فلسفة المَوْت في قصص الأطفال والنَّاشِئة

1

إذا كان إِدراج الفلسفة ضروريًّا في مدارسِنا الابتدائية  لتنمية مهارات تفكير الطِّفْل الإبداعية، ومهارات تفكيره النّاقد، وتنمية قوانين المنطق، وفنّ السُّؤال السُّقراطي في محاوَلة منَّا لإبعاد المنهج التّلقيني السّائد، أفلا يكون من الضّرورة بمكان أن نجرُؤ فنُدخِل المسائل الوجودية الفلسفية- من حياة، وموت، وولادة، وسعادة، وقلق…- والتَّي دعا إلى إدراجها أكبر أدباء العالم، ومنهم (مكسيم غوركي)، في أدب الأطفال، وخاصة الأدب السَّرْدي؛ من قصة، ورواية، وحكاية شعبية، أو حتى من شعر حواري على غرار بعض الأشعار الحوارية للأديبة اللُّبْنانيّة والشّاعرة روز غريِّب؟

من هنا، وإيمانًا بقدرة المسائل الوجودية الفلسفية المطروحة في الأدب السَّرْدي على إلقاء الضَّوْء على فهم ما يجري من خبايا المَوْت، أردت أن أتكلم عن نماذج من قصص الأطفال والنّاشئة الوَطَنِيَّة اللُّبْنانيّة، والتَّي تناولت هذا المَوْت من خلال طرح قضايا الحُروب الدّائرة في هذا البلد الصّغير، وهي حُروب مُتشعِّبة، مُعقَّدة، طويلة مسافتها الزّمنية، وممتدَّة مسافتها المكانية، وأردت الوصول إلى إيضاح الفكرة نتيجته وقوف الطِّفْل- على لسان أبطال القصص، وأغلبهم من الأطفال والنّاشئة وبعض الكبار- أمام انقطاع الحياة بواسطة (المَوْت) الّذي ينشَط أيام الحَرْب.

ولن أدّعي فأقول إن أدباء الأطفال اللُّبنانيين كانوا ببراعة المبدِع  الدّانماركي (آندرسن)، الّذي تخصَّص في تقديم (المَوْت) لجمهور الصِّغار، غير قلِق مِن لمس الفكرة خوفًا  على مشاعر قرَّائه، أو خوفًا على نفسه مِن خوْض التَّجْرِبة التَّي خاضَها بشكل شبه دائمٍ، إيمانًا منه بأن الطِّفْل الّذي يعرف كيف يحبُّ الحياةَ ويكتشف جمالاتها، يجب عليه أن يقبل بنهاياتها؛ لكنَّهم وجدوا أنفسهم أمام الحقائق التَّي لا يمكن الهروب منها في سنوات تحدٍّ يتساءل الطِّفْل فيها والفتى: ما الّذي يجري على أرض لُبْنان، فيموت المئات، ومنهم عائلاتٌ بصغارها وكبارها؟ فكان لِزامًا على هؤلاء الأدباء أن يكتبوا شارحين أجوبة لأسئلة وجودية قد يعجَز عن فهم دوافعها المؤدية إليها حتى الكبار، نظرًا لارتباطها بالحياة السّياسية والأطماع الخارجية والدّاخلية؛ فإذا بالمَوْت حَرْبًا  مَوْت متنوِّع، مُوجِع، مُقلِق، تقف شخصيات القصص منه-الأبطال منها والشّخصيات الثَّانويّة- مواقف متفاوتة؛ فإمّا تنكفئ صارخة بطريقة سلبية شبه عاجزة عن تقديم جواب أو حلّ تستمر معه الحياة على وجعِها، أو تقاوم حسب ما تمتلكه من أفكار وأدوات ريثما تمرُّ الأوقاتُ العصيبة التَّي قد تراوحُ آبية المُغَادرة.

أنواع الحُروب

لقد مرَّت على لُبْنان حُروب كثيرة؛ أشهرها: (أ) الاحْتِلال العُثْماني، وهو الاحْتِلال الأقدم الّذي عانى لُبْنان فيه ما عانى. ولأدباء الأطفال والنّاشئة اللُّبنانيين مواقف متشابهة إزاء هذا الاحْتِلال، نظرًا لما عاناه اللُّبنانيون من فقر وجوع وظلمٍ وموتٍ لم ينجُ منه إلّا القلائل. وقد أُرِّخَت هذه الحقبة الزّمنية في أدب الكبار [نحو فيلم (سَفَرْبَرْلِكْ) للأخوين رحباني وفيروز]، وكذلك في أدب الأطفال والنّاشئة، فأخذت نصيبَها الكافي والوافي من الطّرح في كِلا الأدبين(ب) حرب لُبْنان وإسرائيل، والتَّي مازالت مستمرة حتى اليوم، والتَّي لا يمكن أن يتغاضى عنها هؤلاء الأدباء، نظرًا لارتباطها الوثيق بالحياة اليومية اللُّبْنانيّة التَّي لا تقتصر على الجنوبيين فقط، بل إنَّها تمتد إلى المدن والعاصمة، فتدمِّر، وتهجِّر، وتنشُر المَوْت بالجملة (ت) الحَرْب الأهلية، والتَّي استمرّت طويلًا، وما زالت آثارها حتى اليوم، يعاني منها اللُّبنانيون اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، بالإضافةِ إلى حنين البعض إلى إشعالِها بين الحين والآخَر، غير آبِه بالمَوْت المنتظِرِ فرصةً كي يأخذ أرواح الصِّغار قبل الكبار(ث) حُروب لا تنتهي: وقد أوردها بتواريخها [ربيعة أبي فاضل: (رحلة الوروار)].

أنواع المَوْت

  • المَوْت الطَّبيعي (المَوْت الأبيضُ): ولا يلفت المَوْت الطَّبيعي أطفالَ الحَرْب، بل قد لا ينتبهون إلى وجوده بينهم إلَّا صدفة. وهذه الصّدفة تبدو مُدهشة وصعبة التَّصْديق و”غير منطقية”؛ لأن المَوْت بفعل القذائف- في نظر طفل الحَرْب- هو المَوْت “المنطقي” الوحيد كما أشارت قصص الحَرْب الأهلية اللُّبْنانيّة. [إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ في قصتها (لماذا مات الكَنَار؟)].
  • المَوْت جُوعًا: ونقصد به المعنى الحقيقيّ لا المجازيّ الّذي تعرفه العرب بقولها: “ماتمِن الجوع؛ أي: كان به جوعٌ شديد” [جُبْران مَسْعُود (في سبيل اللُّقْمة) أثناء الاحْتِلال العُثْماني، توما الخوري: (العائد) أثناء الحَرْب الأهلية، ربيعة أبي فاضل (رحلة الوروار)].
  • المَوْت قَتْلًا (المَوْت الأحمرُ): (1) بالبنادِق: موت الكثيرين من سكان القُرى اللُّبْنانيّة أيام الاحْتِلال العُثْماني ببنادق شُذَّاذ الآفاق على طرقات الذَّهاب والإياب إلى أو من (حَوْران)، ليأتوا بشيء من القَمْح [جُبْران مَسْعُود (في سبيل اللُّقْمة) أثناء الاحْتِلال العُثْماني] (2) المَوْت قَصْفًا، جوًّا وبحرًا وبرًّا: كما في الاحْتِلال الإسرائيلي للُبْنان[قصص إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ: (سيَطْلُع فجر جديد) و(بعد العاصفة) و(وقعة الغداء السَّاخنة)]، و[إِمِلِي نَصْر الله: (اسْتحقَّت عيشها)، و(البُعْد جَفَاء)]، و[رضوان الحريري: (أجمل ما في الدُّنيا)]، و[إِمِلِي نَصْر الله: (يوميات هرّ)]، و[توما الخوري: (لعبة القَدَر)]، و[إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ: (كيْفَ تغلَّبَ على حُزْنِه)] إذ تموت أسرة كاملة أثناء الحَرْب الأهلية، و[ربيعة أبي فاضل: (رحلة الوروار)] (3) المَوْت اغْتيالًا: وقد كثرت الإشارة إليه في قصص الحَرْب الأهلية اللُّبْنانيّة (4) المَوْت برصاص القنَّاصة: و”الآر بي ج” والرّشاشات الأوتوماتيكية، وخاصة في الحَرْب الأهلية [توما الخوري: (أهلًا بالخواجا)]، [توما الخوري: (رصاصة طائشة)] (5) المَوْت قتلًا مُنظَّمًا على الهوية: أثناء الحَرْب الأهلية [توما الخوري: (أهلًا بالخواجا)] (6) المَوْت نسْفًا بالمتفجرات: أثناء الحَرْب الأهلية [توما الخوري: (أهلًا بالخواجا)] (7) المَوْت خطفًا وتعذيبًا وقتلًا وتمثيلًا: أثناء الحَرْب الأهلية [توما الخوري: (لعبة القدَر)] (8) المَوْت على حواجز القتل والخطف: أثناء الحَرْب الأهلية [توما الخوري: (العائد)]، [إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ: (الكذبة البَيْضاء)].
  • المَوْت بَرْدًا: مَوْت الكثيرين من سكان القُرى اللُّبْنانيّة برْدًا على طرقات الذَّهاب والإياب إلى أو من حَوْران ليأتوا بشيء من القَمْح [جُبْران مَسْعُود (في سبيل اللُّقْمة)].
  • المَوْت انتحارًا بسبب الحُروب التَّي لا تنتهي [ربيعة أبي فاضل (رحلة الوروار)]. وقد قال في هذا الموضوع: “أما حوادث الانتحار؛ فحدِّثْ عنها بلا حرَج؛ بدءًا مِن نقولا شاهين داغر [رمى بنفسه مِن أعلى بيته في قريته هربًا من الاضْطهاد أوائل الحَرْب في السَّبعينيات، فستره اللَّيل وأحاط به الويل، واختُطف وضُرب حتى المَوْت وكاد السّكين ينحره من الوريد إلى الوريد لولا رحمة الله وشفاعة العذراء عندما صرخ لها: “يا عذراء استلمي روحي!”، فخرج الرَّجل من هذه المأساة يجرّ جرًّا جسده المريض المتعب (ص43)]، وانتهاء بتخلِّي مجموعة من الشّبّان والنِّساء والرِّجال في (نابيه) عن حياتهم: [واحدة ماتت بالدّيمول، ورمى آخر نفسه من أعلى الجبل، ووجد آخر ميتًا تحت الخرنوبة حيث كان يصلّي، وشربت أخرى السّم، ووُجد آخر ميتًا في بيته” (ص 81-82)]، وعلى (نابيه) قِسْ بقية أنحاء الوَطَن!

المُقاومة من أجل الحياة

على أن أبطال قصص الأطفال والنّاشئة لم يقفوا إزاء موت الحُروب بأشكاله المرعبة موقف المتفرِّج، فاختلفت ردَّات أفعالهم إزاءه، فبينما كان بعضهم سلبيًّا، اكتفى بإصدار صرخة دهشة وخوف، قاوم البقية، كل واحد حسب بيئته وعمله، بشكلٍ فرديٍّ أو جماعي؛ فظهرت المُقاومة كما يلي:

  • المُقاومة السّلبية: وقد تجلَّت في:

(1) الاسْتِنكار والرَّفْض: وقد استنكر جُبْران مَسْعُود المَوْت جوعًا أيام العُثْمانيين،  فأجاد الوصف في كلٍّ من قصَّة:  (عنتر) على لسان (بو محبوب): “مَن كان يقول إنَّ (بو محبوب) يجوع؟ مَن كان يقول إنَّ (بو محبوب) يعيش إلى يوم يرى فيه ابنه يرنو إلى اللُّقْمة وكأنها الغاية والنِّهاية؟ أين الكوارة يكدَّس فيها القَمْح الحَوْراني؟ أين المسَامِن يُكَدَّس فيها الدّهن، دهن الخراف المعلوفة التَّي أكلت من يدي جميلة ومن لياليها؟ أين “دكاكيش” الَّتين المغلي والزّبيب والجوز تنفق في ليالي الشِّتاء بين السُّمَّار لا حساب ولا ندم؟ أجل! إن واقعًا كهذا الّذي جثم عليه لَكفيل بأن يجعل أعماقه تنتفض. إنَّه يثور لكرامة هدرها الترُّكي الدَّخيل، يثور لنشاط يُنحر كما تُنحر الأرواح في كل دنيا من دُنى العُثْمانيين”. وهذا ما دعا إلى اسْتِنكار فكرة أن يُطعِم الجائعُ مَن يجوِّعه؛ أي: جنود العُثْمانيين كما في (في سبيل اللُّقْمة) لجُبْران مَسْعُود. وكذلك اكتفى رضوان الحريري بالصّراخ السّلبي في قضية الحَرْب الإسرائيلية في (أجمل ما في الدُّنيا).

(2) استنزال الويلات على رؤوس الاحْتِلال، ففي الاحْتِلال العُثْماني، ولشدّة ما عانى النَّاس الفقر والجوع والظُّلْم أيامهم، يقول جُبْران مَسْعُود في قِصَّة (جَدَّتي) إنَّ البعض رماهم- ومنهم جدة الرَّاوي في القِصَّة- بما يستحقّون وبما لا يستحقّون: “كانت تستَنْزِل على رؤوسهم الويلات، وهم الّذين “شَمْشَطوا” زوجها إلى المجلس العُرفي وأعادوه قشرة مِن جلد على عَمُود مِن عظم. وكانت ترميهم بالمعاصي، كلِّ المعاصي، حتى ولو كانوا من بعضها بَرَاء: فالجراد مِن أعمالهم، والمَوْت مِن أعمالهم، وإقفال باب البحر مِن أعمالهم! وعندما تنتهي من سرد مخازيهم، تختِم كلامَها بهذه الآيات وقد احتقن الاحْتِقار في عينيها وشفتيها:

“الله يمحقْهن! كنا نطعميهن كمان. يطعمهن كاسات العَمى!”.

  • المُقاومة الإيجابية: أما المُقاومة الإيجابية، فتجلّت في:
  • اللُّجوء إلى الملاجئ حفاظًا على الحياة: كما في قصَّتي: [سماح إدريس (المَلْجَأ)، وإِمِلِي نَصْر الله (يوميات هرّ)].
  • تقاسُم اللُّقْمة هَربًا من المَوْت جوعًا: وقد تجلَّت مقاومة المَوْت جوعًا في مظاهر؛ منها: اقتسام المؤونة– مهما كانت صغيرة– بين الجنود وأصحاب البيوت، وتقسيم رغيف الشَّعير أقسامًا تؤكَل على أيام. وقد تكرَّست عندما كان الأمر يتعلق بعدوٍّ جائع كما في قِصَّة (في سبيل اللُّقْمة) لجُبْران مَسْعُود التَّي طالب فيها (جبُّور) المختار الأرملةَ التَّي قضى زوجُها في طريق العودة من حَوْران أيام (السَّفَرْ بَرْلِكْ) بـ(هدية) لجنود الأتراك الّذين خيَّموا في الضَّيْعة، فتقاسمَت مؤونتها االصَّغيرة معهم، ولفَّت رغيف شعير مسحت عليه بعض اللّبنة لابنها (جريس) في اليَوْم التّالي خوفَ مُصَادرَتِه.
  • بَثّ الطُّمَأنينة: وقد بث الفتية الطُّمَأنينة أثناء القَصْف في نفوس الأطفال الأصغر سنًّا؛ كما في (سيَطْلُع فجر جديد) و(بعد العاصفة) لإِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ، وبثّت الجدة الطُّمَأنينة في نفس حفيدها بأنَّ “الحَرْب انتهت”، وهي تعرف أنها مجرد كذبة “بيضاء” ككذبة “بابا نويل” التَّي تبث الفرح في نفوس الصِّغار [إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ (الكذبة البَيْضاء)].
  • تحليل الأحداث: مِن خلال تحوُّلِ جلسات الضَّيْعة من جلسات تُحكى فيها الأساطير والخرافات والمعجزات التَّي وقعت في زمان غابِر إلى جلسات تتناول الأحداث الحالية التَّي يعيشها الشُّيوخ والأطفال والنِّسْوة والشّباب [إِمِلِي نَصْر الله (اسْتحقَّت عيشها)].
  • البحث الجادّ عن السّلام: مِن خلال: (أولًا) الصَّلاة (ثانيًا) تأمُّل المظاهر المحيطة؛ كغصن الزَّيتون المحمول بفم الحمامة [إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ في قصَّتي: (هل تعودُ الحَمامَةُ؟) و(حَمامَة السَّلام)].
  • العَمَل: وإذا كانت مقاومة جنود الاحْتِلال العُثْماني تُحَلُّ بالهرب حينًا وبالصَّلاة أُخرى؛ فإنَّ (سالمًا) في قصة إلياس سميا (أمير الأحلام) قد وجد طريقًا ثالثة هي الطَّريق المنطقية الواقعية المتمثِّلة بإيجاد سبيل لِلُقمة عيش “ندرَ وجودها”، فما كان مِنْه إلا أن فكَّر باستخراج الملْح وبيعِه، وإن اصْطَدم هذا الحلّ بدخول فرقة من جيش الاحْتِلال هرب الأب على إثرها وظهر إلى الوجود أميرُ الأحلام الّذي حقَّق رجاء الفتى الذّي يتلخَّص بـ: “خلِّصْ شَعْبي من الجوع والظُّلْم!”؛ ما يعني أن للأطفال دورًا مهمًّا في قضايا الوَطَن وخلاصِه. وتتحدث إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ في (كيْفَ تغلَّبَ على حُزْنِه؟) التَّي تحكي قِصَّة الفتى (رامز) الّذي قُتِلَ والِدَاهُ بانفجار عبوة جانية، فبقي في عهدة جدِّه العجوز، فتحوَّل من “نشيط مرح إلى آخر كئيب وجامد كالصَّنم”. أما وقد وجدَت القاصَّة حلًّا للفتى يتمثَّل بالعودة إلى مزاولة عملِه المهني [النّجارة]؛ فإنَّها لم تر في هذا الحل الفردي حلًّا للمشكلة الحقيقية الكبرى، وهي أزمة الحَرْب التَّي وضعت الوَطَن في إطار القَصْف والدَّمار والمَوْت بحيث يصبح المَوْت بفعل القذائف- في نظر طفل  الحَرْب- هو المَوْت المنطقي الوحيد كما أشارت إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ أيضًا في قصتها (لماذا مات الكَنَار؟).
  • المُقاومة الوَطَنِيَّة الجنوبيَّة: أثناء الحُروب الإسرائيلية على لُبْنان، وذلك من خلال التحاق رجال القُرى الجنوبيَّة بالمُقاومة الوَطَنِيَّة، ونهوض الشّباب لبثِّ الحياة وسط أجواء المَوْت، كما في قصص إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ: (وقعة الغداء السَّاخِنة)، و(سيَطْلُع فجر جديد)، و(بعد العاصفة). وكذلك من خلال مقاومة النِّساء للعدو الصّهيونيّ: في كل القُرى الجنوبيَّة دفاعًا عن الوَطَن ضد العدوّ، نافِضات الخُمول وخارجات عن التَّقاليد البالية التَّي أبقتْهنَّ سنوات عنصرًا سلبيًّا لا يشارك في مصير الأمة [إِمِلِي نَصْر الله (اسْتحقَّت عيشها)]. ومن أنواع هذا التّعاون: تقاسم أعباء الحَرْب أثناء الحَرْب الإسرائيلية بين أبطال القصص من الصِّغار والشّباب ممَّن يتمتَّعون “بوعي مدنيٍّ رفيع”؛ من: إزالة خراب الحَرْب، وتنظيف الشّوارع، ومساعدة الضُّعَفاء [إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ(وسام النَّظافة)، (هداياكم في العيد) و(سيَطْلُع فجر جديد) و(وقعة الغداء السَّاخنة)].
  • الدّفْن في أرض الوَطَن: وهو حلم المغتربين الهاربين من أرض الحَرْب والمَوْت إلى “بلاد الله الواسعة”، التَّي لا تغني عن الوَطَن، ولو كانت العودة إليه كي يدفَن في ترابه، كقصة حكتها إِمِلِي نَصْر الله عن مغترب خبَّأ حسُّونه الّذي أخذه معه من لُبْنان إلى بيته في “البلاد الرَّابضة عند أقدام القطب الشّمالي” عشر سنوات في الثَّلّاجة إلى أن أعاده إلى بلده ودفنه هناك؛ لأنه كان قد أقسم- وهو واقف أمام القفص في تلك الصَّبِيحة الباردة- بأنه لن يدفنه في تراب الغُرْبَة، بل سيحمله معه لدى أول زيارة يقوم بها إلى الوَطَن ليدفنه في تراب الضَّيْعة [إِمِلِي نَصْر الله: (حسّون الغُرْبَة)]
  • الجُنْدِيَّة: وهي حلّ منطقي فعَّال في مواجهة حُروب الميليشيات في الحَرْب الأهلية [إِدْفيكْ جريديني شَيْبُوبْ (أريد أخًا)].

أخيرًا

ليسَ غريبًا “لغويًّا” أن تكون لفظة المَوْت التَّي تعني انقطاع الحياة عن الكائِنِ طبيعِيًّا، تعني أيضًا: الخَوْفَ والذُّعْرَ والْحُزْنُ. ولكنَّ الصّعوبة تكمن في كيفية شرح كل هذه المشاعر المتداخلة المتلازمة لجمهور الصِّغار واليافعين عن طريق السَّرْد الذي يؤرّخ الأحوال ويعطي الدّروس لجيل مسلِّحًا إياه بمعرفة تفاصيل يجب ألا تخبَّأ في أدراج الذّاكرة خوفًا على مشاعرِ الجمهور من أن تُخدَشَ. فواقع الحال- وإن اختلفت أسماء لاعبيه- يهدد بانفجار جديد كلّ يوم، وبموتٍ جديدة وسائله لا يمكن أن ننحو معه منحى اللّا منطق في إخفاء الحقائق، لعلّ أن يصل يومًا أبناء الحُروب إلى تقبّل منطق أن يموت المرءُ موتًا أبيضَ.

1