ذكريات دمشقية مع وقف التنفيذ

ذكريات دمشقية مع وقف التنفيذ
8

الموضة السائدة حالياً والمنتشرة على واجهات محلات الثياب وعلى صفحات المواقع الالكترونية لبيع الملابس هي الملابس العسكرية. معاطف تشبه الى حد كبير الڤيلد العسكري. نفس الخامة العسكرية الخشنة ونفس اللون الخاكي بتدرجاته. كلما مررت أمام واجهة إحدى المحلات أقف مطولاً أنظر لأحد هذه المعاطف لأرى إن كنت سأرى أثراً من ماضٍ ليس ببعيد عندما كنت أرتدي مثل هذا المعطف.

لا لم أكن ضابطاً بالجيش! أيضاً لم أكن مجندة بقوات خدمة العلم! ولم تكن قد انتشرت هذه الموضة أيضاً في ذلك الزمان! كيف ارتديت إذن مثل هذا المعطف؟! أن تكون طالباً بإحدى مدارس المرحلة المتوسطة والثانوية التابعة لوزارة التربية والتعليم السورية تلك هي الإجابة!

في ذلك الوقت كان على جميع طلاب المدارس الإعدادية والثانوية في سورية الذكور والإناث على حد سواء إرتداء الزي الرسمي لها، ألا وهو بدلة عسكرية خاكية اللون بقماش عسكري خشن وغير طري الملمس. يرافق هذه البدلة نطاقاً عريضاً ذو بكلة ثقيلة الوزن مع سيدارة (قبعة) من نفس اللون. ويتوجب على الجميع ارتداء ذلك البسطار (الحذاء) العسكري ذو الساق العالية. كان يتم تمييز طلاب الصفوف الاعدادية عن الثانوية بالكتافيات والتي هي عبارة عن شارات بخطوط ملونة يتم إضافتها للبدلة خارجياً. فطلاب الاعدادي يضعون شعاراً بلون أصفر وطلاب الثانوي شعاراً لونه أحمر.

تبدأ معاناة الطلاب الحقيقية عند انتقالهم من مرحلة التعليم الأساسي بالصف السادس والبدء بالمرحلة الاعدادية ليتم الاعلان لهم عن انتهاء مرحلة جميلة من حياتهم لتبدأ الرحلة الحقيقية. رحلة الخوف من المجهول. بالرغم من أن العلم نور إلا أن العلم في سورية لايتبع لهذه القاعدة. يبقى الطالب السوري في جهل وحيرة من أمره منذ خلعه مريول المدرسة الابتدائية وارتدائه البدلة العسكرية! لأن عليه مواجهة تحديين قبل أن ينتقل إلى المرحلة الجامعية، التاسع (الصف الثالث الاعدادي ) والبكالوريا (الصف الثالث الثانوي). مجموع درجاته في كلا الصفين يحددان مستقبله فقط؛ وليست ميوله أو رغباته أو قدراته. درجة واحدة فقط قد تمنعه من تحقيق حلمه!

ليواجه السؤال الأصعب وغير المعلوم الإجابة: وهلأ شو؟

كنت قد انتقلت إلى سورية عائدة بعد غربة دامت 15 عاماً في دولة قطر. لأواجه وأنا بالخامسة عشرة من عمري يومي الأول في المدرسة الثانوية والتي تم قبولي بها بالصف الحادي عشر أدبي. كانت إحدى مدارس الدولة للإناث، التابعة لوزارة التربية والتعليم السورية في منطقة المزة في دمشق والتي تقع في محيط منزلنا. لم أنم في تلك الليلة من شدة توتري. استيقظت صباحاً وارتديت تلك البدلة العسكرية وأنا أشعر بغرابة منظري داخل هذا الزي الذي لم أتوقع ارتدائه يوماً ما. فقد اعتدت سابقاً على ارتداء القميص والتنورة عند ذهابي للمدرسة. كان لباسنا في قطر رسمياً محتشماً يتوافق مع البيئة الدينية الملتزمة في منطقة الخليج العربي. كانت المرة الأولى التي اذهب بها إلى المدرسة سيراً على الأقدام. بعد أن كنت قد اعتدت دوماً الذهاب إما بالسيارة أو بالباص، أما الذهاب سيراً فتلك ثقافة لم أعتد عليها خلال فترة إقامتي في قطر، كون دول الخليج وخاصة في ذاك الزمان، الطرقات لم تكن مجهزة بشكل كافٍ للمشاة.

طالبات سوريات يرتدين بدلة الفتوة في أيلول 1990
طالبات سوريات يرتدين بدلة الفتوة في أيلول 1990

تظهر فجأة أسوار عالية تختلف عن باقي الأسوار المحيطة بها، يستقبلك بعدها باب حديدي أسود اللون يحمل فوقه لوحة سوداء اللون تحمل اسم الثانوية التي التحقت بها بلون أبيض باهت تغير بسبب الظروف الجوية التي أحاطت به. أخطو أولى خطواتي المرتجفة على دقات قلبي المتسارعة لأجد مديرة المدرسة وبعض المدرسات باستقبال أفواج الطالبات القادمات إلى مدرستهن، ولأتفاجأ أنني الطالبة الوحيدة التي ترتدي ذاك الزي العسكري في اليوم الأول من المدرسة! اتضح لي فيما بعد أن العادة جرت أن تأتي الطالبات في اليوم الأول بملابس مدنية كنوع من الاحتفال، ولأن هذا اليوم هو ليس بيوم دراسي بل أكثر منه إداري. حيث يتم توزيع الطالبات كل في شعبته.

كانت المديرة تقف بصرامة دون أن تبتسم حتى، كانت تكتفي بمراقبة الطالبات وإلقاء بعض الكلمات بين فينة وأخرى. كانت مخيفة وصارمة إلى حدٍ كبير. كنت دوماً أخشى أن تضبطني متلبسةً أنظر إليها فكنت أسترق النظر إليها عن بعد بطرف عينيّ. وبقيّ هذا الشعور يلازمني لآخر يوم لي في المدرسة، وأظن أنه مازال يلازمني حتى الآن. فعندما أذهب لمقابلة مديرة أولادي في المدرسة تنتابني نفس مشاعر الخوف والقلق من أن أسيء التصرف فأغضبها. لأعود لأذكر نفسي أن خوفي تبدد مع أول ضربة مسطرة نزلت على يدي كعقاب بسبب مخالفتي بارتداء كنزة سوداء اللون تحت البدلة بدلاً من خاكية اللون. تلك المديرة بالرغم من تاريخها الطويل في إدارة تلك المدرسة إلا أن صرامتها الشديدة لم تساعدني بالتأقلم والاندماج في تلك المدرسة.

لم أكن أعرف أياً من الطالبات في تلك المدرسة الكبيرة. الصديقة الوحيدة التي كان من المفترض أن ألتقيها في ذلك المكان لم تأتي ذلك اليوم تحديداً!! فتاة كنت أعرفها بحكم الجيرة منذ أيام الطفولة وكنت ألتقيها في العطل الصيفية حيث كنا نقضي عطلنا في دمشق. لكنها للأسف لم تكن قد عادت من زيارتها لمدينتها حماة بعد!! شعرت برهبة وخوف واعتصار في القلب وأنا أخطو بقدماي المرتجفتين لأول مرة داخل سور المدرسة. عند دخولك الى المدرسة يستقبلك على يمينك غرفتان، الأولى هي  لحارس المدرسة وزوجته التي تعمل بدورها في تنظيف المدرسة، ويعيشون فيها مع أولادهم الصغار. ومن ثم غرفة ملاصقة لها هي غرفة المقصف، ولها نوافذ من الجهة الأخرى حيث يتم بيع السندويش والكازوز وبعض أنواع البسكويت والحلوى السورية الصنع فقط.

ومن ثم يبرز على يمينك بناء كبير نسبياً أجرد اللون تتوسطه أبواب حديدية سوداء اللون ونوافذ حديدية تملأ واجهة البناء مغطاة بشباكٍ ناعمة منعاً لدخول الحشرات. يتكون البناء من ثلاث طوابق بالإضافة إلى طابق رابع لايستخدم وهو السطح. كان بناء المدرسة يطل على فسحة المدرسة التي كانت كبيرة وخاوية، إلا من عامودين يحملان سلتين مصنوعتين من الصلب ولكن لا تتدلى منهما شبكة، وهذه السلال مثبتة كل منهما في لوحة الهدف الخلفية ومعلقة عند جانبي الفسحة. ويقابل البناء سارية العلم والتي لم تكن تحمل علماً في ذلك اليوم. لم يكن هناك أي أثر للأشجار أو للورود في تلك الساحة. كانت تطل عليها شرفات الأبنية السكنية المحيطة بالمدرسة. حيث أن المدرسة تقع وسط شارع سكني مكون من أبنية صغيرة (أربع طوابق كحد أقصى وشقة واحدة لكل طابق) يطلق عليها نظام الفلل المنفصلة. تماسكت كثيراً وأنا ألتقط هذه التفاصيل في ذاكرتي وأقوم بعمل مقارنات سريعة بين ما كان وما هو حالي الآن، وبدأت أبحث في جيوبي عن منديل ورقي أمسح بها دموعي التي تغرغرت في عيوني في تلك اللحظات.

كان يقف إلى جانب مديرة المدرسة مدرستان لأتفاجأ بعد قليل من الوقت أنهما مدربتا الفتوة (العسكرية). والتي كنت حتى تلك اللحظة أجهل سبب وجود مدربة عسكرية داخل مدرسة ثانوية للإناث! ليتضح لي لاحقاً أن هاتان الشخصيتان في المدرسة هما الأكثر رعباً إلى جانب المديرة الصارمة وكابوس شهادة التاسع والبكالوريا للطالبات. لمدربات ومدربي الفتوة في كل المدارس سلطة ضابط الجيش في قطعته العسكرية. وكمن يدرب جنوده نظامٌ منضم كانت هاتان المدربتان تفعلان. كانت نظرة واحدة كفيلة بتثبيتك بمكانك. لن أنسى يوماً أن غلطة شخص واحد بالصف، كفيلة بأن تجعل الصف كاملاً يزحف في باحة المدرسة عشرين مرة تحت شمس مايو/أيار الحارقة.

رن الجرس، تجمعت الطالبات في فسحة (باحة) المدرسة لترديد شعار حزب البعث العربي الاشتراكي وترديد أهداف الحزب التي لم أكن قد سمعت عنها سابقاً ومن ثم التوجه إلى صفوفنا بعد توزيعنا. كانت المرة الأولى في حياتي المدرسية التي أسمع بها كلمة نابية داخل حرم المدرسة! بعد أن اعتدت سابقاً على احترام مبالغ فيه بالتعامل المتبادل بين الطالبات والمدرسات، أتفاجأ بأنه من الممكن أن يطلق عليك فجأة اسم حيوانٍ ما دون سبب واضح لذلك!

كنت بقمة الذهول وأنا أشاهد وأسمع مدربات الفتوة وهن يصرخن بطريقة مخيفة في وجوه الطالبات، ليقفن في صفوف مستقيمة وليعم الهدوء في المكان وليدخلن إلى صفوفهن. للدخول إلى المبنى عليك صعود درجات قليلة لتجد نفسك على منصة تطل على باحة المدرسة. عند دخولك إلى المبنى يقابلك حائط أبيض يحمل مجلة حائط قديمة بأوراق مهترئة ومصفرة اللون ، تركت هناك مهملة دون أي تعديل أو تبديل أضيف عليها منذ زمن.

كان هناك بعض الصفوف الأرضية متوزعة في ذلك الطابق، بالإضافة إلى المكاتب الإدارية التي تقع على يسار مدخل البناء ابتداء من مكتب المديرة انتهاء بمكتب أمينة السر وأمينة المكتبة. على طرفي البناء من اليمين واليسار هناك سلالم يوصلانك إلى الطوابق الأعلى لتتوزع الفتيات في صفوفها هناك.

بعد صعود الفتيات إلى صفوفهن واختيار مقاعدهن إلى جانب صديقاتهن كما اعتدن. أدخل إلى الصف وأنا أشعر بوحدة وافتقاد لصديقاتي، اللاتي يتمتعن الآن في بلد آخر بحلاوة اللقاء سوية بعد عطلة الصيف. أنظر حواليّ في أرجاء ذلك الصف لأرى المقاعد قديمة ومهترئة، تشبه تلك التي كنت أراها قديماً في الأفلام. عند مدخل كل صف هناك مدفئة قديمة (صوبيا) تستقبلك مرحبة صيفاً شتاءً. ذلك الصف الذي تحمل جدرانه البيضاء القديمة، تواقيع ورسوم طالبات سابقات مروا عليه وقضوا فيه سنة دراسية رحلت. تركوا خلفهم ذكريات منسية بأرجاء المكان ليحمل جزءاً من أحلامهم التي بدأت تتكسر بعد ان اصطدمت بالواقع. كان ذلك الصف الأبيض مقسماً لثلاث فرق، وفي كل فرقة حوالي 7 أو 8 مقاعد، وكانت كل طالبتين تشتركين بمقعدٍ واحد. بحثت بعينين تائهتين وبنظرات محرجة عن مكانٍ لي وسط شغب وضحكات الفتيات. فكرت في تلك اللحظات بأن أقسى مشاعر الغربة لايتشكل فقط عندما تكون حقيقة مغترباً في الخارج، وبين أشخاصٍ يتحدثون بلغة لا تفهمها. أحياناً احساسك بالغربة يأتيك وأنت داخل حدود بلدك، وبين أناسٍ هم يشبهونك لحد كبير. ولكن عدم وجود ماض مشترك، وذكريات تكفيك لتشارك الجميع بحديث عن شيء مرعليكم سابقاً، وبسبب جهلك للنكات التي يطلقونها والتي تعد ثقافة يكتسبها الشخص بالتقادم؛ “كلما عشت في مكان أكثر كلما اكتسبت ثقافة النكات والمزاح أكثر”. يجعلك هذا الأمر تشعر بالاغتراب داخل وطنك!

التقت عيناي بفتاة جميلة ذات شعر ناعم طويل، وعينان لوزيتان. ملامح وجهها كانت الأطيب والألطف منذ دخلت إلى ذلك المكان. تلك العينان التي لاحظت وجودي بعد أن ظننت أنني غير مرئية كالشبح. ابتسمت لي وسألتني إن كنت أريد مشاركتها المقعد؟! ابتسمت لها بدوري، وقَبِلْت الدعوى بسرور.

أصبح لي مكان بالفرقة الأولى بالمقعد الرابع أو الخامس بجانب الحائط. لقد كانت دهشتي كبيرة عندما لم تعرف الكثير من الفتيات أين تقع دولة قطر! إلا أن دهشتي كانت أكبر بعد مرور بعض الوقت عندما بدأت أكتشف جهلي بكافة الأمور هنا. الاختلاف الذي لمسته بطريقة الدراسة والشرح والواجبات المنزلية ووسائل الإيضاح، كان كفيلاً لينسيني جهلهم بوجود دولة قطر على الخريطة.

كنت أشعر بضياع تام في الفترة الأولى من انتقالي. لم يكن هناك انترنت بعد على وجه البسيطة لأساعد نفسي بنفسي. كنت أبحث عن الاهتمام من السلك التدريسي، لمحاولة مساعدتي بالتأقلم في ذلك الجو الجديد الذي وجدت نفسي وحيدة به. لم يكترث أحد منهم أن يشرح لي أسلوب التدريس والامتحانات، أو أن يرى محاولاتي اليائسة أن أعي أن مايحصل لي هو حقيقة! فمثلاً مدرسة اللغة العربية لم تعرني اهتمامها عندما أخبرتها أنني لم أسمع مسبقاً أن للجمل محلاً من الاعراب! ومدرسة اللغة الانكليزية سخرت مني كثيراً بعد أن اكتشفت بالصدفة أنني لا أعرف الأشهر باللغة السريانية (كانون تاني، شباط، آذار…الخ)، فصبت اهتمامها بأن تكون علامة الامتحان الشفهي الأول باللغة الانكليزية بحفظ الأشهر السريانية! أدركت بعد برهة أن المدرسات داخل وخارج الصفوف يستخدمن كنيتك (اسم العائلة) للنداء عليك بدلاً من اسمك الأول، للدلالة على أمرين: الأول تأكيداً منها على أنها تعرفك تماماً وتميزك من بين الأربعين طالبة في الصف. والثاني أنها قد بدأت تدخل بمرحلة الغضب فلابد من أخذ الحذر!

تعرفت على الفتيات بالصف، وتوطدت علاقتي أكثر بالفتيات المحيطات بي بالمقعد. أصبحن كمحرك البحث الذاتي بالنسبة لي(الغَوغَل السوري). كان لهؤلاء الفتيات تحديداً الفضل بتعريفي بكل مايخص أمور مدرستي الجديدة السيئة والجيدة على حد سواء. بدأت أولى مراحل الاندماج في حياتي الجديدة على ايديهن. ماتعلمته خلال سنتين أضاف الكثير لمعرفتي البسيطة والبريئة حتى ذلك الحين. بالرغم من أن صديقاتي في قطر كن يتمتعن بأسلوب مشوق في التشاقي خلال أيام الدراسة، إلا أن ماكان يحصل في قطر يبقى في قطر ولايصلح لينتقل إلى سورية.

كنت إلى أن توثقت معرفتي بتلك الفتيات؛ سوريّة ولكن بخبرة قطريّة. كنت سوريّة مع وقف التنفيذ. كنت أحتاج “لأبديت” جديد يساعدني على الاقلاع في ذلك المجتمع المختلف. كنت ومازلت ممتنةً وشاكرةً للظروف التي جعلت لي مكاناً بينهن، لأتمكن من اختزال خبرات سنواتهم بسنتين فقط قضيتها بينهن.

قمن بتعريفي بأسرار وخبايا المدرسة، كالفرق بين المذاكرة والامتحان، الطريقة الأفضل والأسرع للشراء من المقصف، من أين نشتري مستلزمات المدرسة، طريقة تجنب عقوبة مخالفة الزي المدرسي “كقص قبة خاكية اللون وارتدائها عند الدخول والخروج تحت جاكيت البدلة ونزعها بعد مرورنا من مرحلة التفتيش الصباحي”، الهروب من التفتيش الأسبوعي “بالاختباء بالحمام أو بغرفة التنظيف بسبب ألم أصاب معدتنا فجأة”، الإضافات التي تجعل الزي العسكري زياً عصرياً مميزاً “كعمل بينسات إضافية لجاكيت البدلة عند الخصر ليبدو أكثر أنوثة”، الشباب التي تقف خارج باب المدرسة، دروس العسكرية وترتيب الدفتر لتجنب العقاب، عقوبات مدربة العسكرية “والتي كانت تتم وفقاً لمزاج المدربة”،الطريقة التي أبقى فيها مستيقظة خلال دروس التربية القومية، راشيتات الغش وكيفية صنعها واستخدامها أثناء الامتحان، المسيرات العفوية والهروب منها، لعب الورق في فترة العقوبات خارج الصف، مواعيد تحية العلم، ترديد الشعار، الأغاني الوطنية وأغاني الرحلات، مواعيد تغيير علم المدرسة، الرحلات المدرسية، الانتساب لحزب البعث، اجتماعات الشبيبة، التواريخ المهمة والعطل الرسمية (ثورة الثامن من آذار، عيد الأم، عيد العمال…الخ)، ألعاب المدرسة “والتي فشلت فشلاً ذريعاً بتعلمها”، كيف نستخدم الصوبيا (المدفئة)، تزوير الشهادات عند الحاجة. ولن أنكر أن وجود عريفة الصف والتي كانت بالصدفة عريفة المدرسة بأحد المقاعد الملاصقة لي، قد أمن لي حماية من الكثير من العقوبات التي وقعت على الأخريات.

كل هذه المعلومات صقلت معرفتي بحياتي الجديدة، أكسبتني خبرة ما كنت سأكتسبها لو أنني بقيت وحدي. لم تمر السنة الثانية على وجودي بين صديقاتي ومرشداتي حتى جاء الأمر من الإدارة بنقلي لشعبة البكالوريا الثانية. تم فصلي عنهن بسبب كثرة شكوى المدرسات مننا، ولكن ذلك كان بعد أن أتقنت كل ماتعلمته منهن. وإن كان قد مر على هذا الأمر أكثر من عشرين عاماً إلا أنني مازلت أبتسم كلما تذكرته. كن سبباً لتحويل خوفي وأرقي كل ليلة وانزعاجي من الذهاب للمدرسة، لسعادة واستمتاع وأمراً غاية في التشويق. كن مرجعي الأول في تلك الحياة المختلفة، والتي كونت بداخلي جزءاً سعيداً يستمتع بما مر به، بالرغم من الطعم المر الذي تذوقته في يومي الأول من تلك الحقبة.

وأعود إلى الواقع لأجد نفسي مازلت أقف أمام المعطف الخاكي بعد أن مرت في مخيلتي كل تلك الذكريات، واعترف ولو ضمنياً أنه بالرغم من أن معاطف هذه الأيام تزدان باكسسواراتٍ جميلة، تضيف لها رونقاً خاصاً تجعلك مقبلاً على شراءها بسعادة بالغة. وتظن أنك تحاول تزيين ماضيك ببريق ولمعان مشع، ليجمل لك ملمسها على جسدك بعد أن كرهته قديماً. إلا أنك تكتشف أنك أنت وأصدقاؤك كنتم النجوم اللامعة في ذلك الزمان، وأنتم ترتدون بدلاتكم الخاكية الخشنة ذات المظهر البائس.

وأن ذاك الماضي الذي كنا نظن أنه الأقسى، أصبح بالنسبة لنا اليوم هو الأوفر حباً وسعادة ونعومة. أرحل تاركةً خلفي ڤيلداً عسكرياً مبهرجاً لا يحمل آثاراً لذاتي ولكنه حتماً أوصل أشواقي للماضي.

علا شمس

تفاصيلي التي أكتبها هي التي تشكلني. وضعت شيئاً مني في كل ماكتبت. تفاصيل قد نختلف في رؤيتها ولكن سنسمع سويةً ضجيجها حتماً. أنا علا أبث لكم ضجيجي من هولندا.

8

شاركنا رأيك حول "ذكريات دمشقية مع وقف التنفيذ"