لمن لم يكن يعرف أحمد خالد توفيق..كي لا تستغربوا حزننا

أحمد-خالد-توفيق
2

“و شعرت بأن فى روحى ثقباً.. ثقباً يتسع..و يمتص كل ذكرياتى و حياتى و أحلامى..
وددت لو كان شخص أعرفه بقربي..أحكى له كل شئ..أقص عليه حكاية الثقب”

هذه التدوينة موجهة للسوريين خصوصاً ولكل من لم يكن يعرف الدكتور عموماً، بما أن الكثيرين سألوني عن هذا الكاتب الذي أرثيه ولم يسمعوا عنه من قبل، ولم أستغرب هذا لأن رواياته وأعداد السلاسل الأولى لم تكن تصل إلينا في سوريا سوى في معرض الكتاب فكان من يعرفه قلة، ومازلت لا أعرف كيف تعرفت عليه الفتاة التي أعطت صديقتي أول ما قرأناه له، والتي بدورها أعطتني هذه الاعداد (أسطورة ملك الذباب والمقبرة ورونيل السوداء من سلسلة ماوراء الطبيعة)..فكان الأمر أشبه بالإدمان..لا تحتاج سوى إلى الجرعة الأولى كي تدمن كلماته وأسلوبه طيلة حياته.. كان لا بد لي من التعريف به…شخصاً وفكراً..وتأثيراً..

يحضرني هنا أيضاً صاحب مكتبة (الوليد) في حي المهاجرين الذي وجدت عنده أعداداً له وقرأت كثيراً من عنده، فكنت أستعير منه العدد بخمس ليرات لمدة غير محدودة وأحيانا أعيد استعارة الأعداد لأقرأها من جديد، فلم يكن يوجد عندي انترنت لأجد أي اقتباس له في الوقت الذي أريد.

في البداية كان غريباً أن يسمعني أحد أضحك وأنا أقرأ ثم اعتادوا الأمر، لابد من ابتسامة عريضة أو ضحكة مفاجئة وأنا أحمل الكتيب في يدي وأغيب به في عوالم الخيال والأساطير.

ربما لا يهمكم كل هذا، لكني أحاول أن أشرح العلاقة الشخصية بيننا وبين تلك الروايات، رفعت اسماعيل العجوز الأصلع (كقلم الرصاص) النحيف (كأعواد المعكرونة)..علاء عبد العظيم النسخة الشبابية من رفعت اسماعيل، الطبيب في وحدة طبية في جنوب افريقيا، الشاب المتحمس المتهور والذي يزج نفسه في المشكلات حتى صارت تلاحقه لو لم يبحث عنها، خليط من السياسة والمغامرة والطب وماوراء الطبيعة..مزجه في كأس وقدمه لنا في سلسلة سافاري والتي لم يكملها للأسف..عبير في سلسلة فانتازيا، الفتاة العادية جداً والتي لا يميزها سوى أنها تقرأ كثيراً، كثيراً جداً حتى تصادف مبرمجاً مخبولاً يقوم باختراع جهاز لتعيش مغامرات من صنع خيالها وما قرأته.

كتيبات كان ما يميزها صغر حجمها، أسلوبها السلس والممتع والرصين بذات الوقت فلا يبدو مبتذلاً مثل قصص الأطفال في كتب القراءة في المدرسة..ولا معقد مثل روايات العقاد..معلومات لا حصر لها عن كل شي..أدب..فن..أفلام..أدباء..طب..أساطير..والكثير من الطب والأدب..

والأهم برأيي حسب قوله أنها كتيبات لا يخجل أن يرى ابنته تقرؤها، وربما هذا ما جعل القراء يعتبرونه الأب الروحي لهم، يأخذ بيدهم في طريق الحياة والأدب، ويخاف عليهم ولا يمنعه شيء أن يكون بطله إنساناً مسلماً بشكل واضح، طبعاً هذا لم يجعل الطوائف الأخرى تحجم عن القراءة له.

خلال أكثر من مئتي عدد تحدث الدكتور عن كل شيء في الحياة، وكل أمر له فيه التفاتة أو ملاحظة أو نكتة..لا يمكن أن تمر بحدث أو شعور معين دون أن تربطها بكلمة أو عبارة من عباراته.

كبرنا معه، وكبرت معنا رواياته وقدم لنا أولى إبداعاته (يوتوبيا) وقد أيقن أن القراء صاروا قادرين على قراءة هذا النوع من الروايات والتي قدم فيها نموذجاً لإحدى المدن في عام 2023، ولسنا ببعيدين عن الوصول إلى ما تحدث عنه فيها للأسف، وتتالت المجموعات القصصية والروايات وكانت كلها تدور في فلك الفانتازيا وماوراء الطبيعة.

لن يسعني المقام هنا كي أتحدث عن كل ما قدمه، لكن كما يقال (اللي بيعرف بيعرف واللي ما بيعرف بقول..)، فلا تستغربوا حزننا عليه، وكما في كل حدث مهم ننتظر منه مقالاً يخبرنا عن رأيه الذي لم يجامل به أحداً يوماً ولم ينافق سلطة أو شعباً…لكن هذه المرة لن نعرف رأيه ولن نقرأ له مجدداَ..وربما كان من رحمة الله به أنه توفاه قبل أن يرى يوتوبيا متجسدة أمامه…

رحمه الله وجزاه خيراً عن الشباب الذي جعلهم يقرؤون، فقد كان له ما أراد وتحقق حلمه الذي تحدث عنه يوماً.

2