نظرية التطور والنظرة القرآنية للخلق

نظرية التطور والقرآن
2

الإيمان بنظرية التطور يعني الإلحاد

هذه إحدى أكثر العبارات المغلوطة التي تُقال حول نظرية التطور، فحالها كحال العبارة التي تقول (حسب نظرية التطور الإنسان أصله قرد)، وإنما ترديد مثل هذه العبارات يدل على عدم فهم النظرية وعدم معرفة أساسياتها، فلا ربط بين نظرية التطور والإلحاد؛ خاصةً وأن النظرية لا تفسر كيف نشأت الحياة بل تفسر كيف تنوعت. وهنا لسنا بصدد إثبات وجود النظرية وفعالية إثباتها للتنوع وأدلتها، بل إثبات عدم تعارضها مع القرآن الكريم، حيث يوجد بالقرآن الكثير من الآيات الكريمة التي قد يكون بها إشارة إلى النظرية.

وعندما نقول نظرية التطور فإننا نقصد أن الحياة تنوعت عن طريق التطور، والمقصود بالتطور هو تغير صغير عادة في المادة الوراثية الخاصة بعشيرة من الكائنات، والتي يؤدي تراكمها إلى إمكانية تشكل صفات وأنواع جديدة، حيث يشير التشابه بين الأنواع إلى انحدارها جميعًا من أصل مشترك، ومع حدوث الانقسام بدأت أنواع مختلفة بالظهور بشكل تدريجي.

قال تعالى: (قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ) (العنكبوت/20) ففي هذه الآية إشارة واضحة إلى أن أسرار بدء الخلق محفوظة وموجودة في الأرض بل ودعوة إلى اكتشاف كيفية بدء الخلق عن طريق البحث في الأرض، وهذا يؤكد عدم تعارض القرآن مع نظرية التطور حيث أن أساس اكتشافها والتأكيد عليها كان عن طريق الأحافير المحفوظة في الأرض، وإن قلنا بالخلق المباشر فكيف يدعونا الله إلى البحث عن بدء الخلق في الأرض؟!

وقال تعالى: (وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ) (النور/45) من هذه الآية نفهم أن الدواب كلها مخلوقة من ماء أو أن أصلها من ماء وهذا ما أثبته البحث الذي نشر كمقال في موقع جامعة أوكسفورد الأمريكية حيث أوضح أن أصل الحياة والحمض النووي الأول تكون في مزيج من الطين والماء، وهذا أيضاً يتناسب مع قوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ مِن طِينٍۢ) (السجدة/7)، ومن الآيات التي تؤكد على أن خلق الإنسان تم في الأرض قوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيْهِ) (هود/61)  ففي هذه الآية يؤكد الله تعالى أن الإنسان خُلِق من الأرض وهذا يتناسب مع البحث الذي أشرنا إليه سابقاً.

وقال تعالى: (وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ) (البقرة/164) كما قلنا إن الكائنات أصلها الحمض النووي الذي تكون في الطين فإن الله -سبحانه وتعالى- يقول في الآية السابقة إنه أنزل الماء من السماء وتبعاً لذكره لذلك قبل ذكره خلق الدواب نفهم أن إنزال الماء من السماء حصل فعلاً قبل خلق الدواب، وتم تأكيد ذلك من الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم حيث نشرت ما مفاده أن المياه التي على الأرض أتت من نيازك اصطدمت في الأرض في وقت مبكر من تشكلها ومن ثم تكون الحمض النووي الأول في الماء والطين.

وأيضاً قال تعالى: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ) (الأنعام/133) هذه الآية توضح لنا أن البشر قد أتوا من قوم قد سبقوهم، وكذلك قال سبحانه: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) (نوح/14) من هذه الآية نعلم أن البشر قد خلقوا على أحوال فقد يكون المقصود بها أثناء تكون الجنين وقد يكون المقصود ما يتناسب مع نظرية التطور وقد يكون المقصود كلاهما.

وقال تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَٰنِ مِن طِينٍۢ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ مَّهِينٍۢ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ) (السجدة/7-9) في هذه الآيات ذكر صريح للنظرية حيث قسمت خلق البشر إلى مراحل، في البداية الخلق من طين ثم (استخدام ثم يدل على وجود فاصل زمني طويل) التكاثر وحدوث عملية تزاوج ثم سواه وأعطاه السمع البصر والفؤاد بعد أن سواه ونفخ فيه من روحه، وذكره للبصر والفؤاد بدلاً من النظر والقلب بليغٌ وفيه تأييد للنظرية، لأن نعمتي النظر والقلب كانتا موجودتان عند أجداد البشر أما البصر والفؤاد لم يكونا موجودتان إلا لدى البشر، وهذه الآية توضح أن البشر كان قبلهم سلسلة من تكاثر وتزاوج ثم بعد هذه السلسة تميز البشر عن أجدادهم بالقلب والفؤاد، قد يقول البعض إن هذه الآية المقصود فيها البشر ما عدا آدم فهو استثناء، قال تعالى: (فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ) (ص/72) عند ضرب هذه الآية بالآية السابقة يُرد على الادعاء السابق ونعرف أن حتى آدم نفسه قد كان هناك عملية تكاثر وتزاوج قبله.

قال سبحانه: (لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍۢ) (التين/4) في هذه الآية كلمة أحسن عبارة عن صيغة للمفاضلة حيث معناها أفضل وكلمة تقويم معناها تعديل، إذاً يكون معنى الآية في لقد خلقنا الإنسان في أفضل تعديل، وهذا ما يتناسب مع نظرية التطور حيث التطور بمثابة تعديل للكائن، هذه الآية يستعملها البعض لدحض النظرية ولكن الواقع بخلاف ذلك كما بيّنا. 

ويجب أن نوضح أن نظرية التطور لا تعارض وجود نبي الله آدم ولا تعارض أيضاً كونه أبا البشر، فقد نشرت الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم بحثًا تقول فيه إن البشر الموجودين حالياً جميعهم يرجعون إلى أب واحد وأم واحدة، والذين هم من وجهة النظر الدينية آدم وحواء.

وفي الختام أود أن أوضح أن الغرض من هذا المقال والبحث ليس إثبات تأييد القرآن للنظرية بل إثبات عدم تعارض النظرية مع القرآن، أنا لا أجزم أن معاني الآيات التي ذكرتها هي المقصودة واقعاً؛ لأن من الخطأ الجمع بين الدين والعلم، فالدين ثابت دائم أما العلم فمتغير متطور، فما هو صحيح اليوم قد يكون خاطئ غداً ولنا في ثبات الكون وتوسعه عبرة، وأيضاً أساس الإثبات في الدين مختلف عن العلم، فالدين يعتمد على ما هو نقلي أما العلم يعتمد على التجربة وما هو محسوس فقط.

مصادر المقال: 

[1]

[2]

[3]

2