مجتمعنا والسخرية.. كيف بددت عزلتي التي سببها لي المجتمع

المجتمعات والسخرية
14

إن من الصعب جدًا لأي أحد أن يكتب عن حياته الشخصية ويخرجها للملأ ، فكيف لإنسان منعزل مثلي عاش في الظلام أن يخرج شيئًا من حياته إلى النور –ولا أقصد نفسي طبعا- ،لكننا أحيانًا نحتاج إلى الشجاعة لأن نتحدث عن حياتنا وعن لحظات ضعفنا، لا لكي يساندنا الناس  ويشفقوا علينا بل حتى نفخر أننا قطعنا كل الطريق الذي أوصلنا إلى هنا كجنديٍ خرج مصابًا من معركةٍ  انتصر فيها فحريٌ بالناس أن يفخروا بنصره لا  أن يشفقوا على إصابته .

كيف عُزلت ؟

بدأت قصتي في سنوات طفولتي الأولى ،في عامي الرابع حين شرع بعض أفراد عائلتي الظريفين جدا بنعتي  بألقاب تصفني (بذات الشعر المنكوش، كنفوشة، كبابة الشوك، وذات شعر يشبه السيفة) كل لقب من هذه الألقاب انتشر كالنار في الهشيم، حتى أصبح شعري المعرف الرسمي لي بدلا من اسمي، فحين يُسأل أحدهم عني لا يعرفني باسمي أو باسم أبي، بل يقولون أم الشعر المنكوش فيعرفني الجميع، أو حين ينسى أحدهم اسمي فيتذكر شعري ويقول بتعجب –أنت الي كان شعرك منكوش-  لم تقتصر هذه الألقاب على أقربائي البعيدين فحسب بل اتسع مداها حتى وصلت إلى معلماتي وزملائي في مدرستي في حِمص. لازلت أذكر ذلك الزميل الذي نعتني بالمعزة، ونبرة صوت تلك المعلمة التي لم يكن شغلها الشاغل سوى تسريحة شعري، وسؤالي عما إذا كنت أمشطه أو لا، ومباغتتي في كل مرة تراني فيها وحدي تأتي لتسألني وتحرجني، لكنها لم تتوقف هنا، فلعدة مرات تعمدت إحراجي ومضايقتي وإشعاري بالنقص أمام الطلاب، دأبها دأب المعلمات الأخريات اللاتي يستعملن أساليبهن المذلة مع الطلاب أتذكر هنا مشهد تلك المعلمة التي رفعت حذائها -أكرمكم الله- لتضرب طالبًا.

لكن شَعري لم يكن الشيء الوحيد الذي سبب عزلتي في سنوات طفولتي فقد كنت أيضًا لا أجيد الركض، كان هذا سببًا كافيًا لأن يرفض الجميع اللعب معي، فريق الفتيات يرفضن اللعب معي ويقولون نور إلعبي مع الصبيان فأنت لا تجيدين الركض ويردد الصبيان الأمر نفسه، إذًا رُفض اللعب معي وعُزلت مرة أخرى أخبروني ما الذي يتبقى من طفولتنا إن سُلب منا حق اللعب!، حاولت مرة أن أقاوم عزلتي، فاجتهدت بالدراسة لامتحاني حتى أنال رضا معلمتي تلك، وأثبت لها أني لست فاشلة ،حينها طلبت زميلتي ذات الشعبية أن أغششها بالامتحان وافقت بشرط أن تجعلني أتعرف إلى زميلاتها ذهبت معها لأفاجئ بأن صديقاتها طردنني بكل غرور وعدت مكسورة الخاطر.

إلى متى استمرت هذه المضايقات؟

خفَّت تلك المضايقات وقلت حدتها حين انتقلت إلى بلدٍ آخر، لكنها لم تنقطع بل توسمت بشيء من اللطف فقط، انقطعت تمامًا في عامي الدراسي السابع ، ليس لأن الجميع أصبح لطيفًا فجأة أو لأنهم أدركوا خطأهم، بل انقطعت لأني ارتديت الحجاب ،فلم يعد بإمكان أي أحد أن يرى شعري، ولا تجري طالبات المدرسة الإعدادية سباقات كدأب المدارس الابتدائية لذا توقفت تلك المعاناة التي استمرت لمدة ثمان أو تسع  سنوات!

وعلى الرغم من أنها توقفت إلا أن آثارها بقيت حتى الآن…

كيف أثر ذلك على حياتي؟

طوال سنواتي التسعة عشر كانت تراودني أفكار أن أحلق شعري من جذوره، لقد تولد لدي شعور بالكره تجاه قطعة من جسدي، الأمر الذي لا يخفى على عائلتي ،لكن والدتي كانت تعارضني باستمرار.

أما بالنسبة لموضوع الركض، فحتى الآن أخاف من أن أركض أو أسابق أحدٌ ما بالركض لأن كلمات أقراني ما زالت تتردد على مسامعي حتى الآن، وكأنهم يقولونها لي الآن، أخاف من حل الألغاز أيضًا، لأن معلمة ما نعتتني بالغبية. ربما أنا حساسة جدًا، لكن ما كتبته كانت مشاعر طفلة حاولوا أن تعودوا إلى أنفسكم في الرابعة وأخبروني كأطفال ما الذي يريده الطفل من هذا العالم سوى أن يكون محبوبًا ومرغوبًا به؟ 

حين أحسست أنهم لا يريدوني ابتعدت عنهم وانعزلت حتى عن أفراد أسرتي الصغيرة ،رفضوني فرفضتهم ،لأن كل لقاء مع أي أحد هو ساحة للسخرية والرفض حتى يثبت العكس، لم يكن وضعي طبيعيًا كان ذلك واضحا تمامًا، فقد كنت أبكي لأي كلمةٍ قيلت لي سواء كان المقصود منها سخرية أم لا، أيضا كنت أفسر أن أيَّ تصرفٍ من أي أحد أنني شخص غير مرغوبٍ به .

كان من الممكن أن يتسبب الأمر بمزيدٍ من الخسائر على كافة الأصعدة ،فقد كان محتملًا جدّا أن يحاول أحدهم استغلالي ويقوم بأذيتي كبيرًا كان أو صغيرًا ، لأني حين ابتعدت عن أقراني حاولت التقرب أكثر من عالم الكبار ، وكان من الممكن أيضًا أن أتحول إلى طفلة تقوم بأعمال عدائية تجاه نفسي أو تجاه الآخرين ، وليس صعبًا في الحقيقة على أي طفلٍ أن يقوم بإيذاء نفسه،فالمسلسلات وبرامج الأطفال تعج بأفكار كهذه ، ولا تستغربوا إن أخبرتكم أنني جربت ذلك أيضا  حين كنت في الثامنة .

من المذنب الحقيقي ؟

حسنًا بعيدا عن لغة أصابع الاتهام إلا أن الجميع مذنب ، أنا وعائلتي وأقربائي ومعلماتي وزملائي ، لأن أحدًا منهم لم يعلم ماذا يعني أن يكون الإنسان مختلفًا ،فكمجتمع عربي دُربنا على أن يكون كل إنسان مختلف أدنى درجة منا، سواء كان مختلفًا بالدين، أو الشكل، أو العقيدة، أو حتى بالآراء. إننا نحكم على أي أحد ليس مثلنا بالنقصان ،بعدم الرشد وعدم الأهلية لنكون نحن الأفضل دائما.. ولعلنا لسنا كذلك، ترى ماذا لو توقف أقربائي عن سخريتهم اللاذعة،وأخذت المعلمة موقفًا جديًا من أولئك الطلبة الذين نعتوني بتلك الألقاب ،ماذا لو ساهمت المعلمة قليلًا بزيادة شعبيتي بين  الطلاب؟

ربما لم أكن لأعاني كل تلك المعاناة، أنا الآن في التاسعة عشر من عمري، ومازالت الكثير من تلك المخاوف تراودني تجاه أي شيء، ربما كنت لأكون إنسانةً سليمةً أكثر ولدي علاقات أكثر، لكن من يعلم فربَّ ضارة نافعة.

بصيص أمل رغم كل شيء

رغم أن تلك المضايقات لم تتوقف حتى عامي الدراسي السابع كما أسلفت، إلا سنتي الدراسية الرابعة كانت أفضل سنةٍ في حياتي، ليس لأن المضايقات توقفت، لكني خطوت فيها خطوة شجاعة، وعرضت أول كتاباتي على معلمتي التي شجعتني واهتمت بي كل يوم على مدار عامٍ كامل، تلك المعلمة لولاها لم أكن  أستطع الكتابة لكم الآن، ولم يكن لشعور النقص لدي بأن يزول، فوجدت بالكتابةِ تسليةً لي، و بابًا واسعًا لأعود قليلًا للمجتمع الذي رفضني.

أين أنا الآن ؟

ربما لم أحقق شيئًا كبيرًا لأن سنوات عمري لم تسمح لي ذلك بعد، لكني فخورة بالأشياء الصغيرة التي فعلتها، فحاليًا أكمل روايتي التي بدأت كتابتها منذ أربع سنوات–صحيح أنها تأخرت كثيرًا لكني في كل يوم تتأخر به أتعلم فيه شيئا جديدًا أضيفه إليها-، وأحارب-حرفيًا- من أجل الحصول  على مقعد في كلية الطب.

كما أني فخورة بتطوعي مع جهة إعلامية لنشر أخبار الحرب السورية وأنا في عامي الرابع عشر، فخورة بكل المقالات والخواطر  التي نُشرت لي على صفحات فيس بوك، فخورة بكل نقاش ناقشته مع أحدٍ ما وتفاجئ من كوني صغيرة جدًا لأدخل في نقاش كهذا وأبدع به، أحببت مواقع التواصل الاجتماعي لأني حصلت فيها على الشيء الذي افتقدته بالعالم الواقعي، الأمر الذي زاد من عزلتي فعلًا. ولكني الآن لست تلك الطفلة الصغيرة ،أنا شخصٌ بالغ ولم يعد يرفضني الناس ،لذا علي أن أحاول من جديد العودة إلى أوساط المجتمع ،دون أي أحكام مسبقة ودون أن أشعر أبدًا أنهم يقصدون الإساءة إلي، فإن قصدوا ذلك، لي الحق بالرد أو التجاهل فنحن كائنات اجتماعية، نحب الحياة ونحب أن نكون محبوبين ،فلن تصنع لنا العزلة أي شيء سوى المزيد من الاكتئاب والحياة السوداوية.

14