هل سيركض جبران خليل جبران خلف دور النشر حاله كحال مئات الروائيين العرب هذه الأيام؟

1

اعتدت على الكتابة بشكل يومي مؤخّرًا، لا يمضي يوم إلا وأدوّن بضع صفحات هنا وهناك ثم تذهب أدراج الرياح أو ربما أحذفها كما نزيل أشيائنا المبعثرة عن السرير قبل ترتيبه في الصباح الباكر ولكن للأسف بعض الأفكار تعلق بشكل سيء لا تفارقك حتى تكتبها وتنتهي منها بسلام، ما دفعني إلى هذه الفكرة هو دفاع الناس المستميت عن شخصيات عربية مثل فيروز وجبران خليل جبران شخصيات عربية استثنائية يقولون أنها لن تتكرّر آبدًا ما حيينا، شخصيات عربية من ذوات الحظ الجيد وهنا أذكر مقولة اعتدنا على سماعها مؤخّرًا بكثرة “لن تنجب البلدان العربية مثل نجيب محفوظ إلّا كل مئة عام ” ربما علينا الانتظار مئة عام أخرى حتى نرى فيروز جديدة ولكن أنا آسف يا أصدقاء في كل يوم جديد هناك نجيب محفوظ وجبران وفيروز ولكن للأسف لا نراهم آبدًا.

روائي روسي رفض "نوبل" بسبب دكتور زيفاجو | أحمد مروان | MEO

نرى حولنا أفضل من جبران ربما ولكن  إليك ما حدث، بدأت حكايتنا مع بداية القرن العشرين 1900 إلى 1950 على وجه الخصوص السنوات العجاف في منطقتنا العربية  يخرج المستعمر التركي ليدخل آخر فرنسي وإنكليزي رحلة طويلة من الحروب وقصة من قصص المعاناة التي روتها لنا إحدى الجدّات في ليالي الشتاء الباردة، كانت السمة العامة لتلك السنوات الطويلة ظلام دامس وضع اقتصادي لا يُقارن باقتصاد اليوم طبقات اجتماعية مقسّمة تقسيمًا بغيضًا وغيرها الكثير من التفاصيل الحزينة حول تلك السنوات الغابرة وفي سياق متتابع لم نرى ذلك المجتمع المتعلّم مقارنًة بعالم اليوم بل رأينا أناسًا كان لهم وصولًا للموارد على اختلافها ربما بسبب العائلة أو الوضع الاقتصادي الجيد أو ربما كانت الصدفة وفي الجانب الآخر أناسًا لم يحالفهم الحظ ولم يكن الوصول إلى هذه الموارد متاحًا بالنسبة لهم، نرى مثلا الجرائد أو الهواتف فقط في منازل محدّدة وذلك في معظم البلدان العربية، في هذه الأثناء كان التعليم كغيره من القطّاعات المهملة قلّة قليلة من الناس يعملون جاهدين على إنهاء تعليمهم المتوسط أو العالي ويمكننا رؤية هذه القلّة القليلة بوضوح وهذا ما حدث مع جبران وغيره من روائيي ومفكّري تلك الحقبة التاريخية.

عندما تتعلّم القراءة والكتابة واللغات الأخرى مثل الإنكليزية والفرنسية في 1900 أو 1925 فأنت في الواقع مؤهل لقيادة الناس من حولك حيث يمكنك المقارنة ويمكنك الموازنة بين الأشياء وعلى ضوء ذلك يمكنك اتخاذ رأي واضح حيال قضية معيّنة والإعلان عن هذا الرأي بفخر في الصحف والمجلّات أو ربما طباعة كتاب خاص بك، ممارسات قليلة كهذه وستجد نفسك بين روّاد هذه الحقبة الجميلة، لم يشتهر جبران لنبوغه الفكري والسياسي فقط إنما الحالة والظروف كانت مناسبة إضافة إلى وجود مهارة لغوية جميلة أي على الرغم من الحالة المواتية للظهور في تلك الحقبة فإن افتقدت المهارة لن يفيدك أي شيء آخر، نعم كانت الظروف مواتية لراوي شاب يدعى جبران فهو في سن الشباب موهوب متعلّم قادر على القراءة والكتابة ولديه مهارة لغوية جميلة وفي ظل فقدان المنافس فأنت حتمًا هو في المقدمة، دعونا نبتعد قليلًا عن روّاد القرن العشرين ونذهب في رحلة سريعة إلى روّاد القرن الواحد والعشرين ستيف جوبز وبيل غيتس آباء التكنلوجيا ومثلها الأعلى. 

The saga of the strange love-hate relationship between Bill Gates ...

ألم تلاحظ وجود تشابه بين هذه الشخصيات والقصص؟ فيروز وجبران من جهة وستيف جوبز وغيتس في المقابل، في الحقيقة هي القصة ذاتها ولكن في زمان ومكان مختلف، تجارب تقنية خجولة في بلدان معدودة على أبواب القرن الواحد والعشرين، بلدان مؤهّلة ومناخ مناسب لبروز التقنية تعليم متميّز في جامعة هارفرد ومهارة جميلة نفس العناصر تمامًا هي التي جعلت بيل غيتس  كما نراه اليوم ولكن هل سينجو جبران في 2010 أو 2020؟

هذا السؤال الذي بدأ يراودني مؤخّرًا كلما قرأت مقالًا أو قصة لأحد المدوّنين العرب، هناك مهارات لا تقدّر بثمن هذه الأيام وقد تتجاوز جبران بمراحل ولكن ما كان لازمًا للهيمنة في 1900 أو 1930 لم يعد متاحًا اليوم للأسف فلا أعلم حتى لو وُجِدَ جبران ذاته في هذا الوقت إن كان سيحقق نجاحًا مماثلًا أو شبيهًا حتى بإنجازاته الماضية ولا أعجب أبدًا إن رأيته راكضًا في حقيبته بعض القصائد والروايات منتظرًا في الطوابير خلف أبواب دور النشر حاله كحال معظم الرواة العرب اليوم؟

في الحقيقة سؤال صعب جدًا ولا أعلم تمامًا إن كان بإمكاني المقارنة دون الخوض في جدالات مؤلمة  مع آلاف وربما ملايين المعجبين بعمل أدبي مثل النبي أو الأرواح المتمردة ولكن للمقارنة أهمية قصوى هنا وذلك للعديد من الأسباب، للإجابة على هذه الأسئلة التي بدأنا بطرحها اليوم، جبران شاعر وروائي أعظم أعماله كانت في منتصف الثلاثين من عمره لا وجود للمنافسين بيئة مناسبة وخصبة ومتعطّشة لأفكار حقيقية جميلة ثورية وقصص غرامية تشبه قصة جبران ومي زيادة ربما يمكننا رؤية جبران كمارك زوكربيرج عام 2010 رائد من روّاد الحركة الفكرية ولكن اليوم لا يمكنك أن تكون جبران 2020 بسهولة بوجود منافسين أشدّاء مثل إيلون ماسك مثلا!

Being really rich doesn't make you clever – as Elon Musk has so ...

 يعتبر إيلون ماسك اليوم أيقونة القرن وقد شكّل هذا المبتكر الأمريكي الحالم الذائقة العالمية حول الإبداع والابتكار فلا يمكننا تخيّل روائي أو مفكّر يقتحم هذا المكان ببساطة فمن يجلس على هذا العرش له شكل معيّن أو من الأفضل تسميتها سمات القرن تقني مثلًا رائد أعمال صاحب شركة ناشئة قادر على اقتناص الفرص والأهم من ذلك الحلم والحلم والحلم هذه هي سمات العصر الحالي وإن حاولنا مقارنة جبران جبران بهذه السمات للأسف ربما قد تكون درجته النهائية صفرًا لا نعلم لكنّه بعيد جدًا عن التصنيف الحالي قد يرى معظمكم أن رأيي مجحفًا بعض الشيء ولكن تعالوا نعود إلى الخلف قليلًا.

ولد جبران في 1883 وتوفّي في عام 1931 عن عمر يناهز الخمسين عامًا تقريبًا تاركًا خلفه مئات الأعمال الأدبية والفكرية والمؤلفات إضافة إلى شهرة ذائعة الصيت وقائمة طويلة من الإنجازات والمشاعر المسجّلة ولكن في المقابل منذ عام 1950 لم يأتي جبران آخر على الرغم من وجود شخصيات جميلة ولكن لم تصل إلى ذلك التأثير الذي حصده جبران وذلك ببساطة لأن شكل الحياة قد اختلف مع نهايات القرن العشرين، ربما فيروز وصلت إلى مكان ممي!ز وذلك لأنها تواجدت في أواخر القرن العشرين وكانت وسيلتها الصوت والمشهد بوجود مسرحيات مصاغة بمهارة عالية مع بداية دخول أجهزة التلفاز والراديو إلى المنازل “الظروف مرة أخرى” وربما كانت آخر الناجين ولكن منذ عام 2000 وحتى اليوم لن نرى جبرانًا آخر ولا فيروز أخرى للأسف فقد تغيرت المعايير حقّاً ولو أتت فيروز في سنواتها العشرين الهادئة إلى شوارع بيروت اليوم لن تنجو ولن تحظى بذلك الاهتمام الذي حصلت عليه مع نهاية الثمانينيات ربما نراها تلاحق المنتجين والمخرجين راجيًة حصولها على فرصة خجولة لتجربة صوتها على مسرح الحمراء ولكن للأسف لن تحصل على تلك الفرصة بسهولة حالها كحال مئات الممثّلين وخرّيجي المعاهد المسرحية والموسيقية اليوم!

تغيّرت الاشياء يا أصدقاء وما كان يعمل البارحة لن يعمل اليوم وإن كان جيدًا وصالحًا للعمل لن يعمل بالقواعد ذاتها وهذا الحديث ينطبق على معظم مفكّري تلك الحقبة للأسف، قولوا وداعًا إلى بيّاع الخواتم والأجنحة المتكسّرة خبئوا هذه الأعمال جيدًا واحتفظوا بها بعناية إن كانت تثير اعجابكم أخبروا أطفالكم عنها وقصّوا عليهم قصّة هالة والملك لأنها لن تصل إلى أيدي أحد ربما بعد عدة سنوات، ما هو الشيء القادم؟ لا أعلم أبدًا ولكن أتمنى أن يحظى الكتّاب والروائيين اليوم بذلك الاهتمام ولكن عمليًا يعتبر ذلك بعيد جدًا عن المنطق وربما مستحيل!

 



1