الشفقة بين النبل والوضاعة

الشفقة بين النبل والوضاعة
9

تدوينة: صفية عبد العزيز

يسمع البعض كلمة شفقة فلا يتوارد على خاطره سوى ذلك الشعور بالهشاشة والضعف لذلك الذي يستحق التعاطف عن جدارة، حتى ولو كانت الشفقة على نفسه، فالطبيعة البشرية ضعيفة بفطرتها وعدم فهمنا لحقيقة كوننا بشر كالإسفنج مثقبون بالعيوب، يجبرنا على إحكام القفل على ذلك القناع من المثالية والرسمية طوال الوقت، وربما الشفقة على أنفسنا تصبح أحيانًا جيدة عندما تجعلنا نتقبل الألم والمعاناة كجزء من الذات البشرية باعتبارها الجزء الشعوري والعاطفي من المعاناة.

مُؤكد، لا أحد يحب أن يُوضع في هذا الركن الضيق من الغرفة مُسلطةٌ عليه أضواء نظرات الأسف والتعزية، وفي عناق طويل مع المواساة والسلوى لأجل غير مسمى. ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الشفقة سيئة، ولكنه أيضًا يفتح أعيننا على أنواع أخرى منها؛ فلو نظرنا لمفهوم الشفقة عند شوبنهاور أو كما سماها بالرحمة، فقد قال عنها أنها فضيلة سامية وأن الإنسان يجب عليه أن يبدي الرحمة بشكل موحد، وذلك منافٍ لقسوة طباعه في الحقيقة، ولكننا في النهاية نؤمن بالنظريات وليس بمؤسيسيها.

أما مفهوم الشفقة عند نيتشه الذي ذكره في “العلم المرح”، سنراه يصفها بأنها فضيلة المنحطين، وقال أيضًا أن نحيا معناه أن نكون قساة وبلا رحمة لكل ما هو ضعيف وبالٍ فينا، أن نكون عديمي الشفقة تجاه المُحتضرين، البؤساء والعُجَّز.

لم ينجُ الرجل من الكراهية والسخط طوال حياته حتى من الملحدين، ربما كان محقًا لدرجةٍ لا يمكن تحملها في بعض الأحيان، ولكن شذوذ أرائه أحيانًا أخرى صرف الانتباه عن ذلك الفيل الذي يملأ الغرفة، ربما كان قوله عن الشفقة منحرفًا كالكثير من أرائه، ولكن الفلسفة ما هي إلا انعكاس لتجارب الناس، فالفيلسوف ليس إلهًا و لا معصومًا.

وتعدد تلك المفاهيم يجعل الاكتفاء بمفهوم واحد للشفقة ليس شموليًا بالمرة، فعلى اعتبار أن كل من نتعاطف معه يستحق فعلًا ذلك التعاطف؛ فنحن في هذه الحالة نتفق مع شوبنهاور ونبدي الرحمة بنية طيبة للجميع، ولكن ماذا لو من تعاطفنا معه يقوم باستغلال تلك الفطرة البشرية لتحقيق رغباته؟ ماذا لو تعاطفنا في الأوقات التي لم يكن يجب فيها أن نفعل؟ هل عندها سيظل شوبنهاور محقًا أم سيكون الشعور بالاستغلال والخداع هو المسيطر؟

قد أتخيل جرائم وفظائع لا حصر لها حدثت بسبب فقط التعاطف في أوقات لا مكان للعواطف فيها، أو أشخاص قاموا بأخذ قرارات مصيرية أو تقبلوا أوضاع مؤذية جسديًا ونفسيًا دمرتهم ببطىء حتى أصبح التعافي قرار شبه مستحيل، لأن شخصًا نرجسيًّا خبيثًا استعطفهم فقط لتنفيذ رغباته الملطخة بالأنا، ربما بعدها تجد جزءًا صغيرًا منك يتفق مع نيتشه، ليس الجزء الخاص بالقسوة أو أن الشفقة فضيلة المنحطين، ولكنه ذلك الجزء الذي يعترض على إبداء الرحمة بشكلٍ موحد..

في النهاية نحن من يجعل المستغلين والمتسلطين يفوزون في كل مرة، نحن من نضع رؤوسنا تحت فكوكهم ثم نندهش من الغدر كأنه لم يكن في الحسبان، نعتقد أننا نحن صانعي عرائس الماريونيت، ولكن في الحقيقة خيوطها تقيدنا من الألسنة حتى خلايا الدماغ، وتكون كل محاولات التخلص من تلك الخيوط تضعك في ركن قساة القلوب وعديمي الرحمة، لأنه لا أحد غيرك يعلم أن الشخص المتسلط يستخدم التعاطف كأداة لتحقيق مبتغاه وسلاح للدفاع عن نواياه حينما يوشك أن يُكشف أمره، حتى أن الشخص المتسلط أحيانًا قد لا يكون مدركًا لما يفعله؛ فتحقيق هدفه يجعله يتبع النظرية الميكافيلية “الغاية تبرر الوسيلة”.

لا أجد هنا داعٍ لسرد الأمثلة، ولكنها موجودة أمامنا بصورة يومية كاختزال القضايا الكبرى في أشخاص بعينهم وكاستغلال الفقراء والتشهير بهم لجمع تبرعات أكثر، والمتاجرة بأحلام الناس لتحقيق أهداف شخصية وهلُمَّ جرّا.

أما الشفقة في الأصل كفضيلة بريئة من كل هذا، بل قد تكون هي منبت الإنسانية وأول ما يجب أن نعلّمه للأطفال، ولكن الشفقة ليست سببًا بذاتها؛ فهي نتيجة للمعاناة الموجودة في كل مشهد بشكل يصّعب من فكرة تجنبها، وانفعالات الجنس البشري الفطرية تجاه المعاناة في الحقيقة هي ما تحدد معدن الإنسان فعلًا وهي ما تعطي للشفقة أكثر من معنى.

فعلى سبيل المثال لو شعرت بالحزن و عدم الراحة عندما رأيت شخصًا ما يتألم لفقده عزيزًا، هذا يسمى رأفة أو (pity)، وهي عدم القدرة على مشاهدة معاناة الآخرين بدم بارد أو الانحناء الشعوري لمستوى حزن الآخر، وهذا يعطيك شعورًا بالفوقية الشعورية لأن حالك أفضل من حال ذلك الشخص، وذلك الشعور ليس له علاقة بالحب، فأن تحب أحدهم شفقةً به فأنت لا تحبه فعلًا.

أما لو حاولت أن تتفهم مقدار الحزن الذي يعانيه الشخص أو كما يُقال أن “تمشي في حذائه”، فهذا ما يسمى بالمشاركة الوجدانية أو “sympathy”، وإذا وجدت نفسك مهتمًا بمشاطرة الآخر تعاسته ومتفهمًا بالفعل لما يمر به الشخص نظرًا لمرورك بنفس الموقف؛ فهذا يسمى التخيل أو التقمص العاطفي وفن التخاطر بين الانفعالات أو “Empathy”، و هذا الشعور يعتبر الأسمى في سلّم المشاعر كما قال عنه كونديرا.

ليس هناك ما يجعل فيهم إنسانًا أفضل من الآخر فكلها مشاعر نبيلة، ولكنها درجات من الذكاء العاطفي، فإذا لم تكن موجودة في الشخص بالفعل فلن توجد أبدًا.

فقد يظن البعض أن لديهم قدرةً على فهم آلام الآخرين حتى ولو لم يمروا بها، ولكني عندما أضع قدمي في حذاء الرجل الذي فقد عزيزه فلن أجد حينها بجواري شخصًا يحاول أن يفهم بل شخصًا متفهمًا بالفعل، ويمكن أن نقيس ذلك على كل الأشياء، فنعم يمكن أن تغمرك السعادة والتقدير لمن يحاول أن يفهمك، ولكن في النهاية تريد من لا تتكبّد معه عناء الشرح، فالحياة بها مخزون كافي من العناء فلا حاجة لك بأخذ نصيب الأسد منه.

9