بوصلة الكبرياء المعطلة

2

تدوينة: عبد الله اليعقوب

تبدأ يومك بأخذ حمام دافئ ثم تأكل ما حُضر لك من فطور، ثم تفتح خزانتك لتختار ما يليق بك من ملبس يظهرك بصورة حسنة أمام الناس. تخرج من باب البيت فترفع رأسك قليلًا ويرتفع مع كبريائك الهائج، فتبتسم ابتسامة خفيفة تعبيرًا عن بداية انتصارك في المعركة. لكن هذه المعركة ليست سوى وهم والمعارك الحقيقة أصعب بكثير من أن تنفخ في بالون نفسك.

مع أول لحظات وصولك إلى مقر عملك أو دراستك، تبدأ بتوزيع نظرات عدم الاهتمام وتبدأ لغة جسدك ببث رسائل العظمة وقوة الذات ورفعة الشأن. ثم ما تلبث الأحاديث في البدء بالتشكل حولك من زملائك وحتى من مراجعيك، وفي كل جدال وكل إبداء رأي، ترى أن لا أحد يفهم شيئًا غيرك. وتتنفس الصعداء وتنفخ في كبريائك الغالي كثيرًا ويعلو رأسك أكثر وتكبر ابتسامتك أكثر. وقد تقول ما الذي وضعني مع هؤلاء، لم يبتليني الله بأناس لا يدركون شيئًا ولا يفقهون في الحياة؟! وتظل هكذا فترى كبرياءك صار يشبه تمثالًا عظيمًا لبوذا لم يعرف لحجمه في للتاريخ مثيل.

فإذا ما عدت للبيت، استُقبلت استقبالًا لطيفًا من أهلك وحييت على تعبك في هذا اليوم الطويل الشاق، فتغتر بذلك وتشعر بالفضل عليهم فيما تفعل في حياتك كأنما أوتيت هذا الفضل على علم من عندك! وأنت على طاولة الطعام أو جالس على الكنب أو مستلقٍ على سريرك، وقد أخذ كبرياؤك حجمًا يكاد يخنقك من حيث لا تشعر، ولسنا ننتهي من هذا اليوم إلا وتجد نفسك أمام أطراف حديث بدأت تتجاذب وآراء بدأت تبدى، ومجددًا تجد نفسك سيد الموقف سيد الرأي الراجح وفقيه الجالسين فتبدي رأيك وتسفه رأي المتواجدين حولك وربما كنت أشد على أهلك من زملائك كونك ترى نفسك ملكًا على بيتك وسيدًا على أهلك فتضحك بصوت عال هذه المرة. وتتكرر السمفونية ذاتها كل يوم.

وتكبر ويكبر معك الوهم وتصير إلى مستوٍ مزمنٍ من الغلو يصعب علاجه. وقد تسألني بعدها أين الخطأ في كل هذا؟! إن توقفنا دقيقة أمام سؤالك هذا وتأملنا فيه، ستجد ما يفهمك منه ما قد فاتك في حياتك وخسرته، وقد لا تبصر هذا ولن أستغرب، لأن كبرياءك الزائف قد حجب عن عينيك الكثير وربما يكون قد أعمى بصيرتك. والحقيقة الواضحة عن ذلك تجدها في ذاتك وفي نفسك. فإن سألتك سؤالًا بسيطًا وقلت: ما الذي صرت إليه خلال عمرك هذا؟ فستذهل لتجد أنك أنت، كما أنت ولم يتغير شيء إلا في تضاريس وجهك، وقد تكابر! وتنفخ في كبريائك أكثر وترد فتقول، وما يدريك؟!

أما أنا فلن أخسر الكثير من وقتي معك حاليًا، لكن تأكد أن الحياة ستعلمك الكثير حين تزلزل الأرض تحت عرشك المزعوم لتسقط فينفجر كبرياؤك المريض وتتفتح بصيرتك وتعرف وقتها كم فاتك من حياتك الكثير.

2