ثلاث إسقاطات لمسلسل Game of Thrones على الواقع

4

تدوينة: عبادة كولكو

الشتاء قادم، الرجل الذي يطلق الحكم عليه أن يضرب السيف، وفي لعبة العروش إما أن تفوز أو تموت…

حسناً ليس فقط الشتاء قادم، الموسم الأخير من مسلسل غيم أوف ثرونز على الأبواب، بعد تسع سنين من الحلقة الأولى، جمع المسلسل الملايين من المشاهدات خصوصاً في العالم العربي. دراما ذكية، معارك تعادل أفضل أفلام الإثارة من هوليوود، حوارات مليئة بالاقتباسات، وشخصيات رمادية مهددة بالخطر دوماً، كل ذلك وأكثر ينتظرنا في الموسم الثامن من المسلسل..

قبل فوضى السيوف والدروع، وتنانين تحلق عالياً تنفث النيران، وجيش من الموتى يزحف علينا ببطئ. دعونا نلقى نظرة على القصة بشكل عام، نسقط ونقارن هذا العالم الخيالي بعالمنا الحقيقي.

بدايةً، بعض المعلومات السريعة: مسلسل غيم أوف ثرونز مقتبس من سلسلة الكتب “أغنية الجليد والنار” للكاتب جورج ر. ر. مارتن، التي تتكون من:

● لعبة العروش ( نُشرَ عام 1996، منه أخذ اسم المسلسل)
● صدام الملوك (نُشرَ عام 1999)
● عاصفة السيوف (1000 صفحة تقريباً، نُشرَ عام 2000)
● وليمة الغربان (استغرق هذا الكتاب جورج 5 سنين كتابة ليقوم بنشره أخيراً عام 2005)
● رقصة مع التنانين (أخر كتاب قام بنشره لحد الأن في عام 2011)
● رياح الشتاء (لم يصدر بعد، القراء ينتظرونه بفارغ الصبر)
● حلم بالربيع (يبدو إننا نبعد عنه عدة سنوات)

الرواية تتموضع في عالم من العصور الوسطى مع بعض الفانتازيا والسحر هنا وهناك، القليل من التنانين، أموات يعودون إلى الحياة، وزومبي عمالقة، تعرفون.. المعتاد..

ليس سراً أن جورج تأثر كثيراً بكاتب الفانتازيا المشهور جون ر. تولكين (كاتب سلسلة ملك الخواتم)، وأيضاً بالتاريخ وخصوصاً تشابه حرب الملوك الخمسة التي نشبت في المواسم الأولى الثلاث بين عائلات (الستارك، اللانيسترز، البراثيونز، غريي جويز) والحرب الأهلية الدموية التي حصلت في إنجلترا في القرن الرابع عشر التي سميت “حرب الورود”

بين كل مشهد في المسلسل وطية من طيات ورق الكتب نجد معنى ما، عبرة، اقتباس، فكرة، درس يستحق التكلم عنه والاستفادة منه، الأمر يزيد جنوناً إذا بدأنا الحديث عن فلسفة كل شخصية، من الممكن أن يكون ذلك حديثاً لتدوينة أخرى. أريد اليوم أن أسقط القصة بشكل عام على واقعنا لاستخلاص المعنى، فما هو الفن إلا تشبيهاً شديد البلاغة؟
أريد أن اتخيل القصة الكاملة كبيتِ شعرٍ عربي بليغ، أحلل بعضاً من صورهِ البيانية:

– قصة التنانين التي تَحرق جيشاً كاملاً
– قصة حرب العائلات على عرش القوى المطلقة، في حين ألاف الموتى الأحياء قادمون من الشمال ل”أكل الأخضر واليابس”
– قصة النجاة، وما يستطيع الأشخاص فعله عندما تكون حياتهم أو من يحبون معرضة للخطر

خطورة أسلحة الدمار الشامل على الإنسانية ( Obviously):

منذ 298 عام من بداية أحداث المسلسل، أجداد ديناريس تارغاريان الذين هربوا مع تنانينهم من دمار فاليريا بسبب مجهول واستقروا في دراغون ستون بعد عدة أجيال قرروا احتلال ويستروس وتوحيدها، عندها كانت فعلياً سبع ممالك تتقاتل على كل قطعة من الأرض، إيغون الفاتح وأخواته فيسينيا ورينيس (أو زوجاته، نعم الكثير من التارغيريان مثل جيمي وسيرسي) المهم ما علينا، كان يملك قليل من الجنود وثلاث تنانين (باليريون المفزع تنين إيغون، فيغار تنين فيسينيا، ميراكسيس تنين رينيس) أو ببساطة ثلاث قنابل نووية ضد جيوش من السكاكين والأسهم.
النتائج متوقعة، الكثير من اللوردات استسلموا من دون معركة مثل عائلة الستارك، والكثير استسلم بعد المعركة مثل اللانيسترز، العديد من العائلات العريقة والجيوش تحولت لرماد، مثل قلعة هارنهال، عائلتها بنت قلعة من ممكن أن توقف مليون جندي على بوابتها، ولكن ببساطة الهجوم الجوي بالنيران بدون مضادات طيران دمر القلعة تماماً، أو معركة حقل النار عندما استخدم إيغون قوة تنانينه الكاملة ضد جيش ضخم من اللانيسترز والغاردنرز (آل غاردنرز كانوا حاكمين ال”reach” قبل عائلة تايريل لكن إيغون قضى عليهم تماماً)…

خطورة هذه القنابل النووية كانت واضحة من صفحات الكتاب والمواسم الأولى… رأينا تردد ديناريس باستخدامهم بشكل كبير في المسلسل، وكثيراً ما تم حفظهم كسلاح ديبلوماسي. حقيقةً أثناء حكم التيرغاريان شبت بينهم حرب أهلية تعرف ب “رقصة التنانين” استخدمت فيها هذه الأسلحة بشكل كبير، قُتِلَ مئات الألاف من الناس وحرقت قرى كاملة، حتى أدى هذا الشيء إلى انقراض التنانين في ويستروس، الأمر الذي بشكل غير مباشر حَكم على التيرغاريانز بالدمار بسبب فقدانهم قوتهم، إلى أن ثورة روبرت قضت على حكمهم أخيراً.

خطورة أسلحة الدمار الشامل وخصوصاً القنبلة النووية كانت كابوس يومي للناس التي عاشت تحت الحرب الباردة، بعد استخدامهم في ناكازاكي وهيروشيما نهاية الحرب العالمية الثانية، عاشت الإنسانية على شفا تدمير نفسها إلى الأن..

ما زال هنالك 14,485 ألف سلاح نووي في العالم

على فكرة، منذ عام 1950 حصل 32 حادث للأسلحة نووية، تعرف باسم “السهام المكسورة”. السهم المكسور هو حدث غير متوقع للسلاح النووي يؤدي إلى إطلاقه أو تفجيره أو سرقته أو فقده عن طريق الخطأ. حتى الآن، فُقِدت ستة أسلحة نووية ولم تسترجع أبداً، من غير المعروف كم قنبلة فقدها الاتحاد السوفيتي وأين.

القصة هي تنبيه عن خطر التغير المناخي:

بينما تقوم شخصيات القصة بالقتال فيما بينها على العرش، ظالمين الآلاف تحت سيوفهم باسم الملك الحقيقي أو الدين أو الانتقام أو… يزحف من الشمال الخطر الحقيقي منعدم الشفقة على الجميع بلا كلل أو ملل، نرى تشابه كبير بين البرد الذي يجلبه ملك الليل عند قدومه مع التغيرات في الحرارة التي سوف يسببها التغير المناخي في حال استمر الحال على ذلك، وكذلك الأمر من تفاعلات شخصيات المسلسل وخصوصاً ممن يعيشون في الجنوب، نلاحظ شك جميع هذه الشخصيات أن ملك الليل موجود أصلاً، أو حتى وجد من قبل، فهذه هي قصص نحكيها للأطفال قبل النوم ليس إلا، الأمر ذاته نلاحظه اليوم مع وجود نسبة كبيرة من الناس لا تصدق بالتغير المناخي حتى بدون القراءة أو التصفح عنه قليلاً، مع أن المجتمع العلمي جازم أن التغير المناخي حقيقي مع أرقام ودراسات كثيرة (يمكنك التوسع بالروابط أسفل التدوينة)، التغير المناخي شيء طبيعي يطرأ على الكوكب بسبب حركته في الفضاء أو حصول تغير كبير مفاجئ مثل انفجار بركان كبير أو سقوط نيزك على سطح الأرض، ولكن المشكلة هي أن الأمر يحدث بشكل متسارع وغير طبيعي بالمرة بسبب التصرفات البشرية التي نشارك بها جميعاً..

– التغير المناخي يؤدي إلى تحول المُناخ على المستوى العالم إلى مُناخ أكثر قساوةً.
– منذ 1980 زادت درجة الحرارة العالمية 0.8 درجة مئوية
– يسبب التغير المناخي ذوبان الجليد، الأمر الذي يهدد 370.000.000 إنسان يعيش على ارتفاع خمسة أمتار من سطح البحر
– يمكننا توقع زيادة في درجة الحرارة ومواسم حصاد أطول في المستقبل
– سوف يسبب ذلك المزيد من الطقس القاس مثل العواصف والجفاف وما إلى ذلك..

دراسة للنفس البشرية:

بالرغم من كونها خيالية (فانتازيا) تدرس القصة من خلال شخصياتها الكثيرة النفس البشرية، وكيف تتصرف تحت الخطر للنجاة، الشخصيات تقريباً كلها رمادية، من هو البطل ومن هو الشرير في هذه الحالة؟ ما هو الخير والشر؟ هذه الأسئلة تطرح بشكل متكرر، عندما نرى إلى أي حد من الممكن أن تتصرف سيرسي لحماية عائلتها والانتقام، ويخطر ببالنا نيد ستارك والحماقات التي ارتكبها واحدة تلو الأخرى باسم الشرف الذي يحمله، فهل الأفضل أن نأخذ طرقاً شريرة لتحقيق الخير الكبير أم يجب دائماً أن نحافظ على الحق حتى لو كان هذا الحق يؤدي أيضاً إلى الظلم بشكل أو بأخر، وهنالك جايمي، الذي كرهناه كل الكره أول المواسم إلى أن يصبح الشخصية المفضلة لدى الكثيرين عندما نكتشف دوافع أعماله وتصرفاته، أيضاً القصة تناقش موضوع رأيناه ضمن ألاف الأعمال الفنية، إلا وهو الانتقام، روب ستارك قام بثورة ضد الملك وجمع جيوش الشمال جميعها بعيداً عن عائلاتهم وحصادهم للانتقام لأبيه، أريا لديها سلسلة من الأسماء تريد قتلها تقولها بشكل متكرر، حيث في بداية الموسم السابق نرى أريا تستخدم تدريبها في إيسوس للانتقام من أحد هؤلاء الأسماء وعائلته بأكملها…
هنا نرى القصة الرومانسية التي شاهدناها وقرأناها وسمعناها كثيراً، عن البطل التراجيدي الذي ينتقم لشيء حصل معه ظلماً أو لأحد من أحبابه، ينهض من المأساة، يجمع قوته ويذهب لمواجهة من ظلموه، ولكن هنا الأمر مختلف تماماً، فالانتقام عشوائي، ظالم، يسلب من الساعين إليه حياتهم حرفياً أو مجازياً، ويحولهم في بعض الأحيان إلى نفس الشخصيات التي انتقموا منها لتعاد دائرة العنف من جديد.

هذه ليست أسئلة سهلة بالمرة، إنها معضلات تفكيرية قديمة، تكمن قوة هذه القصة بطرحها المختلف عن الباقي، بشكلٍ عار ومجرد، بشكلٍ رمادي ومؤلم، بشكلٍ يشبه حيواتنا الحقيقية حقيقةً.

هذه الإسقاطات والتشابيه بين الفن والواقع ممتعة حقاً، وبنفس الوقت تعطينا معنى وفائدة من قصصنا المفضلة، فالإنسان منذ القدم كان مولعاً بالقصة لدرجة إنه عندما لم يكن يعرف كتابتها كانَ يرسمها خدشاً وتلويناً على جدران الكهوف ويحفظها بصماً ليمررها للأجيال القادمة، ممكن هذه التشابيه والإسقاطات هي التي أوقعتنا بحب القصة منذ القدم..

ختاماً، اتمنى أن تكون اعجبتكم التدوينة وعادت إليكم بالفائدة..

4