ماذا تصنع بنا يا تَمُّوز

2

تدوينة: عبدالله اليعقوب

مقالي هذا هو عزاء لي ولأصدقائي ولكل قارئ قد يشاطرني الخاطرة ويشاركني العاطفة.

يوم أعلنت نتائج الثانوية العامة، ظهرت للسطح خيارات إكمال الدراسة الجامعية، حيث كان للكل حلم يريد تحقيقه وغاية يرجو إليها الوصول. والكل يبحث عن الجامعة التي ستكون منصة إطلاق لأحلامه الواعدة. كانت هذه أولى علامات التشتت وتوزع الأصدقاء في هذه الأرض الواسعة. لم نكن في وعيينا الكامل حينها وكنا سعداء برسائل القبول من الجامعات، والكل يتجهز للمرحلة الجديدة ويأذن بالرحيل إلى فرصة البحث عن الذات وحلم الاستقلال ودخول عالم الكبار، ولم تخطئ الأخبار التي كانت تبشر بالحياة الجامعية بعد المدرسة. انتقاء الأصدقاء كان السمة المميزة، فهناك حيث الثقافة تجمع والثقافة تميز والثقافة مصدر العلاقات والصداقات المتميزة، وهناك حيث تنتقي من هم حولك من تتناسب معه ويميل إليه هواك. كل هذا كان كفيلا ولو مؤقتا بأن يغطي على فراق زملاء الدرب واصدقاء المدرسة. كانت العلاقات الجامعية عابرة للأعمار غير مكترثة بالجنس أو العرق وكان لهذه الصداقات الأثر الأكبر في بلورة شخصية الفرد منا وصقل مهاراته وإكسابه خبرة حقيقية ودفعه للأحسن. لكن كان لهذا الميزة الفريدة توابعها المؤلمة.

تموز كان شهرا يرمز للفرحة والسعادة، كانت العيون تلمع لذكره كأنك تذكّر عاشقا بمعشوقته، فهو افتتاحية الإجازة الصيفية التي نكون في شوق دائم لها بحثا عن المتعة والسفر وقضاء كل الوقت بعيدا عن النظام التعليمي والالتزام المدرسي، أيا تموز، يا حرية! يطل تموز مجددا كما يطل كل عام ليتلو على الملأ بيان سريان مفعول الإجازة ونهاية أشهر الدوام. ولكنه هذه المرة جاء مختلفا، على وجه لم نعهده من قبل! كان متجهما وقد استُبدلت إحدى يديه بخنجر حاد، حتى إذا ما وصل إلينا، احتضننا، ولكنّ حضنه كان مؤلما وسبب لنا جرحا غائرا في القلب، لقد تخرج الأصدقاء! تخرج ممن كانوا في المرحلة الأخيرة، تخرج الذين لم نمكث معهم غير عام واحد، عام واحد ولكنه كان غنيا بالمواقف والأحاديث. لقد كنا ننظر إليهم بعيون واسعة ملؤها الاحترام، كانوا نخبة في العلم والأخلاق وخبرة ينهل منها. لقد مر شريط الذكريات ومع كل ضحكة وكلمة نتذكرها ينزف الجرح أكثر، وهذه لم تكن سوا حالنا بعد السنة الأولى، ومع كل عام يزيد عدد الأصدقاء ويزداد الألم مع كل فراق. كل السنين في كفة وأخرها كانت في كفة ثانية.

أما السنة الأخيرة، سنة تخرجنا، فقد كانت هي الأشد وطئه. أصدقائنا ممن كانوا معنا في نفس الدفعة ممن كبرت عقولنا معا واكتسبنا الخبرات معا، وممن كبرت أحلامنا وممن تشاركنا معهم كل شيء وفي كل شيء. لقد كان الزمن كفيلا بتخفيف البعد عن البعض من السابقين، لكن هؤلاء كانوا ممن امتلكوا من القلب جزءا كبيرا، فإن الجرح لا يندمل بغيابهم أبدا فقد تفرقوا وتفرقت معهم أجزاء من قلوبنا، لقد انتزعها منا تموز بشدة. ماذا تصنع بنا يا تموز!

كل شيء يذكر بهم، أحاديثنا المسلية فناجين الشاي وحواراتنا العقيمة، ورحلات الجبل والصحراء، سهرات الأفلام وحفلات الشواء ومحاولات الالتزام بنظام صحي، وكل مكان زرناه سوية وكل شيء كنا فيه شركاء. يا أصدقائي البعيدين! كيف لم ننتبه إلى هذا؟ كيف جرتنا الدنيا وشتتنا؟ وألهتنا الظروف وفرقتنا؟ وقتها فقط، تذكرنا أصدقاء المدرسة وكم أهملنا في حقهم حين لم نبقِ على بعضٍ من حبال التواصل معهم، وذبلت مع الوقت أغلب عواطفنا تجاههم. ولا أقدر على الملامة فكلّنا مقصرون وكلنا محمّلون بالمسؤوليات ومرهقون. يا أصدقائي القريبين البعيدين! إن الخطوط المتوازية تمتد معا إلى اللانهاية دون التماس أبدا، أما الخطوط المتعامدة فهي تتقاطع في نقطة ثم تكمل طريقها ولا تلتقي بعدها أبدا. يا أحبابي اللطفاء! كانت الجامعة رمز محبتنا ونقطة التقائنا، ويا أيها الرفاق! إن لنا قلوبا تحن إليكم، فلا نبخل على بعضنا بنقاط اللقاء.

2