العودة للملاعب قبل الثلاثين

العودة للملاعب قبل الثلاثين
5

تدوينة: دينا اللولي

بالأمس وجدت صعوبة في وضع طلاء الأظافر لنفسي بشكل صحيح متساوي من الجانبين لا شيء خارج الظفر، أصابتني الدهشة لأني كنت في الماضي بارعة في ذلك، تذكرت أيضًا أمر أدوات المكياج وكيف أصبحت لا أعرف نصفها ولا فيما تستخدم وأستعين بشقيقتي الصغيرة في حين مرّ وقت كنت مرشدة أصدقائي في ذلك، وقتها قفز إلى ذهني التوقف عن الاطمئنان لما كنت أستطيع عمله في الماضي، ما زلت بعد مرور سنوات أسلم بما كنت عليه من قدرات وخبرات وكأنها أشياء اكتسبتها للأبد كالقدرة على الكلام والحركة، ما زلت وأنا أبحث عن عمل حاليًا، أتعامل وكأني نفس الشخص عندما توقفت عن مجال الكتابة والإعداد وأصبحت لحدٍ ما ربة منزل حتى قبل أن أتزوج.

حدثت وقتها أزمة في مجال عملي في الأفلام الوثائقية بسبب الأحداث السياسية في مصر، تزامن هذا مع زواجي حين انفصلت تمامًا عن كل ما كنت أطمح له وقتها. لا أعرف ما حدث ولكن باختصار يبدو وكأن شيئًا ما أطاح بي خارج المسار تمامًا، قد أكون اخترت ذلك ضمنيًا واستسلمت أخيرًا لكل مشاكلي النفسية الخاصة بالقلق والخوف من الفشل والالتزام، المشكلة أني وقتها أيضًا لم أكن أعرف أين هي نقطة البداية، كنت متشككة فيما أنا جيدة فيه حقًا، ولكن على الأقل كان هناك بعض الإشادة بأني أمتلك قدرات جيدة، ولكن كل شيء يفسد بالإهمال، كل شيء له تاريخ صلاحية حتى لو كان به قدر من الهبة الفطرية، كل شيء كنت ماهرة فيه منذ كان عمري عشر سنوات بدون رعاية استمر بالاختفاء حتى أصبح ظلًّا باهتًا غير واضح المعالم..

الآن وقد تبقى لي عام حتى أبلغ الثلاثين، يصيبني الرعب الشديد أحاول العودة للملاعب، أقنع نفسي أن الأمر طبيعي وقد يحدث وأن المرء يستطيع أن يبدأ في أي وقت. للأسف حالي متشابه كثيرًا مع صديقاتي المقربات اللاتي لم يتحملن مثلي كل تلك الضغوط بأن يكونوا زوجات وأمهات وأن يكافحن في رحلة حياة عملية غير واضحة المعالم في مجتمع وعالم مثل مجتمعنا لا شيء به واضح؛ بيئة عمل في غالب الأحيان لا شيء بها يشجع زوجة وأم على المواصلة والتحمل، فالزوجة عندما تعمل في مجتمعنا تعرض استقرارها وحياتها العائلية للمغامرة في أغلب الأحيان وتضحي براحتها للأبد.

أقرأ الآن إعلانات الوظائف أفهم الكلمات ولكن لا أفهم متطلبات الوظيفة فعليًا، مسميات الوظائف في مجالي اختلفت؛ وظائف جديدة تستحوذ على الساحة، خاصة الوظائف التي تتطلب قدرةً على الإبداع والأفكار، كيف أعرف أن ما زال لدي بعض القدرة على ذلك بعد هذا الوقت؟ أحتاج إلى الاعتراف بأني لم أعد أكتب كما كنت لأني لم أعد أقرأ، اشتريت ثلاث كتب فقط في الثلاث سنوات الماضية. لم أعد أقوى على الاهتمام بما يحدث في العالم بشكل جاد وخاصة تفاصيل الأحداث السياسية والاقتصادية، لم أعد تلك الفتاة التي كانت تقرأ الصحف وهي في الحادية عشر.

الوقت يمر ولا نلتفت لما يمكن أن نفقده داخلنا ويتراكم الغبار عليه، ننتظر دائمًا الفرصة لنبدأ من جديد وكأن المشكلة في البداية فقط وليس فيما سنصبح عليه بعد فترة من الركود. كانت الأفكار تتزاحم في عقلي في الماضي ولكن كنت كثيرة التردد والكسل، الآن اكتشفت أن أفكاري أصبحت قليلة جدًا لأن حياتي إلى حد كبير أصبحت فارغة من الجانب العملي، وأصبحت كل تجاربي خاصة بالأمومة والحياة الزوجية والتعامل مع نوعيات ثابتة من البشر، لم تعد تلك الحياة المتزاحمة التي امتلأت بأشخاص من مختلف الاتجاهات في وقتٍ ما.

 أتساءل كثيرًا مؤخرًا: هل يجب أن يعيش الكاتب حيوات لبشر كثيرون غرباء عنه ليبدع؟ هل كل الخيال لا بد أن يقترن بواقع مثير يجب عليّ أن انغمس به فعلًا حتى أجدد أفكاري وخيالي؟ ومن أين لي هذا؟ وإن يكن فهذا غير متاح بشكل كبير للأسف، أريد مؤخرًا حضور الكثير من الفعاليات الفنية والثقافية ولكن لا أجد مكانًا أمينًا أترك به طفلتي أو لا أجد من يتحملها بنوبات غضبها بمتطلباتها ولا أستطيع اصطحابها، ما زلت لا أستطيع تحويل حياتي إلى هذا الشكل المفعم بالتجارب والحيوية، أريد أن أخرج من قوقعتي ولكن الظروف تعاندني بشكل كبير، هل لعائدة مثلي من البيات المنزلي أن تجد لها مكانًا من جديد.

 كل ما أستطيع عمله هو محاولة استعادة واكتساب قدرات فقط، وأن أتوقف عن اتهام حياتي الآن بالفارغة. كنت دائمًا في الماضي أبدأ من نفسي، تبدأ كل الحكايات من داخلي فلماذا لا أفعل هذا الآن؟ ابتعدت عن الحياة العملية لكن تكونت لدي خبرات واكتسبت بذرة لبداية ما يصنع شخصية الأم التي نكتب عنها دائمًا على مواقع التواصل التي تتميز بشيء غريب من القوة والحكمة، شيء من العواطف القوية لكل من حولها، تجربة الأمومة والزواج فقط قد يخرج منهما الكثير من القصص والحكايات الملهمة

سوف أكتب عن ما أمر به الآن من هزات ومحاولات مستميتة لتغيير واقع يختاره لي القدر ويؤكده كل من حولي، عن محاولاتي  للعودة مرة أخرى  للملاعب، عن محاولات أم وزوجة لمقاومة الكسل والخوف وشكل الحياة الضيقة الذى يحاول أن يفرض نفسه. إن كان لا بد من أفكار سوف أبحث عما أنا جيدة فيه الآن، أو ما أقرأ فيه كثيرًا: التغذية… التربية أو علم النفس والفن عشقي الأول والأخير بالطبع..

مدونات أراجيك

في مدونات أراجيك نتساوى جميعًا كقراء وكتّاب، حيث الكل يسرد قصته التي لمس منها درسًا مهمًا كان لابد من مشاركته مع الآخرين. لن نقدم لك نصائح أو معلومات أو أخبار، بل سنتلقى منك أيها القارئ العزيز تجاربك الملهمة في الحياة، والتي خرجت منها شخصًا جديدًا للعالم، وسنشاركك أيضًا تجاربنا لنتبادل المعرفة والفهم ونتعامل مع الحياة بشكل أنضج.

5