فلسفة الاعتياد وتحول البشر لآلات

2

تدوينة – أحمد علوي

بمجرد أن تنتظم دوريًا في ممارسة نشاط ما، تبدأ تلك الممارسة بالتفاعل مع إيقاعك البيولوجي والتأثير عليه والتأثر به… والإيقاع الحيوي للإنسان أمر معقد للغاية، أُجريت عليه العديد من الأبحاث كان من نتاجها ما يعرف بـ (نظرية البيورزم) التي تفترض أن حالة الإنسان البدنية والحسية والذهنية تمر بتغيرات إيجابية وسلبية في دورات منتظمة بحيث يكون الإنسان في قمة قدرته البدنية يوم كل ٢٣ يومًا، وفي أفضل أحواله الحسية يوم كل ٢٨ يومًا، وفي أعلى معدلات إيقاعه الذهني يوم كل ٣٣ يومًا، وكل إيقاع من الإيقاعات الثلاث يتضمن يومًا تكون فيه القدرة في قمتها، وآخر تكون في القاع، والأيام على طرفي القمة تعتبر جيدة، وعلى طرفي القاع تعتبر سيئة.

وترجع تلك النظرية للعالمان الدكتور (هيرمان سفوبودا) الأستاذ بجامعة فيينا والذي نشر أول أبحاثه عنها عام (١٩٠٤)، والطبيب الألماني (فلييس) الذي نشرها عام (١٩٠٦)، وتناولت أبحاثهما حالتَي الإنسان البدنية والحسية فقط، بينما أضاف الحالة الذهنية المهندس النمساوي (الفريد تلشر) ونشرها في أبحاثه عام (١٩٢٠).

وتناولت “البيورزم” تأثير حالة الإنسان مع فرضية تباين استعداداته البدنية والحسية والذهنية، ومردودها على ممارساته. ما أود طرحه هو الطريق العكسي لذات المسلك، وهو تأثير الأنشطة التي تقوم بممارستها على إيقاعك الحيوي، وهنا أعود حيث بدأت طرحي.. بمجرد أن تنتظم دوريًا في ممارسة نشاط ما، تبدأ تلك الممارسة بالتأثير على إيقاعك البيولوجي، وكلما واظبت عليها تدخلت شيئًا فشيئًا في تكوين مِزاجك، وربما التحكم به، بحيث يختل حال توقفك عن الممارسة بشكل مفاجئ.

إنه الاعتياد.. آفة الإنسانية.. نقطة تحول البشر لآلات وتحول الدوافع إلى لغات برمجة.

عادةً يبدأ الإنسان بممارسة أي نشاط بكامل تركيزه (في حدود قدراته) حتى يعتاد الأمر ويبدأ بالتخلي عن التركيز تدريجيًا إلى أن يصبح قادرًا على ممارسته دون انتباه كامل، وتقريبًا بشكل أوتوماتيكي، بحيث يستقر الفعل في المراكز العصبية الدنيا وتتوقف المراكز العصبية العليا عن الانشغال به.

ثم يبدأ بممارسة نشاط آخر إلى جانب النشاط الأول، ولكن بشيء من الارتباك، حتى يتطور آداؤه في ممارسة النشاط الثاني كما حدث مع سابقه، إلى أن يصبح قادرًا على ممارسة النشاطين جنبًا إلى جنب بكل ارتياح.. وهكذا.

إن البشر يمارسون يوميًا قائمة كبيرة جدًا من الأنشطة التي يمكنهم ممارستها بجانب أنشطة أخرى بشكل أوتوماتيكي. والحقيقة أن كل عمل تقوم به ضمن مجموعة أعمال في ذات الوقت هو عمل منقوص، وأهم ما ينقصه هو الصدق، بل إن الصدق ذاته إذا كان من باب الاعتياد فهو موصوم.

أعلم أن الأمر يبدو صادمًا، فكيف لك أن تقوم بعمل إبداعي مثلًا دون كامل انتباهك، بل وأزيد أنه مجرد محاولة تدخل الشعور في العمليات الأوتوماتيكية قد تخل بنظام آليتها وتربك استمرارها وربما تعطل إنتاجها.

إن الاعتياد لا يميكن الإنسان فحسب، بل إنه لا يسمح له بالعودة للمعادلة ببساطة، فبفرض أنه عليك اختيار الحالة الأنسب لقدراتك طبقًا لمنحنى “البيورزم” للقيام بعمل ما، فذلك يعني بالضرورة أنه لا يوجد عمل يصلح للقيام به حد الاعتياد.. الاعتياد.. العدو الأول للإنسانية لصالح الآلة.

2