلمه وأثق فيه ولديه خبرة واسعة جداً، وهنا بدأت رحلتي باستكشاف حقيقة الفيسبوك ومواجهة نفسي.

تناقشنا سوياً بالساعات والأيام والشهور… غصت في نفسي كثيراً في كل مداخل نفسي، حتى وصلت إلى الحقيقة… الحقيقة أن الفيسبوك ليس مجرّد استخدام عادي وهناك أشياء عميقة وراءه ومخلّفات نفسية وأشياء ربما إذا قلتها لن يقتنع بها إلّا من رحم ربي!

بدايةً عطّلت حسابي بشكل مؤقت بدون سابق إنذار، وأذكر أن بعدها قد تعبت كثيراً، وكأن مادة ما قد سُحبت من دمي! وجدت اليوم أسبوع والأسبوع شهر! وجدت الكثير من الوقت الفارغ! ورغم أنني لم أغلق كافة وسائل تواصلي فمثلاً أبقيت حسابي على الـ WhatsApp إلا أنني عانيت من شعور الوحدة، الغرابة، الاكتئاب، وتعجّب الناس من حولي ونعتي بـ “المتطرفة”.

واصلت جلساتي ومناقشاتي، حتى قررت أن أحذف حسابي بشكل نهائي، أن أحذف مزنة الافتراضية، فتحت حسابي ونظرت إلى منشوراتي وصوري وقلت وداعاً! مع العلم أن منشأ حسابي القديم من عام 2009 وكان عليه جميع من أعرفهم وجميع المجموعات التي اتواصل فيها والصفحات و و و .. بعدها شعرت براحة ممزوجة بخوف وغرابة.

أذكر شيء أضحك عليه الآن في تلك المرحلة عندما حذفت حسابي كان قد بقي يوم على يوم عيد ميلادي وأصبحت أبكي!! كيف للناس أن يعلموا متى يوم عيد ميلادي! أريد أن يكتبو على الـ TimeLine خاصتي! فكنت معتادة على المئات من المنشورات التي تكتب على “حائطي” منها مقربون ومنها بعيدون يعايدون.. لكن الآن أدركت أنه يكفيني ذلك من أعز أصدقائي وعائلتي الحبيبة فقط!

وأذكر أيضاً أنني في تلك الفترة أصبحت أصل إلى أخبار جامعتي من خلال حساب والدتي ومن خلال هاتفها فقط! وبمساعدة أصدقائي إيمان ولين اللتان كانتا تنقلان لي الأخبار على الـ Whatsapp!

وبعد فترة، وعند انتمائي للفريق التطوعي الذي أنا فيه الآن وبسبب احتياجي لاستخدام الفيسبوك قررت أن أنشئ حساباً وهمياً لا يعرفه إلّا عدد قليل جداً جداً، ولا أضيف عليه أحد، وبالفعل أنشأت حساباً واستخدمته ولم أخبر عليه أحد إلا من احتجت إليه من الفريق أو بالكلية، وبقيت عدّة أشهر على هذه الحالة.

صراحةً.. بهذا العام الذي عشته بدون وجود على الفيسبوك تقرّبت من نفسي كثيراً، أدركت معنى الوقت.. أنا أعلم أنني لا أستغل دقائقي الآن بشكل كبير! لكن أصبح الوقت له معنى آخر.

أصبح للأصدقاء معنى آخر…
أصبح للاجتماعات والحياة الاجتماعية معنى آخر…
أصبح للخصوصية معنى آخر!

تحررّت.. من قيد “الظهور بمظهر السعيد والجميل والمثقّف والكامل”.
تحرّرت من قيد “أن أكتب أين أنا وإلى أين سافرت وماذا أكلت ومع من ذهبت”.
ومن أشياء أخرى…

لكن أكثر ما أحبّه في هذه الحريات، هي الخصوصية، ما أجمل أن يكون لك خصوصية! أن تفرح وتحزن، أن تذهب وتعود، أن تتعرف وتترك أشخاصاً من غير ضرورة نشر ذلك، أن يكون لك مشاعرك وصورك وذكرياتك لك وحدك أو مع من يعنيهم فقط! شعور رائع صدقوني!

نعم يا أصدقائي نحن سجناء للأسف.. سجناء في هذا القفص الأزرق.. لكن ننظر أن تلك هي الحرية! أن ننشر كل ما نريد في أي وقت بدون تفكير على العكس تماماً يا أصدقائي.. فقمة الحرية أن تكون حراً من أسر الأشخاص، أن تفعل ما تريد بغض النظر عن الآخرين… وآخر ما أقوله في هذا الجزء أنني أعلم أنكم تسألون الآن.. نعم.. لماذا إذاً عدت ما دام الفيسبوك بتلك البشاعة؟

سؤال وجيه، طرحت هذا السؤال على نفسي، ووجدت أن قمّة الروعة ألا أترك الفيسبوك بل أن استخدمه بالشكل الصحيح وأتحكم بنفسي لأنه لا يخلو من أشياء تعود عليَّ بالفائدة.

ملاحظة: أعذروني من الآن إذا لم أعلق يوماً ما على مناسباتكم أو فعاليتكم أو صوركم، لأنني سأتابع فقط من أشعر أنه بالفعل يستحق أن يأخذ من وقتي!

8