الآثار الناجمة عن فيروس كورونا في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية

0

كتابة: علي وحيد

من النادر جداً أن تتوحد اهتمامات العالم من أقصى شرق الأرض إلى مغربها، ولكن فيروس كورونا قد وحدها، فاليوم الشغل الشاغل لجميع سكان الكرة الأرضية على اختلاف أجنساهم ذلك الفيروس الذي عجز الأطباء حتى الآن من تاريخ كتابة هذه المقالة من إنتاج عقار أو لقاح مضاد له واستنفر جميع الجهود العلمية، وزعزعت ركائز الاقتصاد العالمي وأدخل الرعب على قلوب الكبار والصغار، الكل ينظر لذلك الفيروس كوحش مفترس، ولكنْ هل تساءل أحدٌ منّا، مِنْ أيّن جاء ذلك المفترس الصغير وما العبرة من ظهوره. وهل يوجد أحد استطاع أن يقرأ حكمةً مِن ظهوره لربما تجعل من حياتنا وحياة كوكينا ومستقبل أطفالنا أفضل بعد تجاوز هذه الأزمة الصحية.

هذه المقالة سوف تركز بشكل مختزل عن نشوء الفيروس وما الآثار الناجمة عنه في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ودوره الكبير في الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، وذلك بناءً على مصادر ومراجع علمية وبحثية.

حيث أن فيروس كورونا المعروف علمياً بـ COVID-19 هو من فصيلة كبيرة من الفيروسات، التي تسبب في طائفة من الأمراض التي تتراوح بين نزلة البرد الشائعة والمتلازمة التنفسية الحادة الوضعية (سارس) الالتهاب الرئوي الحاد، ولكن قبل ذلك عَرِف العالم فيروسات شبيهة مثل فيروس كورونا سارس [Sars-Cove] وانتقل هذا المرض من القطط السنورية إلى البشر وسجلت الصين أول إصابة به في ديسمبر 2002.

وظهر كتهديد عالمي في مارس 2003 بعد أن أصيب به 80598 شخص وقتل به 774 شخصاً؛ حسب الموقع الحكومي لجمهورية الصين الشعبية، ثم بعد ذلك عاد الفيروس مرة أخرى في 2012 في المملكة العربية السعودية تحت اسم متلازمة الشرق الأوسط [MERS] وانتقل من الجمال إلى البشر، ثم عاد مرة أخرة إلى الصين بصيغة جديدة وبتطور جديد مطبقاً لنظرية داروين البقاء للأفضل مطوراً نفسه في بيئة معروف عنّها بنسب التلوث العالية، وذلك تحت مسمّى فيروس كورونا كوفيد 19 [COVID-19] وهو حتى اللحظة من تاريخ كتابة المقالة غير معروف مصدر انتقاله وهناك تكهنات أنّه جاء من الخفافيش، حيث سجلت أول حالة في 12 ديسمبر بمدينة ووهان التي يقطنها 11 مليون شخص.

بتاريخ 31 ديسمبر أبلغت الصين منظمة الصحة العالمية بتفشي التهاب غير معروف السبب بعد إصابة 800 شخص، وتكمن خطورة الفيروس بفترة حضانته التي تستمر من 5 أيام إلى 15 يوماً، دون أن تظهر أعراض على المريض مما يتيح المجال بالانتشار بشكل سريع يصعب إيقافه وتكمن خطورته خصوصاً على كبار السن أو الذي يعانون من أمراض مزمنة أو ضعف بالمناعة الداخلية مما يسبب بالوفاة لهم نتيجة الالتهابات الرؤية الحادة المسبب لها، والفيروس أصبح عابراً للقارات، حيث أنّه أصبح في أغلب دول العالم، حتى أعلنته منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 كوباء عالمي وذلك بعد إصابة 118000 شخص في 144 دولة ووفاة 4291 شخصاً.

وللفيروس تبعات عدة منها الاقتصادية:

فحين استفحل فيروس كورونا بالانتشار من الصين إلى دول العالم، وأصبح خارج السيطرة مما دفع الحكومة إلى إجراءات طارئة كإغلاق المدن ومنع التجول والحجر الصحي الواسع النطاق. وهذا ما فعلته الحكومات الأخرى مثل إيطاليا التي أعلنت الحجر الصحي على السكان كافة. وتوقفت الملاحة الجوية وعلقت الاتفاقيات الدولية وأغلقت الحدود إلا للضرورات وأصبحت كل دول منعزلة عن الأخرى وشوارع المدن باتت خالية من المارة والمحلات التجارية خالية من منتجاتها. كأنّ النهاية قد حانت مما تسبب بشلل اقتصادي وصناعي وتجاري كبير.

فمن خلال ثلاثة أشهر من انتشار الفيروس. خسرت السوق النفطية 30% من قيمتها بسبب زيادة العرض وانخفاض الطلب.

وحزمة من التوقعات منها:

  • فقدان 50 ميلون وظيفة بالمجال السياحي وفقدان عائدات بالمليارات.
  • فقدان قيمة الأسهم المالية وهبوط في البورصات العالمية أكثر ما شهدته أزمة 2008 بسبب توقف الحركة التجارية.
  • خسائر بالمليارات الدولارات للصناعات وخاصة للمجال الإلكتروني والعربات، بسبب توقف الإنتاج وعدم مد المصانع بالمواد الأولية عدا عن صعوبة وصول العمال إلى أماكن عملهم بسبب الإجراءات الاحترازية.
  • خسائر بالمليارات وإفلاس أندية ومراكز بالمجال الرياضي والفني والثقافي بسبب منع التجمعات.
  • إفلاس عدد كبير من الشركات بسبب توقف الحركة الإنتاجية واتجاه الإنفاق من قبل المستهلكين على الضروريات.
  • خسائر لا يمكن تقديرها في سوق النقل الجوي والبحري والبري بسبب إغلاق الحدود والإجراءات الصارمة من الدول على حركة المرور.

والتقديرات النهائية بالأرقام يصعب التكهن بها ولا يمكن تقديرها بالوقت الحالي، بسبب حداثة الحالة عدا عن انشغال العالم بانتشار الفيروس، وقد ترك آثاره على السياسية حيث ترك مجموعة من الملامح منها:

  • تعاون وتنسيق جميع الدول مع بعضها وإرجاع الخلافات السياسية والاقتصادية جانباً.
  • التعاون الكامل والالتزام بالتعليمات الموجهة من قبل منظمة الصحة العالمية بالنسبة لغالبية الدول.
  • فتح قنوات اتصال مع دول تسود فيما بينهما توترات سياسية وإقليمية لمجابهة تفشي الفيروس.
  • مساعدة الدول لبعضها البعض ورفع العقوبات عن دول رغم الخلافات السياسية والإقليمية كرفع العقوبات الأمريكية عن إيران في قطاع الصحة والبنى التحتية وإرسال دولة الإمارات العربية المتحدة مساعدة طبية عاجلة لإيران.
  • توقف الحروب ببعض المناطق كما حدث في الشمال السوري.

ممّا ألقى بثقله على الحياة الاجتماعية:

حيث أنّ فيروس كورونا قد ترك بصمته بشكل كبير على الحالة الاجتماعية في الدول مما خلق حالة من التضامن بين المواطنين فيما بينهم وإنشاء مجموعات وتنظيمات تطوعية للخدمة المدنية والصحية من قبل المواطنين.

والتزام غالبية المواطنين بالتعليمات الحكومية والإرشادات الصحية من قبل المنظمات والمؤسسات المختصة.

الشعور بالمسؤولية تجاه كبار السن وانطلاق مبادرات للتطوع والرعاية والمساعدة من غالبية المواطنين.

ارتفاع مستوى الوعي بالمخاطر الناجمة عن الفيروس وضرورة تضامن جميع لمكافحته.

ولكن ثقله الأكبر كان في مجال البيئة:

فإنّ الخدمة التي قدمها فيروس كورونا خلال أربع للبيئة والتغيّر المناخي أشهر أفضل مما قدموه البشر من مؤتمرات واتفاقيات ومشاريع على مدى قرن كامل وهذا ما سيترك أثره على الأرض مستقبلاً من ضمان استمرار الحياة والتنوع البيولوجي حيث انخفضت انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون CO2 والغازات الدفيئة وذلك نتيجة ما يلي:

  • توقف توريد المواد الأولية والأساسية الخاصة بالصناعات بسبب سياسيات الحكومات بالحجر الصحي وإلغاء التجمعات بسبب تفشي المرض.
  • توقف حركة النقل الجوي والبري والبحري إلا الشحنات الضرورية.
  • الإجراءات الصحية المشددة للتعامل مع البضائع الواردة مما يعرقل سرعة الإنتاج والتصنيع.
  • إلغاء المؤتمرات والمعارض الدولية مما عرقل عملية التبادل التجاري واللوجستي وترويج المنتجات.
  • إغلاق الحدود بوجه المسافرين والسياح وإغلاق المدارس والجامعات ودور الحضانة مما عكس ذلك إيجاباً على الازدحام المروري.

وبناءً على ما ذكر فإن وباء فيروس كورونا رغم اعتباره أكبر تحد تواجه البشرية في القرن الحالي فقد ترك وسيترك نتائج إيجابية في مجال الاحتباس الحراري لا يمكن تجاهلها حيث أنّ ظاهرة الاحتباس الحراري بدت تلوح بالأفق مع بداية انطلاق الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر وتنبه لها الخبراء والباحثين في القرن الماضي، حيث انعقد أول مؤتمر للمناخ العالمي في مدينة جنيف بتاريخ 12 فبراير 1979 الذي رعته منظمة الأمم المتحدة الذي حضره بالأساس مجموعة واسعة من العلماء في اختصاصات مختلفة منوهين إلى الأضرار المترتبة من التغيير المناخي من فقدان الغطاء الجليدي وارتفاع مستوى سطح البحر الذي يؤدي إلى كوارث قد يؤدي إلى اختفاء جزر وحتى دول عن الوجود ونتج بعد ذلك عدة مؤتمرات ومنظمات منها اللجنة الدولية للتغيرات المناخية [IPCC]  Intergovernmental Panel on Climate Change المؤسسة عام 1988، وقد عقدت العديد من المؤتمرات المعنية بالتغير المناخي نذكر أهمها:

  • مؤتمر المناخ الثاني 29 أكتوبر 1990 في جنيف أيضاً حيث شكل بروتكول كيوتو.
  • مؤتمر المناخ العالمي الثالث 31 أغسطس 2009 الذي نتج عنه مؤتمر كوبنهاغن.
  • مؤتمر كوبنهاغن 7 ديسمبر 2009 الذي كان من أهم نتائج الاتفاق على الحد من الاحتباس الحراري لأقل من درجتين ولكن لم يوقع عليه.
  • مؤتمر باريس 12 ديسمبر 2015 الذي يعد أهم مؤتمر وأفضت إلى اتفاقية باريس المعروفة بـ كوب 21 حيث وقع عليها 194 دولة واتحاد وجمعية، وكانت بنود تلك الاتفاقية:
  1. تمويل 100 مليار دولار سنوياً لصالح قضايا المناخ ومساعدة الدولة النامية
  2. الحد من انبعاث الغازات الدفيئة
  3. الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجة إلى درجتين مئويتين

ولكن للأسف بتاريخ 1 يونيو 2017 انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاقية إثر وعد قطعه الرئيس المنتخب دونالد ترامب للناخبين بالانسحاب من الاتفاقية في حال فوزه، مما شكل سخطاً وتأسفاً عالمياً من قرار الرئيس الأمريكي الانسحاب من الاتفاقية.

والمطلع على الأبحاث والدراسات المعنية بالاحتباس الحراري، سوف ينصدم من حجم الأرقام والإحصاءات الصادرة عن حجم الغازات الدفيئة الصادرة في فترة زمنية قصيرة فالاستخدام المفرط للصناعة والزراعة الواسعة والحرائق المفتعلة للغابات لاكتساح أراضي جديدة صالحة للزراعة، إلى التجارب النوويّة أبّان الحرب الباردة نتج عنه ألاف الأطنان المترية للغازات وخاصة غاز ثاني أوكسيد الكربون CO2 حيث بموجب رسم بياني للفترة بين 1990 إلى 2017 يظهر الفرق الشاسع والزيادة الجنونية من غاز أوكسيد الكربون حيث كان في عام 1990 ما نسبته 22674,116 طن متري. وصل في عام 2017 إلى حاجز 37077,404 طن متري، وهو في ازدياد تصاعدي لا ينفك وهذا كله نتيجة الصناعة المفرطة واستخراج الوقود الأحفوري عدا عن المنافسة بين الدول لزيادة ميزانها التجاري الخاص ورفع القدرة الإنتاجية دون الاكتراث بمعايير الصحة والبيئة.

فبعد دراسة نسبة التلوث العالمي من تاريخ 1990 إلى 2017 واستنباط بيانات عن حجم الدول المسؤولة عن انبعاث الغازات الدفيئة حيث كانت هناك صعود دولة إلى المقدمة بشكل هستيري على حساب دول أخرى وإليكم نتائج الإحصاءات في عام 1990:

نسبة التلوث العالمي من تاريخ 1990 إلى 2017
نسبة التلوث العالمي من تاريخ 1990 إلى 2017

حسب الرسم البياني فإن نسبة انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون في عام 1990 كانت بنسبة 22674,116 طن متر.

فمن خلاله سنجد أنّ الولايات الأمريكية هي رائدة الصادرة بنسبة 22% يليها الاتحاد الأوروبي بنسبة 19% ثم الصين بنسبة 11%، حيث كانت الصين بتلك الفترة دولة صناعية ناشئة خارجة من سلسلة من المجاعات واقتصادها كان بمرحلة فيما سبق يعتمد بشكل كبير على الزراعة، أما بالنسبة للهند المعروفة بتعداد سكانها الكبير فقد كانت لا تبلغ نسبة مسؤوليتها 3% بالنسبة للمعدل العالمي.

رسم بياني لنسبة انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون في عام 1990
رسم بياني لنسبة انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون في عام 1990

أما حسب الرسم البياني للعام 2017 حيث بلغ حجم غاز ثاني أوكسيد الكربون 37077,404 طن متري بزيادة هائلة كما تحدثنا سابقاً. نجد أنّ الولايات المتحدة تركت الريادة هذه المرة للصين الشعبية بنسبة 29% من التلوث العالمي وتراجع مسؤولية الاتحاد الأوربي إلى نسبة 9% وصعود القوة الناعمة القادمة من الهند بنسبة 7% معلنة وجودها بين الدولة المؤثرة والمصدرة للغازات الدفيئة.

وهذه الزيادة الهائلة في الصين ترجع إلى سياسات الحكومات الصينية المتعاقبة في جذب الاستثمارات الأجنبية والنظام الضرائبي المخفض عدا عن وفرة اليد العاملة الرخيصة التي تعتبر حجر الأساس الاقتصاد الصيني مع الأخذ بعين الاعتبار ميل المصرف المركزي الصيني بالمحافظة على سعر الصرف الليوان بشكل مخفض مقابل الدولار لتقليل الواردات الخارجية ولترفع نسبة الصادرات والاستثمارات من قبل كبرى الشركات العالمية.

رسم بياني لنسبة انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون في عام 2017
رسم بياني لنسبة انبعاث غاز ثاني أوكسيد الكربون في عام 2017

ولكن لماذا ركزنا بالحديث على ظاهرة الاحتباس الحراري وربطه بفيروس الكورونا؟ فمن خلال تلك الأرقام الكارثية التي نوهنا عنها تنذر بمخاطر لا يمكن تصورها على الحياة والتنوع البيولوجي وهذا ما بدى نشاهده بالواقع من تصحر وارتفاع درجات الحرارة بشكل غير مسبوق وانحسار الغطاء الجليد ونفوق عدد من الكائنات الحية التي لديها دور كبير في التوازن البيئي عدا عن توقع اختفاء الشعب المرجانية بشكل نهائي بحلول عام 2100.

وفيروس كورونا ما فعله بالأرض من تخفيف حدة الغازات الدفيئة لا يصدق حيث أنّ السماء قد ظهرت في مدينة ووهان الصينية التي انتشر المرض فيها صافية لأول مرة منذ ثلاثين سنة وكأنّها معجزة. لذلك يجب علينا أن ندرك جميع المخاطر المحدقة بنا وبكوكبنا الجميل لأنّ التغير المناخي ليس بأقل خطورة من فيروس كورونا، وعليه أن نكون على أتم الاستعداد لمختلف المخاطر المحدقة وألا نستهين أو نتساهل بالتحذيرات التي يطلقها الخبراء والعلماء بأي مجال.

وفيروس كورونا هو درس قاسٍ للبشرية والاقتصاد العالمي للتنبيه من خطر الإهمال في الأبحاث والإجراءات الاحترازية ونتائج المترتبة من تطور الأمراض والفيروسات.

0