مولود بلحية… تائه في سن الخامسة والعشرين

0

تدوينة: محمد عبد الفتاح

لن اكتب لكم المقدمات الطويلة المملة، ولن أحدثكم من برج عالي كأنني مالك الحكمة ولن أحاول أن ازرع لك فكرة ما، ولكن أحدثك عزيزي القارئ من هنا من قلب الحدث، أنقل لك الأحداث كما هي.

أنا جالس بجوار قريب لي، شفاه الله ورزقه الرحمة، هو رجل كبير بالعمر قد يقارب السبعين في فراش ببيته، قابع هناك حتى يأذن الله له، لا يقدر على التحرك أو المشي ولا الأكل للأسف، طريقة تواصله مع من حوله بإشارات اليد المرتعشة التي بالكاد ترتفع عن صدره كل علاقاته بمتع الحياة عن طريق أنبوب موصل به للأكل، هو رجل كان طيب القلب لم أكرهه يومًا لا أتذكر مواقف سيئة له أبدًا ولكن اليوم لا أحب زيارته، ليس لأنه لا يتكلم، وليس لأني شاب صغير السن أكره زيارة الأقرباء، رغم أني بالفعل أكره الزيارات، لكنه دومًا ما يثير في نفسي شيئًا قد يبدو من الوقاحة أن اسأل رجلًا مثله عنه ولكن أردت دومًا أن أعرف الإجابة.

“ماذا لو عاد الزمن بك أيها القريب الغالي لتصبح في الخامسة والعشرين مثلي؟”

“هل أنت اليوم راضٍ عما فعلته في حياتك السابقة؟”

“هل عشت الحياة؟ أم ضيعتها؟”

“بم تفكر اليوم على سريرك ومنظر السقف الذي يكاد هو المشهد الوحيد الذي تراه؟”

“هل هي ذكرياتك القديمة ما تبقيك ع قيد الحياة؟”

“أردت أن اسأل دومًا أحد هؤلاء الكبار هل للحياة درب ما على الجميع أن يسلكه؟ لا أن يسلك سواه؟”


أنا حتى تلك اللحظة التي اكتب فيها تلك الكلمات وأنا أجلس كقريبي هذا مستلقيًا على ظهري ليس مجبرًا ولكن بمحض إرادتي، لم اعرف ما فعلته طوال تلك الخمس والعشرين سنة المنقضية، لم اعرف لم فعلت ما فعلت لم اخترت ما اخترت، ولا اذكر اني أحببت شيئًا افعله، وحيد أجالس نفسي معظم الوقت لا تخرج الكلمات مني للناس بتلك السهولة بعد الآن، لا لست انطوائيًا ولكن أصابتني لعنة العشرين، منذ أن خرجت من الجامعة وانا لم اعد انوي ربط قدماي للأرض. أردت أن ابتسم وان اضحك أن اركض أن افعل شيئًا ابرع فيه مهما كان بسيطًا كان يكفيني لأكون حرًا من القيود، أردت أن اختار أي شيء وكل شيء، وبالطبع حينها اصطدمت بأرض صلبه، ابدو كالمجنون للجميع أهلي أصدقائي حتى انهم بدأوا قطيعتي واتهموني باليأس والخرف وبدأت تتعالى نظرات التعاطف والغضب وتعالت أصوت التحذير من أن أضيع على نفسي من عمري الفاني في الحث عن شيء ليس موجود عن سراب فقط أردت تغير شيء ما أردت شيئًا لفعله ليس مجبرًا عليه، أنا لم اكن يومًا ما شخصًا متمردًا هذا التمرد الأحمق الطفولي كأن أؤذي احدهم أو نفسي جسديًا بدافع التميز والتمرد على الواقع، ولكني حاولت أن أفعل كل شيء، حتى حاولت الاندماج كالجميع وحاولت التأقلم لكن شيء ما بدخلي يرفض البقاء، شيء ما يدفعني دومًا للركض كلما اقتربت من أن أكون شخص ما بمقياس المجتمع، شخص فعال ينظر له الجميع ويعطوه علامة النجاح، كلما اقتربت من أن اسلك طريق الجميع في الحياة وان أسير وفق المتعارف أو البرتوكول البشري السوي، حتى يخرج هذا الطفل داخلي يدفعني للركض بعيدًا، ليس لأني جبان كسول لا أستطيع فعل شيء، ولكن أليس كافي خمسة وعشرون سنه يطعموني عبر الأنبوب؟ ألم يحن الوقت لأحرك يدي، ليس طلبًا لعون أحدهم أو تعاطفه أو حتى حبه ولكن أحركها لأنهض عن سرير اليأس؟

أليست النتيجة في نهاية الحياة ع اختلاف ما سوف نعيشه هي الموت؟

ليس علي أن افعل كما يفعل الجميع وان يعجبني كل ما حولي بلا مقاومة مني ولا اختيار؟

لم لا أهرب؟؟ لم لا أكسر الباب ركضًا… لماذا لا أفعل؟

أليس الهرب أحيانًا هو طريق النجاة؟


أنا لا أدعو الناس للتمرد على وظائفهم مثلاً ولا التمرد على عائلتهم ولا تلك دعوه مني لك لتكن هائم على وجهك أو لأخبرك أن الجميع يفعل ما لا يحب مرغمًا، لكني أحدثك فقط عن خمس وعشرون سنة ليست فقط لي لكنها كل ما املك أنا والكثرين، نحن الذين لم نكن نبرع في شيء نتخبط كل الحوائط، أردت أن أخبركم أني ما زلت تائه ها هنا مثلك تمامًا، كل ما أريد منك فعله هو الإجابة عن تلك الأسئلة الخاصة بي لقريبي العجوز؟

هل أديت رسالتك؟

هل قمت بتغير شيء ما ها هنا؟ أما أنك مجرد رقم يضاف لتعداد السكاني؟

في النهاية حتى لا أطيل عليك الكلام… ما زلت لم أجد أي إجابات ولكني أقسمت على الركض حتى تنقطع أنفاسي أو أصل، بدأت مؤخرًا ابحث عما أحب وها أنا أحاول البحث عن نفسي في كل شيء كأني استكشف الحياة من جديد، مولود بلحية، كانت كلماتي تلك أول تلك المحاولات، فهل نجحت؟

0