عندما أراد جون بول سارتر أن يتزوج أمه ذات يوم!

2

تدوينة: رمزي بوودن

في مقاطعة “بورغوني” في شرق الجمهورية الفرنسية، التقى ذات مرة أستاذ لغة ألمانية يدعى (شارل شفايتزر) بشابة اسمها (لويز جيمان)، تزوجا فأنجبا أربعة أطفال منهم فتاة جميلة هي الصغرى حملت اسم (آن ماري). في ذاك الوقت، وفي مكان آخر في فرنسا، كان أحد الأطباء قد خاصم زوجته بعد أن اكتشف أنها كذبت عليه بخصوص والدها الثري، لكنهما أنجبا الطفل (جون باتيست). بعد سنين من كل هذا، جمع القدر بين تلك الفتاة الصغيرة (آن ماري) التي أصبحت شابة في العشرين مع ضابط البحرية (جون باتيست)، فارتبطا دون أن يعرفا بعضهما كثيراً وكان ثمرة ذلك طفل واحد أوحد اسمه (جون بول سارتر) الذي سيكون لاحقا الكاتب والفيلسوف الشهير ورائد الفكر الوجودي.

لم تمر سوى فترة قصيرة -حوالي خمسة عشر شهراً- على ميلاد الطفل سارتر لتبدأ المصائب في العائلة الصغيرة. لقد توفي الزوج (جون باتيست) فكانت الصاعقة على زوجته (آن ماري) التي وجدت نفسها بلا مال ولا معيل مع ابنها الرضيع، فما كان منها إلا أن عادت إلى منزل والديها (شارل) و(لويز) اللذان طبعا عليها صفة -أرملة بنكهة مطلقة- لدرجة أن أمها كانت تلومها لأنها تزوجت شخصاً مات بسرعة.

هذا ما حدث لجون بول سارتر وعذاب أمه (آن ماري) مع جديه في منزلهما الذي يصفه بالكابوس المشترك لدرجة انه جعل حليب ثدييها يجف، فعُهِد به لإحدى المرضعات حتى لا يُفطم متأخراً. وتحدث سارتر عن العتاب المتواصل والاحتقار الصامت لأمه التي اضطرت أن تعمل في وظائف عدة لتنال الغفران وتقوم بأشغال البيت بتفانٍ تام لأن الجدة ستحاسبها مساء كل يوم على كل شيء، كما أنها لا يجب أن تبدي رأيها حول أي قضية لأنهم سيتهمونها إما بالرغبة في السيطرة والتمرد أو بلامبالاتها وتجاهلها لقضايا العائلة، حتى المصروف كان أبوها يتناسى إعطاؤه لها وكذا ملابسها التي بليت على جلدها دون أن تشتري أخرى. وعندما تدعوها صديقاتها إلى حفل ما فيجب عليها أن تذهب متأخرة وأن تعود قبل العاشرة ليلاً وإلا فيد والدها ستبدأ بالعمل.

في خضم هذا كان الطفل سارتر يرى أمه كفتاة عذراء عملاقة يعتبرها شقيقته الكبرى لأنها كانت تقتسم معه غرفة الأولاد في منزل جديه، والأولاد هنا هم سارتر وأمه، كان يتحسس القهر التي كانت تعانيه في وسطها. لقد كان ينظر إليها بشفقة وهي تنظر إليه بحب وتقص عليه مصائب الصباح والمساء، وذات مرة تأمل الطفل البريء بنظرات عميقة في عيني أمه المليئتين بالحزن وأخبرها بأنه سيتزوجها. لقد وعد الطفل أمه بالزواج لكي يحميها فهو يعلم أنها تعاني ولكونه يحبها فقد ظن أن الزواج هو الحل الوحيد لمأساة أمه التراجيدية.

ليس لدينا الكثير من أمثال جون بول سارتر في عالمنا العربي، لكنني موقن أننا نملك الكثير من أمثال أمه (آن ماري) التي أراها نموذجاً دقيقاً فعلاً لما تعانيه المرأة عموماً وبالأخص المطلقة والأرملة في بلدان العرب، حيث أن الأنثى التي مهما علِمَت وعمِلَت وأحسنت فستظل إنساناً من الدرجة الثانية ناقصة الحقوق لا يجب أن تخرج من العباءة التي ترسمها الأسرة ولا يجب أن تفكر في اختراق سجن النمطية الذي أدخلوه إليها دون ذنب أو اتهام. والظلم الممارس ضد المرأة المطلقة أو الأرملة ليس سوى صورة جزئية للظلم المسلط ضد المرأة عموماً، إنه مجرد جزء صغير من مرآة الحقيقة التي يمكننا أن نرى فيها، وبوضوح، التمييز الصارخ الذي نمارسه بقناعة منحرفة ضد بنات الجنس اللطيف، هذا التمييز لا يعبأ بحالة المرأة الاجتماعية ولا برصيدها المعرفي أو الثقافي، ولا يستثني أي مرحلة عمرية من حياتها، بل توضع القيود في يديها الناعمتين منذ طفولتها، وتكبر تلك القيود معها من البلوغ إلى الشباب فالكهولة تحت وطأة بطش الرجال من أب وأخ ثم زوج في إطار ثنائية سيد – عبد التي لا يفهم هؤلاء سواها.

إن ما تعانيه المرأة العربية منذ الأزل إلى اليوم نتاج تزاوج عاملين إثنين : الدين والتقاليد، الأول باعتباره عنصرا أساسياً في تركيبة مجتمعاتنا لا يمكن الاستغناء عنه والثاني كقوانين بالية تشكلت في العقل العربي الجماعي بطريقة تراكمية فوضوية. فعمل رجال الدين من خلال ما يمكن تسميته بـ”ذكورية الفقهاء” إلى إصدار فتاوى وأحكام وآراء فقهية تحد من حقوق المرأة مستغلين بذلك ظاهرية النصوص الدينية وطبيعة المجتمعات العربية التي لا تعترض الأقوال الدينية، وهنا بدأت أوصاف ناقصات العقل تلتصق بالنساء رغم أن الجامعات تمتلئ بالإناث المتفوقات، وناقصات الدين رغم أنني لا أعرف رجلاً اكتمل دينه يوماً، ثم جاء وصف صوتها وجسمها بـالعورة داعين إلى تغطيتها وغلق فمها، ثم خرجوا ليحرموا عمل المرأة ويحصروها في مجال التناسل والطبخ، ويرموا الموظف الذي تكون مديرته أنثى أو الشعب الذي تحكمه أنثى بـ”الملعون”. ليغذي عنصر التقاليد هذه الأفكار الدينية التي تحكم المجتمع محاولاً إزالة شخصية المرأة وسلبها حريتها في الاختيار والتقرير وجعلها “تابعاً” في كل حال وتحت أي ظرف.

ثم إن معاناة المرأة ليست قضية حقوق مدنية فقط وحلها لا يكمن في الزواج فقط مثلما كان يظن الطفل سارتر الصغير، فرغم أن هناك تقدماً كبيراً في عدة دول فيما يخص ترقية حقوقها وإدماجها في الحياة السياسية والاقتصادية وسن قوانين كاملة لحمايتها، إلا أن نظرة الناس والمحيط لا تزالان تضغطان على المرأة في سبيل ثنيها عن ما تريد بمساومتها مقابل أمور أخرى. لذا فلا مفر من تغيير نظرة المجتمع نحوها ابتداء من الأجيال الجديدة ومنحها حقها من التقدير والاحترام بعيداً عن التعالي والفوقية وعدم حصرها في ناحية “غرائزية” بحتة. والأهم هو أن يرافق كل هذا تجديدٌ جذريٌ في الخطاب الديني المتعلق بشؤون بنات حواء الذي لابد أن يعطي المرأة حقها دون أي نقصان وأن يرفعها إلى مكانتها التي يجب أن تكون فيها دون أن ننتظر الحركات النسوية لتخبرنا بذلك.

نجد اليوم أنه من الضروري تحرير المرأة من كافة القيود التي تحاصرها، وكلمة تحرير لا تعني المعنى المطلق للكلمة ولكن تعني منح جنس حواء الحرية الكاملة -مثل أي كائن بشري آخر- في أن تكون ذاتها وأن تقرر مصيرها وتختار مسار حياتها مثلما تشاء دون وصاية أو تدخل من أي طرف آخر. وأن تحصل المرأة على حقها في التعلم والعلم والعمل بناء على مبدأ الاستحقاق والكفاءة وحدهما دون أن تتعرض للطعن في عرضها أو كفاءتها، وحقها في أن تحلم وتبدع وتسعى في سبيل أهدافها، لأن تحرير المرأة شيء واجب يرتقي يوما بعد آخر إلى ضرورة بحتة في سبيل بناء مجتمع صحي متجانس باعتبارها اللبنة التي تمنح الحياة وتشرف على إنتاج النسل وتكوينه.

تقول لي إحدى زميلات كلية الطب ذات مرة، رغم أنها تدرس في تخصص هو الأفضل وتملك في عقلها ما لا يملكه الكثيرون من علم وذكاء، أنها تتمنى لو كانت رجلاً، أدهشني هذا القول مثلما فاجأني كثيراً ولكنه جعلني أدرك البغض الكبير الذي تكنه تلك الفتاة للمجتمع الذي لم يترك حتى الذكيات من بنات حواء اللائي سيصبحن طبيبات المستقبل. لكنه جعلني أؤمن أنه مهما حاول هذا المجتمع أن يثني نساء الأرض ويعيقهن فهو خاسر وظالم وجاهل لأنه ببساطة يحاول أن يمنع الحياة عمن هن شريان الحياة أصلا. يقول نجيب محفوظ:”كلما أبصرت بعيني أنثى ما، خٌيِلَ إلى أني أرى الحياة تمشي.. على قدمين”.

2