حتى في زمن MeToo

MeToo
4

ما زال صقيع تلك الصباحات التي كنت أنتظر فيها أنا وصديقتي من يخز هذا الصقيع قلبه ليقلنا إلى العمل ينكأ عظامي وذاكرتي ووجداني. المؤسف أنهم كانوا يعلمون علم اليقين أن حقنا في ركوب هذه السيارات لا يقل عن حقهم أبدًا، لكننا صاحبات لعنة المولد واعتبار أننا تخطينا ما يُرسم عن نظيراتنا عادةً.

لقد شاءت الأقدار منذ البداية أن أدرس اختصاص ما زال الكثيرون يعتبرونه حكرًا على الرجال، ولم تكن بأقل رأفةً حين أرادت لي العمل في مجال النفط بعيدًا عن أهلي ألف كيلومتر، لأبدأ ترتيب حياتي بمفردي مع صديقتي التي شاركتني تلك الأيام.

هذه الكيلومترات الألف لم تشفع لنا، وتناولتنا الألسن بأقذع العبارات، ودارت عنا حكايات كثيرة، وهنا وللإنصاف كانت النساء هنّ السباقات في ذلك، ولا يمكننا نكران مساندة بعض زملائنا لنا. لذلك بالطبع ما يبرره في نظري، كيف لا ونحن وسط مجتمع ما زال يعتبر أن للمرأة ولي أمر ووصي عليها مهما علا شأنها.

كذلك لم تشفع لي مهاراتي الكثيرة، وتفوقي على زملائي أبدًا، ولم أستطع نسيان نظرات انعدام الثقة بل والاستخفاف لدى مشاهدتهم لنا بجانب حفارةٍ نفطية، والأنكى من ذلك أننا أصبحنا مادةً للمشاهدة “فتيات بجانب حفارة نفط!”.

في النهاية لزمت المختبر، آثرت تأجيل هذه المعركة لسنوات وربما لجيلٍ آخر. ومع الأيام أتقنت تجاهل ذلك، وأصبحت أكثر منعةً ودرايةً وتصميمًا.

ما سبق وذكرته يدور في منطقةٍ ما زال الحرملك فيها قائمًا. لكن ماذا عن بقاع العالم الأخرى التي تُعتبر عصريةً وجدًا، ربما سنجد بعض العزاء إن علمنا أن تلك التفرقة على أساس الجنس تعرفها كل بقاع العالم، وبصورٍ متعددة، حتى في نيويورك.

الحادثة التي حركت الطمي في قاع بحيرة ذاكرتي المفجوعة بمثل تلك الحوادث ما قرأته صبيحة هذا اليوم؛ ففي عصر #Me Too، أن تجلس امرأة وحيدة في مطعم اعتُبر خطبًا. وأين؟ في مانهاتن، أكثر مدن العالم تحضرًا.

لقد أبلغ أحد العاملين في المطعم كليمنت كراوفورد بأن عليها الخروج من المطعم، بالطبع انزعجت كليمنت، وما زادها إزعاجًا أنّ رجلًا دخل في تلك الأثناء إلى المطعم وجلس وحيدًا كما كانت تفعل تمامًا.

طلبت كليمنت تفسيرًا لذلك، ويالهول الإجابة التي كان نصها: “لقد أمر مالك المطعم بشن حملةٍ على المومسات”. لقد بدت لها سنوات طويلة من العمل بوظيفةٍ مرموقة في شركةٍ للطيران رافقتها أيام عديدة تناولت فيها الطعام بمفردها بلا معنى. لقد طغى الانطباع الذي تتركه كونها امرأة عازبة وحيدة على كل تلك الاعتبارات.

أثار ذلك غضب كليمنت التي تقضي أيامها بين لندن ونيويورك ودافعت عن حقها بالجلوس وحيدة لتناول وجبة طعام كما يفعل ذلك الرجل الوحيد تمامًا. لكن وعوضًا عن اعتذارٍ شديد قُوبلت بالاستهجان، وتركت المطعم الذي عرفت كل العاملين فيه وألفوها لسنوات.

دونت كليمنت تجربتها، وكتبت: “دافعنا كل تلك الأعوام للحصول على غرفةٍ يحق لنا العيش فيها بمفردنا، لكن يبدو أننا لم نحظَ حتى بحق الجلوس على كرسي في مطعم أو مقهى”. وأن تجلس امرأة لوحدها لتناول طعامها في مكان عام هو عملية شاقة، وربما حمل كتاب أو هاتف محمول سيشكل درعًا واقيًا وإن كان هشًّا، فهذا بأي حال لا يترك انطباعًا بوحدةٍ مطلقة “جريئة”.

وبتوسيع دائرة التساؤل هذه، نجد أن كثيرات عرفن الشعور ذاته، حيث يبني طاقم كامل افتراضات خاطئة كلها قائمة على أن الجلوس وحيدة هو دعوة صارخة. وقلما تجد من يقول بخلاف ذلك. بالطبع تختلف المواقع والمواقف، لكن هناك دومًا من يبني افتراضات خاطئة؛ بل ويطلق أحكامًا.

حكاية المطعم ما هي إلا دلالة رمزية لما تعانيه النساء في الحياة اليومية حتى في عصر #Me Too هذا. لقد صرحت كثيرات بأنهن لا يشعرن بالراحة أبدًا بتناول الطعام وحيدات في أماكن عامة خشية إطلاق الأحكام هذا، إذ أن هذا الفعل ما زال يُعد عملًا جريئًا جدًأ.

غلوريا أتانمو، رحالة أمريكية حول العالم، دونت ما كانت تشعر به حين كانت تتناول طعامها بمفردها طوال خمس سنوات من استكشاف العالم. وتقول: “لقد سافرت حول العالم بمفردي كثيرًا، ومررت بالكثير من الأوقات التي كان الناس ينظرون فيها إلي وكأني أنتظر أحدًا، وأنا ببساطة كنت اتناول طعامي وحسب”.

لقد تعرضت هذه المرأة نيجيرية الأصل إلى مثل هذه الأمور  حتى حين انتفى وجود مبرر لها، وحتى حين كانت ترتدي الجينز كأي فتاة عادية، ففي أحد أيامها في روما وأثناء انتظار عادي للقطار، كانت تقف سيارة كل بضع دقائق بداعي التحرش، وحين استقلت القطار وجدت أن كل امرأة بداخله تنزوي في أقصى زاوية من المكان المخصص لها.

انهالت على كليمنت طلبات من نساء أردن التحدث عن تجاربهن في الخلط بينهن وبين المومسات لمجرد أنهن وحيدات، أو عازبات بمعنى أدق.

للمفاجأة، لم تجد كليمنت أن مجموعتها كانت الوحيدة في ذلك، ففي بعض الأماكن أن تشبه إحداهن الروسيات أو الأوربيات الشرقيات كان يعني ذلك حكمًا مطلقًا بأنها مومس.  كما لم يرتبط هذا الحكم فقط بوجود نساء وحيدات في الشوارع أو المطاعم، فإحدى مؤسسات جمعيةٍ دينية خيرية وتُدعى شيري كولينز، سئلت وأثناء حفلٍ خيري في كان الفرنسية عن المبلغ الذي تتقاضاه لليلة! لكنها أخذت زمام المبادرة، وكتبت بالخط العريض على الصفحة الأخيرة من المجلة التي تصدرها: “نحن نساء سوداوات قدمنا إلى كان للابتكار، رجاءً لا تسألونا عن سعر الليلة، لا تفترضوا شيئًا”.

الحديث عن هذه التجارب وغيرها يرمي كعنوان أساسي له ألا تتكرر هذه التجارب مع النساء، كما يرمي إلى إماطة اللثام عن جزء من النضال للمساواة في تفاصيل صغيرة في الحياة اليومية، وإلى رفع الشيئية في النظرة إلى النساء عمومًا. لقد كانت معظم الأصوات التي ارتفعت في مجال المساواة بين الجنسين قاصرة تناولت العمل والحقوق المدنية متناسيةً دقائق الحياة اليومية، وهذا مستوى جديد من المسألة علينا الخوض فيه.

القاسم المشترك بين النساء السابقات أنهن لم يتوقفن عما كنّ يفعلهن سابقًا. وصراحة لا ينبغي التوقف أبدًا.

لقد اكتشفت فيرا روبن المادة المظلمة التي تشغل معظم أنحاء الكون، لكن ذلك لم يحمل وكالة ناسا حينها حتى على تخصيص حمامات مثلا ضمن مبانيها للنساء.

السؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى كل هذا؟ ألم تثبت النساء بعد أنهن جديرات بالاعتبار بعيدًا عن القالب الجسدي لهن؟

نجوى بيطار

مهندسة كيميائية، مترجمة ومحررة ومعدة مقالات. أهتم بالكتابة عن علم الفلك والفضاء وغيرها.

4