في مديح الخطابات في العصر الرقمي

1

تدوينة: غادة محمد

منذ سبعينيات القرن العشرين باتت الهجرة المؤقتة إلى دول الخليج جزءًا من حياة آلاف الأسر في مصر، يصعب أن تجد أسرة لم يُهاجر فردٌ منها أو قريبٌ أو صديقٌ لها بحثًا عن دخل أفضل أو وظيفة عزت في بلده. خلفت تلك التجارب ولا تزال ميراثًا طويلًا ربما لم تُكتب بعد كل فصوله من التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وصنعت لغةً مشتركة بين آلاف الأسر من زيارات الصيف وطلبات الأهل وشراء الأجهزة الإلكترونية ورحلات المطار وشرائط الكاسيت التي تحمل صوت الأحباب والخطابات.

من بينها ربما تصلح الخطابات لسرد القصة أو بعضها إذ كانت على مدى سنوات وسيلة التواصل الرئيسة؛ فحتى إن توافر خيار المكالمات الهاتفية قصرتها التكلفة المرتفعة على الأعياد والمناسبات الهامة. كغيرها من الأسر، تردد أخوالٌ وجيرانٌ لي على الخليج. كان استقبال الخطابات وإرسالها حاضرًا دائمًا، في كل منها حكاية وصور وبطاقات ملونة، في كل مرة توزيع الخطابات الخاصة وقراءة الخطاب العائلي بصوت مرتفع ليسمع الجميع ويتخيل حال الأحباب بعيدًا في أرضٍ غريبة. شاركت في طفولتي برسومات وصفحات صغيرة أرفقها بخطابات الكبار، أحيانًا أطلب شيئًا على استحياء أو أحكي ما أعتبره جديرًا بالتسجيل عن مدرستي وأصحابي.

أحببت الخطابات، ربما كنشاط الكبار الذي يحب الصغار تقليده وربما لأنها جزءًا من ذكريات الطفولة وميراث العائلة. في فترات الدراسة الجامعية في العاصمة قررت مع صديقتي تبادل الخطابات في فترات العطلة باعتبار “الخطابات وثيقة تاريخية يصلح الرجوع إليها بعد حين” كما قررنا سويًا. كان هذا قبل نحو خمسة عشر عامًا وكانت المكالمات الهاتفية وحتى الهواتف المحمولة واقعًا يوميًا. على نحوٍ لا أفهمه تُخرج الكتابة مني غير ما أقوله حين أتحدث، كأنّ الكتابة حاسة منفردة لا تتصل بالكلام العادي، أظن أن بعض البشر كائنات تكتب أكثر مما تتحدث، ألسنا وحدنا من نكتب؟ ربما هو الوقت والتمهل الذي يجعل الكتابة أعمق وأجمل من الحديث، ولا سيما مع نصٍ تكتبه وتنظر إليه وتُعدل وتتركه وتعود إليه، وليس جمل تُصاغ في ثوانٍ في المحادثات اليومية العابرة.

ربما هو ذلك، العبور، ما نقوله يعبر منا سريعًا كأنه يطير في الهواء لا نحفظ منه سوى قليلًا وإن كنا أحيانًا نلوم أنفسنا ويلومنا آخرون على كلمات ما كان ينبغي لها أن تُقال. ربما لأننا حين نكتب عن حدثٍ ما نكتب بعد بعض الوقت، والوقت دائمًا يفرض بعض التوقف للتأمل والحكم على ما حدث لنا أو منا.

مضت أعوام وتوقفت عن إرسال الخطابات إلى صديقتي ورغم تعدد خيارات التواصل أكثر من ذي قبل، شيء ما غاب عن الصلة الوثيقة القديمة المحفوظة بخطاب كل شهر أو أقل.. صارت المكالمات عابرة بعكس الخطابات التي أسمع فيها صوتها أقوى وأوشد وضوحًا من مكالمات الهاتف. بعدها صرتُ جزءًا من دائرة الغربة بإقامة في بلادٍ بعيدة وحيدة، وتساءلت إن كنت سأجد ما أكتبه لأهلي إن كنت أحدثهم كل يوم تقريبًا.. للعجب وجدت نفسي ما إن أكتب البسملة حتى تتدفق الكلمات والصفحات، حتى التحية تختلف ويحمل السلام طعما آخر كل مرة، ظننت أنني أحكي كل شيء لهم وليس لدي ما أقوله، لكن وجدت أن هناك ما هو أهم وأبقى من أحداث الأيام العابرة والكتابة تحديدًا يمكنها أن تصل عميقًا وتُخرجها. أحيانًا يمضي الحديث للورق نفسه والجو وأجد ذاكرتي تعود إلى حكايات قديمة أجهل أصلًا أنها لا تزال في الذاكرة المزدحمة.

ربما وظيفة الخطابات في العصر الحالي ليس طمأنة الآخرين على الأحوال ونقل أخبار الميلاد والموت وما بينهما، فالوسائل الأحدث أكثر فعالية ويسرًا. إنما الخطابات تُشبه التحليل الإخباري الذي يُسلط ضوءًا على ما حدث ويحدث فنراه أفضل، الكتابة تتطلب وتسمح ببعض التفكير في الكلمة الأمثل. جمال الخطابات ليس في بقاء الورق بعكس جزيئات الصوت المسافرة عبر الهواء، فكل البقاء في عالمنا نسبي طال أم قصر. جمال الخطابات في الصلة الشخصية والوقت الذي تستغرقه الكتابة وترقب أن يصل الخطاب ويقراه من تحب ويجيب سلامك لتسمعه بقلبك. دومًا ستسحرني الخطابات، كتابتها ووداعها واستقبالها.

1