الفاصولياء والمكتبة

صفية الشحي
0

لا أدري ما الذي تمثله لكم المكتبة، ذلك الركن الذي يتمدد طبيعيًا ودون قصد من صاحبه، ألا تبدو لكم كشجرة الفاصولياء العملاقة في القصة التي أصدرها الناشر الإنجليزي بنيامين تابارت عام ١٩٠٧؟ وهي في الأصل حكاية خرافية تدور حول مقايضة الواقع بالسحر، الحجر بالفكرة والبقرة بالفاصولياء.

كم هي ملهمة خرافاتنا التي نتناقلها جيلًا بعد جيل، ولكاتبة تَدّعي أنها تؤمن بالسحر وتتعاطاه من خلال الكتب، بدا لي الأمر أشبه بالغضب ثم الثورة التي تحدثها قلة الحيلة أمام هذا العالم المغلق بمفاتيح ابتلعها المارد قبل أن يغوص ويستقر في بطن المحيط، أو ربما خطفتها من أمام الوعي الشارد ساحرة تنشد الشباب الغض بين الغيوم.

هناك لحظة فارقة بل لحظات تمر بالوعي الإنساني، فأن يرسلك الغضب بفكرة هزيلة لتقف أمام فلاح يعيدك مبتلىً بنشوة الحصاد، أو أن تطردك الخيبة إلى سريرك فتتقلب على جمر السؤال، لتستيقظ بعد أن اختمرت الخطة، وتكتشف أن البذرة التي أودعتها في باطنك العاقل تمددت على حين غفلة وأورقت ذهبًا، تلك هي قفزاتك الحقيقية بين الصفر وخط النهاية.

ولكن مهلًا هل تكتفي بالفاصولياء أم تبحث عن نخل وورد؟ أليس من حقك أن تبتدع خيالك الخاص وفكرتك الأثيرة؟ فتعود إلى مكتبتك وتعربش على رفوفها، وتفكر ما الذي تحتاجه لتولد من جديد؟ هل تقلم كتبك القديمة، تقطع غصنًا وتعيد غرسه في قلبك، هل تودع كتاب المراحل التأسيسية أم توثق الروابط لتفهم أسرارهم التي كانت عصية على بهجة صباك؟

وماذا لو كنت ذو بصمة رقمية، كيف تعيد ترتيب أثاثك الوهمي؟ ما هي فرضياتك المثلى أمام طوفان آلاف الصفحات في محض جهاز؟ ألا يعيدك سؤال المكتبة الأول إلى جدوى الرحلة الساحرة منذ الأساس؟

ها أنت تقف حائرًا بعد أن ابتلعتك الورطة، فحولك “لا قراء” يتكاثرون كالعشب، وأنت ضنين ببذرتك وجذرك “البروستي” -نسبة إلى مارسيل بروست- ولو كنت بروست نفسه لما تورعت عن الانكفاء على معطفك وسريرك لتكتب قصيدة تفترش 3 آلاف صفحة، تثقل بها كاهل الجدوى بكل اعترافاتك.

هل تصلح رواية لتداوي رشحًا محتالًا، هل تنقذك من لص خفيف الروح، أم هل تشبع حسابك المصرفي اليتيم؟ والأخيرة ممكنة لو أنك كتبت عن مدرسة تخرج السحر أو بطل يحمل الأرض على كتفه وينوء تحت ثقل حكمة الزمن، كان ممكنًا أن تتكاثر دراهمك لو أنك فتحت حسابًا اجتماعيًا لبيع النبوءات ولكنك بالكاد تلف ورق القصيدة على جرحك الغائر وتتوكأ على طبيبتك الذاهلة في حواري سارامجو العمياء، وبعد ما الذي تمثله المكتبة لكم في عصر الرقمنة الفارعة؟ حيث لا عناوين تحكي لكم فحوى الرسالة، ولا موطئ قدم لتجار حبوب الفاصولياء السحرية؟

0